فاصلة

مقالات

كيف تفضح بخفة؟… فيلم «أن تكون هناك» ومدخل إلى الكوميديا الساتيرية

Reading Time: 5 minutes

بدءًا من سبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، وبعد انتكاسة فيتنام وإجهاض الحلم الأمريكي، شهدت السينما موجة من الهجاء الحاد لسياسات المجتمع الأمريكي وتوجهاته. نلمس ذلك بوضوح في تجارب عدد من كبار المخرجين، مثل ستانلي كيوبريك، روبرت ألتمان، مارتن سكورسيزي، فرانسيس فورد كوبولا، جون كاربنتر، وسيدني لوميه، وغيرهم. ويتجلى هذا الاتجاه – على سبيل المثال لا الحصر – في أفلام مثل «الشبكة – Network»، و«الهروب من نيويورك – Escape from New York»، و«جاكيت معدني كامل – Full Metal Jacket»، و«سائق التاكسي – Taxi Driver».

 Network (1976)
Network (1976)

ورغم ما في تلك التجارب من هجاء يقترب أحيانًا من الهزل، فإنها تميل في جوهرها إلى الجدية وقسوة الطرح، حتى في أفلام تبدو أقرب إلى الكوميديا مثل فيلم  روبرت ألتمان «ماش – M*A*S*H» و«الشبكة – Network» لسيدني لوميت. فالأخير، على وجه الخصوص، يمكن اعتباره نموذجًا شبه مثالي للكوميديا السوداء، ومع ذلك لا ينجح في الابتعاد عن العنف بوصفه جزءًا أصيلًا من معالجته لموضوعه.

على الجانب الآخر، يبرز فيلم شديد الخفة في طرحه، هو «أن تكون هناك – Being There» للمخرج هال آشبي، الصادر عام 1979، والمقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأمريكي من أصل بولندي جيرزي كوسينسكي.

يُعد «أن تكون هناك» صوتًا مغايرًا في الهجاء، إذ ينتمي إلى نوعية مميزة من الكوميديا تُعرف بـ«الكوميديا الساتيرية – Satirical Comedy». وهي كوميديا من نوع خاص، تهتم بإعادة النظر في قيم المجتمع والسياسة عبر السخرية، بهدف تفكيك هذه القيم وفضح المنظومات التي تنتجها. لذا فهي كوميديا قائمة أساسًا على الملاحظة الدقيقة، يتبعها حس تحليلي قوي، يكشف العطب الكامن دومًا تحت السطح. 

(1979) Being There
 فيلم «أن تكون هناك»
(1979) Being There

سمكة خارج المياه: دهشة اكتشاف العالم

الكوميديا كما درستها في المعهد العالي للسينما مع أستاذ السيناريو د. هيمن التهامي فهي «مود – Mode» أكثر من كونها «جونرا»، أي طريقة تعبير وكيفية ووضع، لا نوعًا فيلميًا بالمعنى الصارم. وتندرج تحتها عدة «أنواع فرعية / بنيات – Subgenres»، مثل: الرومانتيك كوميدي (وهو الأكثر شيوعًا)، كوميديا الجريمة والسرقات (الأقرب للجمهور)، الكوميديا الرياضية، كوميديا الحياة العسكرية، وأخيرًا – وبشكل خاص، وهو النوع الأقرب لي – كوميديا «سمكة خارج المياه»، وهي من أكثر البنيات شهرة. وينتمي فيلم «أن تكون هناك» إلى هذه البنية الأخيرة. 

وتقوم هذه الكوميديا في جوهرها على:   

«شخصية في موقف مختلف كليًا عن عالمها المعتاد، ذلك لأنها لا تفهم القواعد، المعايير أو اللغة، العلاقات الاجتماعية والسياسية، وحتى الجغرافيا. وهذا النوع مرتكز على التنافر بين الشخصية الرئيسية والعالم المحيط بها، وتنبع الكوميديا من محاولة الشخصية التكيف مع عالمها الجديد، بكل مشكلاته وعاداته وقيمه وأفكاره، المختلفة كليًا عن أفكارها وعالمها الذي جاءت منه، ويتسائل الجمهور في كل مرة : من سيفوز: السمكة (الشخصية الرئيسية) أم العالم الجديد؟»
– دكتور هيمن التهامي، FILM COMEDY SUBGENRES

في فيلمنا لدينا الشخصية الرئيسية «تشانس» وهو اسم يحيل إلى معاني: الحظ، والصدفة، والمفاجأة، ويعمل «تشانس» طوال عمره بستانيًا لدى رجل أرستقراطي، وبموت ذلك الرجل يبدأ تشانس الخمسيني بمغادرة البيت الذي تربى فيه لعمره كله، ذلك البيت الذي لم يغادره، ولم يعرف في حياته ما يتجاوز حدود حديقته التي يعتني بها والتلفاز، ليضطر تشانس لمواجهة العالم الخارجي ولأول مرة.

في «سمكة خارج المياه» ثلاثة أنواع من الأبطال: «البطل المحفز – Catalyst Fish»، و«البطل الجريح – Wounded Fish»، والأخير هو  «البطل المحفز والجريح – Wounded & Catalyst»، وينتمي تشانس إلى النوع الأول، وهو البطل المحفز، وهو بطل يؤثر ويغير في العالم الخارجي بمجرد وجوده فيه.

(1979) Being There
 فيلم «أن تكون هناك»
(1979) Being There

يبدو سلوك «تشانس» أقرب إلى سلوك طفل؛ فهو يتحرك بمنطق بسيط وواضح للغاية. نراه في مواجهته الأولى مع العالم الخارجي، حين يصطدم بمجموعة من الشباب العدوانيين في الشارع، يحاول تغيير «القناة» باستخدام ريموت التلفاز، ظنًا منه أنهم مجرد عرض تلفزيوني، ليفاجأ بأن الريموت لا يعمل. يمتد هذا الوعي الطفولي ليشمل بديهيات الوجود ذاتها؛ فهو، على سبيل المثال، لا يدرك معنى الموت، كما يظهر في المشهد الافتتاحي عندما تخبره الخادمة بوفاة صاحب المنزل، فلا يُبدي أي اكتراث، بل يطالبها بفطوره.

نحن هنا أمام بطل يكتشف العالم الخارجي للمرة الأولى رغم ذلك تقوده المصادفة ليس إلى الصدام مع عالم خارجي فحسب، بل إلى عالم أكثر تعقيدًا منه -ظاهريًا- وهو عالم السياسية. ويحدث ذلك حين تعرض ساق تشانس للدهس بسيارة زوجة مستشار الرئيس لتعرض عليه البقاء في المنزل بضعة أيام لحين شفائه.

(1979) Being There
 فيلم «أن تكون هناك»
(1979) Being There

فن الفضح، وسلاب ستيك على نار هادئة

عُرفت كوميديا «السلاب ستيك – Slapstick» بوصفها طريقة ساخرة لتفكيك المجتمع والأنظمة بخفة، بدءًا من شابلن وباستر كيتون، مرورًا بجاك تاتي وشخصيته الشهيرة «هولوت»، وصولًا إلى وودي آلن في بعض أعماله. وتميز رواد هذا الفن ببنية شكلية واضحة، غالبًا ما تجلت في العصا والقبعة. وفي فيلم آشبي، نلحظ أن تشانس يتميز هو الآخر بالعصا والقبعة، بل يُشار صراحة إلى أن سترته تنتمي إلى زمن بعيد.

لكن على النقيض من كوميديا السلاب ستيك التقليدية، التي تعتمد في جوهرها على الحركة الجسدية المكثفة، نجد تشانس ثابتًا إلى حد كبير، قليل الحركة، ويمتلك سلاحًا مختلفًا: لسانه. فالكلام في هذا الفيلم هو المعادل الحركي لفن السلاب ستيك. ورغم اختلاف الوسيط – اللسان بدل الجسد – فإن الجوهر واحد: الممازحة والخفة، بغرض بسيط هو التعبير والحركة، لا المجابهة أو الصدام. والنتيجة النهائية هي فضح النظام وخلخلته دون قصد.

(1979) Being There
 فيلم «أن تكون هناك»
(1979) Being There

يتمثل هذا الفضح هنا في الجدية التي يتعامل بها الإعلام والمجتمع مع تشانس، يبدأ ذلك بجمل مقتضبة بسيطة له يلقيها أمام الرئيس الأمريكي أثناء زيارته لمستشاره في بيته في حضور تشانس، ويظن المستشار والرئيس أن تشانس يتعامل بلغة المجاز في حديثه عن اقتصاد الدولة في حين أنه لم يكن يقصد سوى الحديث عن الحديقة وكيفية الاعتناء بها، تتعاظم تلك النكتة بشكل متطرف حتى نرى كيف أصبح وجود تشانس تهديدًا لمقعد الرئيس. 

يشير ذلك أولًا إلى تفاهة رجال السياسة الأمريكية، وضحالة إعلامهم في زمن التلفاز، ومن ثم إلى «الهوس بالعمق»، وهو متمثل في الكيفية التي يبدأ الإعلام والسياسيون بها تفسير عبارات تشانس التي ينطق بها في كل مرة، ويرجع ذلك إلى طبيعة المجتمع الأمريكي في ذلك الحين، وتعبيرًا صارخًا عن «فراغه» وسقوط رموزه الكبرى، فبعد أحداث متتالية مثل فضيحة فيتنام، واستقالة نيكسون، واكتشاف زيف الحلم الأمريكي، بدا المجتمع في حاجة إلى رمز، معنى يتشبث به في زمن بلا معنى، مما يفسر اضطراره هنا إلى التشبث بـ«تشانس» المعبر عن المنطق والمعنى في عالم خلا منهما.

(1979) Being There
 فيلم «أن تكون هناك»
(1979) Being There

ولا تعد «أهمية» تشانس في الفيلم معبرة عن خواء المجتمع الأمريكي فحسب، بل هي أهمية يكتسبها تشانس نابعة من سياق زمنه، وهو زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية، وضرورة احتياج الإنسان لمعنى، عبر إعادة النظر في حقيقة الأشياء، والأفكار والمشاعر والمعاني الكبرى. نلمس ذلك حتى بعيدًا عن السياسة في الفيلم، متمثلًا في زوجة مستشار الرئيس المولعة بتشانس وعاطفته.

المفارقة هي أن تشانس ببساطة لا يمتلك عاطفة هو الآخر، وهو نتاج سياقه، فهو مولع أصلًا بالتلفاز، رمز العولمة الأكبر، فحدود ما يعرفه تشانس لم تتجاوز حدود شاشة التلفاز الصغيرة. وهو ما يشير إلى أن تشانس، إن عُدَّ مبشرًا في ذلك الزمن، فهو غير منفصل عن معطياته هو الآخر.

الوجود كحالة ذهنية: أن نكون هناك

تبدو الجملة الأخيرة في الفيلم – «الوجود حالة ذهنية» – غامضة، بل وخارجة عن السياق الظاهر. غير أنها تفتح الباب لقراءة وجودية مغايرة، تتجاوز الطبقات الاجتماعية والسياسية المباشرة، خصوصًا مع تزامنها مع المشهد الشهير الذي نرى فيه تشانس يمشي على سطح الماء.

هنا تتمثل طبقة جديدة ومغايرة لقراءة الفيلم من ناحية وجودية. ويؤكد على ذلك اسم الفيلم، فـ«أن تكون هناك» هو المرادف لمصطلح هايدجر الذي سماه بـ«الديزاين – Dasein». و«هناك» كما يراها هايدجر هي المعبرة عن «الوجود الفعلي»، والوجود الفعلي يشترط عند هايدجر «وعيًا» ما، وهو يتجاوز بدوره مجرد التواجد المجتمعي أو حتى الفيزيائي. بالتالي نرى ذلك الوعي متمثلًا في تشانس، الخارج عن مصفوفة زمانه، المحب والمتصل بالطبيعة أكثر، وربما هذا ما يجعله ملهمًا، محطمًا لكل القيود، وبخفة، خفة تمكنه من المشي على المياه، متحررًا من كل ثِقل.

اقرأ أيضا: «عندما يلتقي هاري سالي»… المشاعر ورشة مفتوحة

شارك هذا المنشور