فاصلة

أخبار وتقارير

كوثر بن هنية: خشيت أن أخون «صوت هند رجب»

Reading Time: 3 minutes

«طفلة فلسطينية مُحاصرة داخل سيارة، قتلها الاحتلال بدمٍ بارد». هذا هو السطر المؤلم الذي استلهمت منه المخرجة التونسية كوثر بن هنية، قصة فيلمها الأحدث «صوت هند رجب»، المقرر عرضه غدًا الأربعاء، ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي. الفيلم الأكثر ترقبًا هذا العام، يمثل أحد أكثر الشهادات إزعاجًا ورمزية للحرب في غزة، كونه نداء يائس سُمع في جميع أنحاء العالم، وقوبل بالصمت فقط!

حظي المشروع بدعمٍ رفيع المستوى من شخصيات هوليوودية مرموقة، منها: «براد بيت، وخواكين فينيكس، وروني مارا، وألفونسو كوارون، وجوناثان جليزر» الذين انضموا جميعًا كمنتجين منفذين للفيلم، مما زاد الأمل في أن يُسهم «صوت هند» في تحقيق المزيد من النجاح. وقد اختارت تونس الفيلم ليكون مرشحها الرسمي لجوائز الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم روائي دولي.

مُنعت «بن هنية» من دخول غزة، لكنها صمّمت على الاستجابة، فاتصلت بالهلال الأحمر وعائلة «هند»، وحصلت في النهاية على التسجيل الكامل، ومدته 70 دقيقة. من هذه المادة الخام، بنت «هنية» قصةً هجينة، تُركّز على أصوات عمال الهلال الأحمر الذين حاولوا، رغم كل الصعاب، إنقاذ الطفلة. يؤدي ممثلون فلسطينيون دور المسعفين، لكن صوت «هند» الذي نسمعه هو صوتها، من التسجيل الأصلي لذلك اليوم.

كوثر بن هنية
صوت هند رجب (2025)

إن الفيلم لا يواجه الصمت الذي لبى نداء «هند» فحسب، بل يواجه أيضًا التواطؤ الأوسع نطاقًا لأولئك – بمن فيهم وسائل الإعلام الدولية – الذين يشهدون معاناة غزة دون أن يكونوا قادرين أو راغبين في تقديم المساعدة للأصوات المنادية. بالنسبة للمخرجة، كان «صوت هند رجب» عملاً يتطلب مسؤوليات، حيث تقول في حوارها مع موقع «هوليوود ريبورتر» : «كنت خائفة من أن أفشل في إبراز صوتها، وأن لا يكرم فيلمي ذكرى هند».

في البداية، تأثرت «بن هنية» بصوت الطفلة الصغيرة «هند»، عندما نشر الهلال الأحمر مقطعًا من مكالمتها عبر الإنترنت. تقول المخرجة التونسية في حوارها مع «The Hollywood Reporter»: «ظلّ هذا الصوت عالقًا في ذهني».

عندما علمت «بن هنية» أن الهلال الأحمر لديه تسجيل كامل، اتصلت بهم، وعندما سمعت التسجيل: «لم يكن ما طاردني مجرد عنف ما حدث، بل الصمت بين الأصوات. كنتُ مُستعدة لفيلم آخر، لكن كان عليّ أن أتوقف عند كل شيء وأروي هذه القصة».

«شعرتُ أن دورَي كمخرج أفلام هو إيجاد أفضل طريقة سينمائية لنقل ما وصلتُ إليه»، قبل أن تُضيف أنها كتبت السيناريو وفقًا لجميع قواعد السرد، لكن الواقع تجاوز الخيال بكثير.

أثناء العمل على الفيلم، تحدثت «بن هنية» مع والدة «هند» وموظفي الهلال الأحمر الذين كانوا على الهاتف، وبمجرد أن تأكدت من رغبتهم في مشاركة هذه القصة مع العالم، لجأت إلى التسجيل، الذي كان بمثابة القلب النابض للفيلم.

تشدد «بن هنية» على أهمية هذا التسجيل؛ «لأنه عندما أسمع صوت هند، أعود على الفور إلى الشعور الذي شعرت به عندما سمعت صوتها لأول مرة: كل العجز والغضب والحزن. أردت مساعدتها». كان هذا الشعور هو ما تملَّك موظفي الهلال الأحمر أيضًا، كانت وجوههم «هي أفضل طريقة لترجمة ما شعرت به، لإظهار طلبها للمساعدة من خلالهم. كانت تطلب المساعدة من الجميع، وكل من يسمع هذا التسجيل يشعر وكأنها تطلب المساعدة منهم».

بدأت «بن هنية» بكتابة نصّ من المكالمات، وعندما قامت بتصوير تلك المشاهد، كان الممثلون يسمعون صوت «هند» الحقيقي عبر سماعات الرأس. وخلال مرحلة تصميم شريط الصوت، حافظت المخرجة على الصوت الأصلي في الفيلم، مع الحفاظ على أصالة الصوت مع كل التشويش المحيط: «لم نُنقّح الصوت، بل أبقيناه قريبًا من التسجيل. يتحدث الممثل بصوته الخاص، بينما ظلّ صوت هند كما هو».

صوت هند رجب (2025)
صوت هند رجب (2025)

تعتقد «بن هنية» أن التحدي الأكبر خلال العمل على الفيلم كان ثقل تكريم قصة هذه الطفلة. لقد كانت مسؤولية جسيمة «كنت أخشى أن أُخذل صوتها، وأن لا يُخلّد فيلمي ذكراها. هذا ما سبب لي أكبر قدر من القلق». ولهذا سُميَّ هذا الفيلمُ «صوت هند رجب»، لأن قصة هند رجب «بالنسبة لي، تُجسد هذا الإسكات. فالجميعُ كان يسمع صوتَها على الإنترنت، لكن لم يُقدِمْ أحدٌ على مساعدتها أو على مساعدة جميع الأطفال الذين قُتلوا بعدها. إنه أمر مُخزٍ».

ترى «بن هنية» أنه من المثير أن يبكي أحدهم طلبًا للمساعدة، ولا يُسمع صوته. هناك عنصريةٌ في الصوت الفلسطيني، حيث لا يُقدّره الكثيرون حتى كإنسان. لهذا السبب «أردتُ أن أروي قصتها من خلال عدسة السينما، لأن السينما قادرةٌ على إثارة هذا الشيء الثمين، وهو التعاطف. والتعاطف هو تحديدًا الشيء الثمين الذي غالبًا ما نغفل عنه عند الحديث عن غزة والفلسطينيين».

«عندما أصنع فيلمًا، في مرحلة ما، أبدأ بتصحيح الأخطاء، وفي نهاية مرحلة ما بعد الإنتاج، وبعد أن أشاهده مئة مرة، أفقد حساسيتي تجاهه وأركز فقط على التفاصيل التقنية. في هذا الفيلم، بكيت كلما سمعت صوت هند. كان هناك تأثير عاطفي كبير. شعرتُ بضرورة فعل شيء ما، حتى لا أكون متواطئة. ليس لديّ أي سلطة سياسية، ولستُ ناشطة. كل ما أملكه هو أداة واحدة أتقنتها قليلاً، وهي السينما». هكذا اختتمت «بن هنية» حديثها.

شارك هذا المنشور