في عام 2022، أطلق مهرجان القاهرة السينمائي قسم «كلاسيكيات القاهرة»، وكان افتتاحه التجريبي بفيلمي «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق صالح و«أغنية على الممر» لعلي عبد الخالق. أدت النتيجة الإيجابية الفورية التي حققها هذا القسم الجديد إلى تشجيع حسين فهمي، الذي تولى منصبه كرئيس للمهرجان بعد عقود من كونه أحد أيقونات السينما المصرية، على المضي قدمًا في هذا المشروع. مما دفعه للتفكير وقتها: «لماذا لا نستعيد المزيد من كنوز السينما المصرية؟».
خلال نسخته الخامسة والأربعين، قدم الحدث قسمًا جديدًا مخصصًا للعناوين التراثية، مستعرضًا 10 جواهر من السينما العالمية، من بينها عناوين مثل «The Lonely Wife» و«The Color of Pomegranates» للاحتفال بالذكرى المئوية لعظماء السينما ساتياجيت راي وسيرجي باراجانوف، بالإضافة إلى ترميمات فائقة الجودة لأفلام «The Godfather Part II» و«The Thief of Baghdad» و«Cleopatra»، من بين العديد من الأفلام الأخرى. كما تضمن القسم أيضًا عروض لكلاسيكيات مصرية مرممة، منها: «قشر البندق» لخيري بشارة”، و«سواق الأتوبيس» لعاطف الطيب، و«الفتوة» لصلاح أبو سيف.

بصفته عضوًا في مجلس إدارة الشركة القابضة للسينما، اكتشف فهمي مكتبةً ضخمة تضم ما يقرب من 1400 عنوان تراثيّ تنتظر من ينفض غبارها وينقلها من تلك البوبينات المتهالكة إلى الشاشة الكبيرة مجددًا، وهذا ما حدث بالفعل بمساعدة مركز ترميم التراث السمعي والبصري التابع لمدينة الإنتاج الإعلامي المصرية. بمرور الوقت، اتسع هذا القسم النفيس لتشمل مكتبته، عامًا تلو الآخر، عناوين جذابة جديدة، وأصبحت سينما الهناجر بدار الأوبرا المصرية -حيث تُقام عروض هذا القسم- قبلة لمريدين الفن السابع لا تقل في إقبالها عن عروض المسابقات الأخرى؛ ليصبح قسم «كلاسيكيات القاهرة» ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحًا «مهرجانًا قائمًا بذاته».

نجيب محفوظ بطلًا
يضم قسم «كلاسيكيات القاهرة» هذا العام، مجموعة من العناوين الثرية التي احتلت مكانة بارزة في النصف الثاني من القرن العشرين؛ حيث يعرض القسم 21 فيلمًا مرممًا خلال فعاليات النسخة الـ46 التي تنطلق خلال الفترة من (12-21) نوفمبر الجاري. هذه العناوين تشمل 10 أفلام مرممة قام المهرجان بعرضها خلال فعاليات نسخته الـ45 العام الماضي، ومن المرجح أن إدارة المهرجان قامت بإضافتهم لإتاحة الفرصة لمن فاتهم مشاهدتها.
في الوقت ذاته، تضم القائمة 11 ترميمًا جديدًا يُعرضوا لأول مرة هذه الدورة، بما في ذلك: «غروب وشروق» و«الرجل الذي فقد ظله» لكمال الشيخ، و«جريمة في الحي الهادئ» و«الطريق» لحسام الدين مصطفى، و«زوجتي والكلب» لسعيد مرزوق، و«قنديل أم هاشم» لكمال عطية، و«امرأة في الطريق» لعز الدين ذو الفقار، و«خان الخليلي» لعاطف سالم، و«ليل وقضبان» لأشرف فهمي، و«مراتي مدير عام» لفطين عبد الوهاب، و«الناس والنيل» ليوسف شاهين.

ضمن قائمة الكلاسيكيات المرممة التي شملت 21 فيلمًا، كان أدب نجيب محفوظ هو البطل، مستحوذًا على ثمانية أفلام مستوحاة من قصصه ورواياته. يؤكد هذا الحضور الطاغي لأدب محفوظ في ذاكرة السينما المصرية الكلاسيكية، وتُبرز كيف تحولت رؤاه الاجتماعية والفلسفية والسياسية إلى أيقونات بصرية خالدة. وتضم الأفلام المأخوذة عن أعماله الأدبية روائع، مثل: ثنائية «بين القصرين» و«قصر الشوق»، بالإضافة إلى «القاهرة 30»، و«السمان والخريف»، و«الشحات»، و«خان الخليلي». لا يقتصر هذا التواجد على الاحتفاء بقيمة أدبه فحسب، بل تأكيدًا على كونه أحد الروافد الأساسية التي شكّلت جزءًا كبيرًا من الذاكرة السينمائية خلال فترة الستينيات الذهبية للسينما المصرية.

صورة المجتمع المصري على مدار عقدين
تمتد الأفلام المشاركة في قسم «كلاسيكيات القاهرة» لتشكل خريطة زمنية وفنية لتطور المجتمع المصري وإبراز صراعاته على مدار عقدين حاسمين، بداية من النصف الثاني لخمسينيات القرن العشرين التي أعقبت ثورة يوليو وشهدت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية جذرية وصولاً إلى أوائل السبعينيات والتركيز على التداعيات الكبرى في فترة ما بعد النكسة.
يمكن أن نلحظ الحراك الاجتماعي الذي تخلل المجتمع المصري عقب ثورة يوليو في واحد من العناوين الكوميدية البارزة للمخرج فطين عبد الوهاب، وهو فيلم «مراتي مدير عام»، الذي قدم صورة لتحديات المرأة العاملة والضريبة الباهظة التي تتكلفها نتيجة وصولها لمنصب قيادي بارز؛ وهي نقلة اجتماعية كبيرة تعكس ما كان يجري تحت سطح المجتمع في ذلك الوقت، إذا ما قورنت -على سبيل المثال- بصورة أخرى لنموذج المرأة الخاضعة في فيلم «بين القصرين»، الذي دارت أحداثه قبل 52.
لا شك أن فترة الستينيات هي القلب النابض لبرنامج «كلاسيكيات القاهرة»، حيث تضم القائمة عدد وفير من الأفلام التي أنتجت خلال هذا العقد (13 فيلمًا من أصل 21). كانت هذه الفترة هي الأخصب والأكثر إثارة للجدل فنيًا واجتماعيًا. فعناوين مثل: «القاهرة 30»، و«شيء من الخوف»، و«الرجل الذي فقد ظله»، و«الزوجة الثانية»، و«السمان والخريف» – بغض النظر عن نهايته الدخيلة؛ لم تتوقف عند كونها أيقونات كلاسيكية خالدة، بل كانت توثيقًا فنيًا جريئًا لحقبة التحولات الكبرى التي عكست قضايا: كنقد الوضع الطبقي الذي تدهور تدريجيًا عقب توغل السلطة، ومواجهة القهر والاستبداد، والتمرد.

إذا كانت سينما الستينيات قد شخصت أمراض المجتمع (الطبقية والفساد)، فإن سينما أوائل السبعينيات قد شخصت أمراض الفرد الناتج عن صدمات المجتمع (الشك والضياع والعزلة). فبعد الحقبة الذهبية التي انتهت بصدمة 1967، دخلت السينما المصرية من خلال أفلام، مثل: «السراب»، و«ليل وقضبان»، و«غروب وشروق»، إلى مرحلة تتسم بواقعية لاذعة تتوغل في أعماق الإنسان الممزق. حيث تميزت أفلام هذه الفترة بالابتعاد عن الشعارات الكبرى والتركيز على أزمة الهوية واليأس السياسي.
«الناس والنيل»… الفيلم الذي يكرهه شاهين
يبرز ضمن قائمة الأعمال المرممة فيلم «الناس والنيل» للمخرج الراحل يوسف شاهين، والذي يُحتفى بمئوية ميلاده في يناير المقبل. الفيلم الذي شارك في كتابته حسن فؤاد، يتتبع قصة بناء السد العالي، لكنه شاهدًا أيضًا على العقبات الإدارية والسياسية التي عطلت الفيلم من الظهور لنحو 8 سنوات.
يكشف المخرج يوسف شاهين في حوار مع الحياة اللندنية عام 1999، عن الصعوبات التي واجهت إنتاج فيلمه «الناس والنيل»، حيث بدأ العمل في عام 1964 برفضه لرواية موسى صبري واستبدالها بسيناريو خاص، مما أدى إلى غضب المسؤولين وحجب 17 جائزة عن فيلمه «الناصر صلاح الدين»، مما دفعه للسفر إلى لبنان، قبل أن يأمر الرئيس جمال عبد الناصر بعودته.

بعد العودة وإعادة كتابة السيناريو بأبطال جدد (عماد حمدي، وزوزو ماضي)، قوبلت النسخة الأولى بالرفض من الجانبين المصري والسوفيتي لأسباب متباينة (الروس اعترضوا على تجميل النوبة مقابل موسكو، والمصريون اعترضوا على تضخيم دور المهندس الروسي مقابل المصري)، مما أجبر «شاهين» على تدمير النسخة الأصلية وإنتاج نسخة أخرى من بطولة سعاد حسني وعزت العلايلي، وهو الفيلم الذي وصفه شاهين بأنه يكرهه لأنه لم يكن نابعًا من صميمه، لكنه اضطر لقبوله لضمان نجاح أول تجربة إنتاج مشترك بين مصر والاتحاد السوفيتي.