فاصلة

أخبار وتقارير

«كانّ 79»… سينما وسياسة وجدَل لا يتوقف

Reading Time: 4 minutes

شهد المؤتمر الصحافي للجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجان «كانّ» السينمائي في دورته الـ79 نقاشات موسَّعة اتسمت بالصراحة والعمق، إذ لم يقتصر الحديث على الجوانب الفنية، فامتد إلى القلق المتزايد تجاه الأوضاع العالمية، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على مستقبل الإبداع، وتحوّلات الصناعة السينمائية في ظلّ الحروب والأزمات الراهنة.

ويترأس لجنة التحكيم هذا العام المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك، الذي يقود نخبة من صنّاع السينما العالميين لصياغة ملامح الدورة الحالية. وتضمّ اللجنة في عضويتها الممثلة الأميركية ديمي مور، والممثلة الآرلندية روث نيغا، والمخرجة والكاتبة البلجيكية لورا واندل، والمخرج والكاتب التشيلي دييغو سيسبيس، والممثل الإيفواري إيزاك دي بانكولي، والكاتب الآيرلندي الاسكتلندي بول لافيرتي، والمخرجة الحائزة على «الأوسكار» كلوي تشاو، والممثل السويدي ستيلان سكارسغارد.

السينما والسياسة

منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أنّ المؤتمر لن يكون تقليديًا، إذ اتخذ الحديث منحًى سياسيًا، بعدما قدَّم كاتب السيناريو بول لافيرتي خطابًا حادًا أشعل حماسة الحضور وحظي بتفاعل واسع من الصحافة الدولية.

وفي خروج عن المألوف داخل المهرجانات السينمائية، استغل الكاتب الاسكتلندي الآيرلندي المؤتمر للتطرُّق إلى الأزمة الإنسانية المستمرّة في الشرق الأوسط، والتداعيات المهنية التي يواجهها الفنانون الذين يُعبّرون عن آرائهم السياسية بصراحة.

بول لافيرتي
بول لافيرتي

وقال لافيرتي خلال المؤتمر: «عار على مَن يلقون القنابل على النساء والأطفال في غزة، وعار على مَن يضعون أشخاصًا مثل مارك رافالو وخافيير بارديم على القوائم السوداء».

وأوضح أنّ فكرة حضور مهرجان يحتفي بالتنوّع والخيال والجمال، في وقت يشهد العالم فيه «الإبادة والعنف الوحشي»، كانت مؤثرة جدًا بالنسبة إليه، مضيفًا أنّ مهرجان «كانّ» يمثل مساحة للإنسانية والاختلاف، في عالم يزداد قسوة واستقطابًا.

السينما الكورية من الهامش إلى المتن

وفي كلمته خلال المؤتمر، استعاد بارك تشان ووك زيارته الأولى إلى مهرجان «كانّ» عام 2004، مشيرًا إلى أنّ الأفلام الكورية كانت آنذاك نادرة الحضور داخل المهرجان. وقال إنّ التحوّل الذي حدث خلال العقدين الأخيرين لا يعود فقط إلى نجاح السينما الكورية، وإنما أيضًا إلى اتساع مركز السينما العالمية نفسه، واستعداده لاحتضان أصوات من ثقافات مختلفة.

بارك تشان ووك
بارك تشان ووك

وأضاف أنّ «كوريا لم تعد على هامش الصناعة السينمائية العالمية»، مشيرًا إلى وجود ثلاثة أفلام كورية يترقّبها بحماسة في دورة هذا العام، قبل أن يمازح الصحافيين مؤكدًا أنه «لن يكون منحازًا» للأفلام الكورية خلال التحكيم.

وعن الجدل الذي أُثير في مهرجان «برليناله» السينمائي حول العلاقة بين الفنّ والسياسة، قال رئيس لجنة التحكيم: «أعتقد أنّ فكرة وجود تعارض بينهما فكرة غريبة. مجرّد احتواء عمل فنّي على رسالة سياسية لا يعني أنه عدو للفنّ، وفي الوقت نفسه لا ينبغي تجاهل فيلم لأنه لا يحمل رسالة سياسية».

وأضاف: «حتى لو أردنا تقديم رسالة سياسية رائعة، فإنّ عدم التعبير عنها بأسلوب فني كافٍ سيحوّلها إلى دعاية. لذلك أرى أنّ الفن والسياسة ليسا مفهومين متعارضين، فما دام التعبير عنهما فنيًا، فهما قيّمان».

أما بول لافيرتي، فاعتبر أنّ السياسة موجودة ضمنيًا في كلّ الحكايات السينمائية، سواء كانت أفلام رعب أو كوميديا، لأنّ كلّ قصة تتعامل بشكل أو بآخر مع السلطة والقيم وطريقة تعامل البشر مع بعضهم البعض.

ذعر الذكاء الاصطناعي

وخلال المؤتمر، أدلت الممثلة الأميركية ديمي مور برأيها في النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي، قائلة: «الذكاء الاصطناعي موجود بالفعل، وعلى هوليوود أن تجد سبلًا للتعاون معه».

ديمي مور
ديمي مور

وعن تأثيره في صناعة السينما، وما إذا كان ينبغي فرض مزيد من القوانين واللوائح، تابعت: «إنه سؤال مهم. أعتقد أنّ الواقع هو أنّ المقاومة تولّد مقاومة مضادّة. الذكاء الاصطناعي موجود بالفعل، لذا فإنّ محاربته معركة خاسرة، وإيجاد سبل للتعاون معه هو المسار الأجدى».

أما بول لافيرتي، فحوَّل النقاش إلى سؤال أعمق يتعلَّق بمَن يملك هذه التكنولوجيا، منتقدًا تركّز السلطة بيد شركات التكنولوجيا العملاقة والمليارديرات الذين يتحكمون بالخوارزميات والتقنيات الجديدة، محذرًا من ترك مستقبل الثقافة والفنّ في أيديهم من دون رقابة ديمقراطية أو شفافية.

الغموض السينمائي… لغة تُوحّد البشر

من جهتها، قدَّمت المخرجة كلوي تشاو إحدى أكثر المداخلات شاعرية خلال المؤتمر، حين تحدَّثت عن الغموض على أنه عنصر أساسي في الفنّ والسينما. وقالت إنّ البشر يحتاجون دائمًا إلى ما يتجاوز العقلانية والمنطق، والسينما تمنح مساحة لهذا الجانب غير القابل للتفسير الكامل.

كلوي تشاو
كلوي تشاو

وأضافت أنّ المهرجانات السينمائية تمنح الأفلام حرّية أن تكون غامضة أو عصيّة على التفسير الكامل، معتبرة أنّ هذا الغموض الإنساني يوحّد البشر أكثر من اللغة أو الأيديولوجيا.

وأضفى الممثل السويدي ستيلان سكارسغارد طابعًا ساخرًا على المؤتمر، حين سُئل عن شعوره وهو ينتقل من «المُحاكَم» إلى «الحَكَم» بعد سنوات طويلة من عرض أفلامه ضمن المسابقة الرسمية، فأجاب ضاحكًا: «هذا أكثر راحة بكثير من أن تُحاكَم».

سكارسغارد
سكارسغارد

وعندما سُئل عن خطوته التالية بعد نجاحاته الأخيرة، قال ساخرًا إنّ «الخطوة ليست خفيفة جدًا»، في إشارة إلى تعرّضه لجلطة ومحاولته بصعوبة صعود سلالم المهرجان.

ورغم اختلاف الخلفيات والموضوعات، بدا أنّ أعضاء اللجنة يتفقون على فكرة أساسية واحدة، هي أنّ المهرجانات السينمائية ليست مسابقات فحسب أو سجاد أحمر، بل مساحة لاكتشاف أصوات جديدة وأفلام كان يمكن أن تختفي من دون أن يراها أحد.

ولخَّص أحد الأعضاء هذه الفكرة بقوله إنّ الجوائز قد تبدو أحيانًا «عبثية»، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في دفع الناس إلى مشاهدة هذه الأفلام، ومنحها فرصة للحياة داخل الذاكرة السينمائية العالمية.

وينطلق مهرجان «كانّ» السينمائي مساء الثلاثاء بعرض فيلم «القبلة الكهربائية»، وهو فيلم كوميدي درامي فرنسي للمخرج بيار سلفادوري، يتناول قصة رسام شاب يحاول التواصل مع زوجته الراحلة عبر وسيطة روحية.

ويشهد الحدث هذا العام غيابًا ملحوظًا لأفلام هوليوود، رغم تأكيد مدير المهرجان تييري فريمو، خلال مؤتمر صحافي عُقد الاثنين، أنّ ذلك يعود إلى «التغيير الجذري الذي تشهده صناعة السينما».

شارك هذا المنشور

أضف تعليق