في هذا الملفّ الخاص، تفتح «فاصلة» نافذة واسعة على أحد أكثر موضوعات السينما إشكاليةً وتعقيدًا: الجسد والحميمية والسلطة. ثلاثة مقالات مترابطة للكاتب عمار ملص، تُقرأ كمسار فكري واحد يتتبّع كيف تشكّلت علاقة السينما بالجسد منذ ولادتها، وكيف تحوّل المشهد الحميمي من لحظة صدمة أخلاقية إلى ساحة صراع ثقافي وسياسي وجمالي.
يبدأ الملفّ من لحظة تأسيسية بدت للوهلة الأولى بريئة وعابرة. قبلة قصيرة صُوّرت في نهاية القرن التاسع عشر، لكنها فجَّرت أسئلة لم تخمد حتى اليوم. من هناك، نتابع كيف أصبحت الشاشة مرآة مكبّرة للرغبة، وكيف وُلد التوتّر بين ما يُرى وما يُمنع، وبين الحقّ في النظر والحقّ في الحجب. المقال الأول يرسم هذا التاريخ المبكر، من صدمة الواقعية الحسية إلى اختراع لغة الإيحاء تحت ضغط الرقابة، وكيف حوَّلت القيود المنعَ إلى أداة جمالية أعادت تعريف المتعة البصرية.
ينتقل المقال الثاني إلى مرحلة أكثر حدّة، حيث لم تعد المسألة مسألة أخلاق أو ذائقة، إذ أصبحت مسألة سلطة؛ فيُفكّك الكاتب النظرة السينمائية بوصفها أيديولوجيا، ويطرح في مقاله سؤالًا جوهريًا، هو: لمَن تُنتَج المتعة، ومَن يُعرَّف بوصفه ذاتًا، ومَن يُختَزل إلى موضوع للنظر؟ عبر مقاربات نقدية ونظرية، يتتبَّع النصّ كيف اشتغلت السينما على تكريس اختلالات جندرية، وكيف حاولت تيّارات مضادّة تفكيك هذه البنى وابتكار تمثيلات جديدة للحميمية خارج منطق الهيمنة.
أما المقال الثالث، فينزل من مستوى النظرية إلى أرض الواقع، حيث يصبح الجسد نفسه ساحةً حقيقيةً للنزاع. من فضائح الاستغلال في تاريخ السينما العالمية، إلى أشكال الرقابة والنبذ الاجتماعي في السينما العربية، تتكشّف سياسات الجسد بوصفها سياسات صورة وهوية. لذا، لا يعود السؤال ماذا نُظهر؟، بل مَن يملك حقّ الظهور، ومَن يدفع ثمن كسر الصمت؟
هذا الملفّ لا يُقدّم دفاعًا عن الجرأة ولا إدانة لها. هو يسعى إلى تفكيكها ضمن سياقها التاريخي والجمالي والسياسي عبر قراءة في مسار طويل تُظهر أنّ المشهد الحميمي ظلَّ دائماً أحد أكثر مفاتيح السينما حساسيّة، وموقعًا كاشفًا لتحوّلات السلطة وتمثيلات الجسد وحدود ما يمكن قوله ورؤيته على الشاشة.
الخطيئة الأصلية للشاشة

في البدء، لم تكن الكلمة، بل القبلة. لم تقع الحادثة في جنة عدن التوراتية، وإنما في استوديو «بلاك ماريا» عام 1896، حين قرَّر المخترع توماس إديسون أن يُوجّه عدسته نحو الممثلة ماي إروين والممثل جون رايس. لم يتجاوز المشهد ثواني: قبلةً أُعيد تمثيلها عن مسرحية موسيقية بعنوان «The Widow Jones- الأرملة جونز» كانت رائجة على مسارح برودواي آنذاك. لكن وَقْعها على الشاشة كان بمثابة زلزال أخلاقي هزَّ أركان المجتمع الفيكتوري المتزمّت.
لم يرَ الجمهور في تلك القاعة المظلمة مجرّد ممثلَيْن يؤدّيان دورًا عابرًا، بل رؤوا أجسادًا عملاقة تتحرّك بين الضوء والظل، تمارس فعلًا حميميًا بتفاصيل مرعبة الدقة بالنسبة إليهم. تضخّمت التفاصيل الصغيرة، حركة الشفاه، تلاقي الأنفين، الارتعاشة الخفيفة، لتصبح حدثًا يملأ مجال الرؤية. وصفت الصحف الفيلم بأنه تهديد للأخلاق، مقزّز ووحشي، معتبرة أنّ تكبير هذا الفعل الحميمي هو انتهاك لحرمة الخصوصية البشرية.
لقراءة المقال كاملا من هنا
من المتعة إلى السلطة… حين صارت النظرة أيديولوجيا

لم يكن دخول الأفلام الإباحية إلى الصالات الرئيسية في أواخر الستينات وبداية السبعينات حدثًا هامشيًا، فقد شكَّل زلزالًا ثقافيًا هزّ فكرة الرقابة ذاتها. وفي أعمال مثل «Blue Movie» عام (1969) لأندي وارهول و«Deep Throat» عام (1972)، صار الجسد والرغبة موضوعَيْن علنيَيْن، مما اضطر المحكمة العليا الأميركية عام 1973 إلى صياغة معيار قانوني يسمح بعرض المواد الصريحة شرط أن تمتلك «قيمة فنية». لم يكن هذا الانفتاح المفاجئ موجةً تجاريةً فقط، وإنما نقطة انعطاف معرفية دفعت المجتمع إلى مواجهة أسئلة جذرية مثل: مَن يملك حق تمثيل الجسد؟ وما حدود المتعة حين تتحول إلى سلعةً؟
في ظلّ هذا الانفجار البصري – الجنسي، دخلت الحركة النسوية في الثمانينات صراعًا داخليًا حادًا عُرف لاحقًا بـ«حروب الجنس النسوية». رأت بعض الناشطات في الإباحية تكريسًا للهيمنة الذكورية وإلحاقًا للضرر بالنساء، فيما دافع تيار آخر عن حرّية التعبير الجنسي بوصفها شكلًا من أشكال التحرّر. لم يكن الجدل أخلاقيًا فقط، فقد زعزع الأُسس التي يقوم عليها التصوير السينمائي نفسه.
لقراءة المقال كاملا من هنا
سياسات الجسد… من «استغلال» برتولوتشي إلى «السينما النظيفة» العربية

إذا كانت السينما الكلاسيكية قد بنت نظامها البصري على استحواذ النظرة الذكورية للجسد، فإنّ فيلم «Last Tango in Paris – التانغو الأخير في باريس» (1972) يشكّل لحظةً مفصليةً تكشف كيف يمكن لهذه السيطرة أن تتجاوز حدود الكادر لتصل إلى حدود الجسد ذاته. في هذا العمل، لا يُختزل جسد ماريا شنايدر إلى «موضوع» للنظر فقط، بل يتحوّل إلى مسرح لهيمنة مخرج وممثل يتعاملان معه بوصفه مادةَ اختبار. هنا، يرتفع مستوى السيطرة من تحكّم سردي أو جمالي إلى تحكّم وجودي مباشر، حيث تتداخل حدود الأداء مع حدود العنف النفسي.
لم يكن برناردو برتولوتشي ومارلون براندو، حين نفّذا مشهد الاغتصاب باستخدام الزبدة من دون إبلاغ شنايدر مسبقًا، يبحثان عن «صدق تمثيلي»، بل عن ردّ فعل «حقيقي» لم تُمنح الممثلة حقّ التفاوض عليه. هذه الواقعة ليست استثناءً أخلاقيًا، وإنما نموذج بنيوي لطبيعة السلطة في موقع التصوير، حيث يحتكر المخرج حقّ تعريف «الواقعية» ويحوّل الجسد إلى مجال اختبار. الكاميرا هنا لا تسجّل تجربةً، بل تنتزعها؛ وفضاء التصوير يتحوّل إلى فضاء تأديبيّ تُفرض فيه الانفعالات ويُعاد تشكيلها لمصلحة «الحقيقة السينمائية». لم تُغتصب شنايدر دراميًا فقط، بل اغتُصبت وجوديًا أيضًا، بوصفها كائنًا تُحدّد السلطة شروط ظهوره وانفعاله.
لقراءة المقال كاملا من هنا