مع إعلان أفلام النسخة الثانية والثمانين من مهرجان فينيسيا، يمكننا القول إن موسم الجوائز الكبرى قد بدأ من السجادة الحمراء الممتدة على جزيرة ليدو الإيطالية، حيث تقام الدورة الأحدث من المهرجان بين يومي الـ27 من أغسطس وحتى السادس من سبتمبر المقبلين.
كعادته كل عام، يعد البرنامج المعلن لفينيسيا بتجربة سينمائية ثرية، تجمع بين وجوه سينمائية مألوفة وأسماءً مخضرمة ستسير لأول مرة نحو قصر السينما.
“جمال” سورينتينو
فيما تميل معظم المهرجانات الدولية إلى اختيار أفلام مضمونة الجماهيرية لافتتاحها، وعادة ما تكون فيلمًا منتظرًا لاحد كبار مخرجي هوليوود، اختار مهرجان فينيسيا أن يفتتح فعالياته هذا العام بفيلم المخرج الإيطالي المخضرم باولو سورينتينو “جمال La Grazia” مع شريكه الدائم النجم توني سيرفيلو. ولا تزال حبكة الفيلم سرية للغاية، ولا نعرف عنه بخلاف صورة دعائية واحدة، سوى أنه يدور حول قصة حب تجري وقائعها ف يمكان ما في إيطاليا.
تأتي عودة باولو سورينتينو للمنافسة على الأسد الذهبي بالمسابقة الرسمية للمهرجان، بعد ظهوره الأخير قبل أربع سنوات بفيلم “يد الله The Hand of God” الفائز بالأسد الفضي. ومن المتوقع أن يترك فيلم سورنتينو الجديد بصمة كبيرة في المهرجان لأصالة مخرجه وانتظار جمهور فينيسيا له. خاصة وان مدير المهرجان ألبرتو باربيرا وعد الجمهور باكتشاف عظيم سيجدونه في الفيلم ليلة الافتتاح.

الفيلم السنوي لـ لانثيموس
تزخر المسابقة الرسمية التي تضم عشرين فيلمًا بعيديد من الأسماء البارزة، في مقدمتها اليوناني الصادم يورغوس لانثيموس الذي ينافس على الأسد الذهبي بفيلم “بوغونيا Bugonia“، الذي تدور أحداثه حول شابان مهووسان بنظريات المؤامرة يختطفان باختطاف الرئيس التنفيذي لشركة كبيرة، مقتنعين بأنها كائن فضائي عازم على تدمير كوكب الأرض.
الفيلم يمثل أحدث تعاون بين لانثيموس وممثلته المفضلة على ما يبدو إما ستون، فهذا هو فيلمهما الرابع على التوالي معًا منذ “المفضلة The favorite” والذي تلاه فيلما “كائنات مسكينة Poor things” و”أنواع من الحنو Kinds of kindness”. وشاركا بفيلم “كائنات مسكينة” في مسابقة فينيسيا سنة 2023، والذي توج حينها بالأسد الذهبي ثم جائزة أوسكار لإما ستون وثلاث جوائز أخرى.
من بين مفاجآت المسابقة الرسمية، تواجد النجم داوين جونسون بفيلم “آلة التحطيم The Smashing Machine” للمخرج بيني سافدي، وتشاركه البطولة إميلي بلانت.
كان من المخطط عرض الفيلم خارج المسابقة الرسمية، لكنه عاد إلى الداخل بعدما اكتشف باربيرا أنه “فيلم رائع عن شخصيتين عظيمتين، يتمكنان من إعادة بناء ليس فقط حياة ومشاكل بطل المصارعة مارك كير، ولكن أيضًا تصوير عالم وزمن محدد” بحسب تصريحاته.
وبعد غيابها عن المسابقة العام الماضي، تعود عملاقة البث الرقمي “نتفليكس” بثلاثة أفلام كبرى منتظرة في المسابقة الرسمية، في خطوة قد يراها البعض كرمًا بالغًا من إدارة المهرجان للمنصة الأمريكية.
حيث يعود المخرج الغائب منذ سنوات نواه بومباخ بفيلم “جاي كيلي Jay Kelly”، بعد غياب 3 سنوات على مشاركته الأخيرة بفيلم “ضجيج أبيض White Noise”، والذي لم يحقق صخبًا هائلًا في فينيسيا وقتها مثلما فعل مع “قصة زواج Marriage Story” قبل 6 سنوات.
وبعد غياب دام 17 عامًا، تعود المخرجة الأمريكية كاثرين بيجلو، للمسابقة الرسمية بفيلم “بيت من ديناميت A House Of Dynamite” من بطولة النجم إدريس إلبا، وتدور أحداثه حول مجموعة من موظفي البيت الأبيض الذين يحاولون مواجهة هجوم صاروخي وشيك على أمريكا، وتتطور الأحداث في الوقت الحقيقي مع تصاعد التوترات.
أما ثالث عناوين نتفليكس المنتظرة فيلم “فرانكنشتاين Frankenstein” للمخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو، الذي سبق وتوج بالأسد الذهبي قبل ثماني سنوات عن فيلمه “شكل المياه The Shape of Water”.
الفيلم الذي يقوم ببطولته أوسكار إيزاك ومعه ميا جوث، يغوص في أعماق الحكاية الأسطورية لفرانكنشتاين، والتي تدور حول عالم لامع ولكنه أناني، يجلب مخلوقًا إلى الحياة في تجربة وحشية تؤدي في النهاية إلى هلاك الخالق وخلقه المأساوي.

أما المخرج الأمريكي جيم جارموش، فسيأخذ نصيبه الكامل من الأضواء في دورة المهرجان الجديدة بفيلم “أب أم أخت أخ Father Mother Sister Brother”، الذي يمثل ظهوره الأول في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا.
صُمم أحدث أفلام جارموش كلوحة ثلاثية، تتناول قصصها الثلاث علاقات الأبناء البالغين، مع آبائهم أو أمهاتهم البعيدين نوعًا. حيث تدور أحداث كل فصل من الفصول الثلاثة في الوقت الحاضر، وفي بلد مختلف: تدور أحداث “الأب” في شمال شرق الولايات المتحدة، و”الأم” في دبلن، أيرلندا، و”الأخ/الأخت” في باريس، فرنسا. وكما هو الحال في أي فيلم من أفلام جارموش، فهو دراسة شخصية تمزج بين الحزن والكوميديا.

بين أوروبا وآسيا
وبعيدًا عن أسوار هوليوود، أوضح باربيرا أن السينما الفرنسية والإيطالية وأجزاء أخرى تحضر في المهرجان بمشاركات قوية، خاصة جنوب شرق آسيا التي تتواجد في المنافسة هذا العام لأول مرة منذ سنوات عديدة.
أهم هذه العناوين، فيلم المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك “لا توجد خيارات أخرى No Other Choice”، الذي يعود لفينيسيا بعد غياب عقدين منذ أخر أفلامه “سيدة الانتقام Lady Vengeance”.
يصور الفيلم قصة موظف مكتب مُسرّح من عمله، يحاول التخلص من منافسيه خلال عملية إعادة التوظيف. الفيلم مقتبس من رواية “Axe” للكاتب الأمريكي دونالد ويستليك، وهو أول فيلم روائي طويل لبارك تشان ووك منذ ثلاث سنوات منذ فيلم “قرار الرحيل Decision to Leave”.
وتعود المخرجة المجرية إلديكو إنيدي، لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، بعد 31 عامًا، بفيلم “الصديق الصامت Silent Friend”، ضمن عروض المسابقة الرسمية، بعدما شاركت للمرة الأولى عام 1994، بفيلم الفانتازيا “Büvös vadász”، الذي نافس على جائزة الأسد الذهبي.
يمثل – كعادة أفلام إنيدي – تجربة حسية بين البشر والطبيعة. ويحكي ثلاث قصص مرتبطة بشجرة على مدى أكثر من 100 عام، ويركز على التحولات الجذرية في إدراك الإنسان والنباتات الحيوانات لبعضهم البعض.

وبعد ست سنوات منذ أخر مشاركاته في فينيسيا، يعود المخرج الفرنسي أولفييه أساياس، بفيلم الدراما السياسية “ساحر الكريملين The Wizard Of The Kremlin” من بطولة النجم جود لو، وتدور أحداثه حول مخرج أفلام روسي شاب يصبح مستشارًا غير متوقع لفلاديمير بوتن مع صعوده إلى السلطة في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، ويتعامل مع تعقيدات وفوضى العصر الجديد.

ومنذ أن حصد جائزة الاتحاد الدولي للنقاد “فيبريسي” بمهرجان فينيسيا قبل سبع سنوات عن فيلم “غروب Sunset”، يسجل المخرج المجري لازلو نمش ظهوره الأول في المسابقة الرسمية بفيلم يحمل اسم “يتيم Orphan”، الذي تدور أحداثه بعد الانتفاضة المجرية عام 1956، حيث يواجه صبي صغير، ربته والدته على قصة والده الميت المثالي، رجلاً وحشيًا يدعي أنه والده الحقيقي.
أصوات نسائية عربية
لا شك أن مهرجان فينيسيا السينمائي هو ما صنع جانبًا كبيرًا من مجد المخرجة التونسية كوثر بن هنية، وقتما شاركت قبل خمس سنوات بفيلم “الرجل الذي باع ظهره” ووصلت به إلى جوائز الأوسكار.
هذا العام، تعود بن هنية بحكاية مؤثرة، ستثير إعجاب الجمهور والنقاد على حد سواء، مثلما صرح باربيرا. قصة تقول المخرجة التونسية أن جوهرها بسيطٌ جدًا، ويصعب العيش فيه. حيث لا تستطيع تقبّل عالمٍ يطلب فيه طفلٌ المساعدة ولا أحد يستجيب.
يروي الفيلم، المشارك في المسابقة الرسمية، قصة الطفلة الفسليطينة هند رجب التي قتلها رصاص الجيش الإسرائيلي في غزة العام الماضي مع ستة من أفراد عائلتها. أثار مقتل رجب احتجاجات عالمية، أبرزها في جامعة كولومبيا، حيث أعاد الطلاب تسمية قاعة هاميلتون باسم قاعة هند. كما أصدر مغني الراب الأمريكي ماكيلمور أغنية احتجاجية بعنوان “قاعة هند Hend’s hall” ثم أصدر جزء ثان من الأغنية نفسية قدم فيه فنانون فلسطينيون، ووجه أرباح الأغنيتين بالكامل لإغاثة الفسلطينيين في قطاع غزة.

أما المخرجة السعودية شهد أمين، التي خطفت الأنظار في فينيسيا قبل ست سنوات بفيلم “سيدة البحر”، الفائز بجائزة نادي فيرونا لأفضل عمل مبتكر، تعود إلى فينيسيا هذا العام بفيلم “هجرة“، ضمن قسم “فينيسيا سبوتلايت” الذي آتى بديلاً لقسم “آفاق إكسترا”.
يمثل هذا الاختيار علامة فارقة في مسيرة المخرجة شهد أمين، التي تعود إلى فينيسيا ككاتبة ومخرجة بفيلم طريق شعري، تدور أحداثه في عام 2001، ويتبع قصة جدة تسافر من جنوب المملكة العربية السعودية إلى مكة المكرمة مع حفيدتيها. وعندما تختفي إحداهما، تتحول الرحلة شمالًا بحثًا عنها، كاشفة عن المناظر الطبيعية العاطفية والجسدية للمملكة العربية السعودية.
صُوّر الفيلم في تسعة مواقع متنوعة – من العلا وتبوك إلى نيوم وجدة – وهو استكشاف سينمائي للأنوثة والهوية. حيث يستكشف سرد أمين الدور التاريخي للمملكة العربية السعودية باعتبارها مفترق طرق للمجتمعات الإسلامية، وينسج موضوعات الهجرة والمرونة بين الأجيال. ووصف الرئيس التنفيذي لهيئة الأفلام السعودية عبدالله القحطاني، المشاركة، بأنها “انعكاس للتقدم الملحوظ الذي تشهده السينما السعودية وتفاني صناع الأفلام لدينا”.

وفي نفس القسم، تشارك المخرجة المغربية مريم توزاني بفيلم “شارع ملقا”، الذي تشارك في بطولته الممثلة الإسبانية الشهيرة كارمن ماورا، ملهمة المخرج بيدرو ألمودوفار، وتلعب خلاله دور امرأة تبلغ من العمر 74 عامًا، تنتمي إلى الجالية الإسبانية في طنجة، وتستمتع بهدوء حياتها في هذه المدينة الساحلية المغربية الزاهية. عندما تقرر ابنتها بيع منزلها، تُجبر على الرحيل رغمًا عنها. فتنطلق لاستعادة منزلها وأثاثها، اللذين بيعا لتاجر تحف. ومن خلال هذا اللقاء، تكتشف فجأةً إمكانية الحب والإثارة.

أما خارج المسابقة الرسمية، فتتواجد المخرجة الليبية جيهان، بشريطها الوثائقي “بابا والقذافي“. تدور أحداث القصة عن رحلة بحث جيهان عن والدها، منصور رشيد الكيخيا، الذي كان وزير خارجية ليبيا وسفيرًا لدى الأمم المتحدة قبل أن ينشق عن نظام القذافي، وتعرض لعملية خطف أثناء تواجده في القاهرة العام 1993، ثم عثِر لاحقًا على جثمانه في ثلاجة تجميد بـ«فيلا» تابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية بطرابلس، قرب محل إقامة القذافي، بعد سقوط النظام العام 2011.
اقرأ أيضا: شهد أمين مخرجة «هجرة»: الفيلم انعكاس لتعددية المملكة وغنى تراثها