فاصلة

مقالات

فيلم «Sirāt»… صراط لا يُرى لكنه يُحسّ

Reading Time: 4 minutes

يمثّل فيلم «Sirāt صراط» واحدًا من أكثر التجارب السينمائية جرأة من ناحية الشكل البصري، وكذلك من حيث رهانه بالاشتغال على الإحساس قبل الفكرة، وعلى التجربة قبل الحكاية. فالفيلم يقترب من حدود السينما الطقسية. تلك التي تُشاهد كأنها رحلة روحية أو مجاز عميق لا يكتمل إلا بما يُحدثه في وجدان المتفرّج. ومن هنا، تتأسس قوته. حيث يبدو في منطلقاته الأولى وكأنه ينساق خلف تخوم جنس سينمائي عريق اسمه أفلام الطريق (Road Movies) إلا أنه ينقلب على الفكرة، فالطريق هنا ليس مساحة حرية، وتحرر من الماضي، بل مساحة مواجهة مع الذات. كما أن الرحلة ليست لمكان بل لمنطقة اعتراف.

يبدأ الفيلم من حدث بسيط وكأن الحكاية هي جوهر الفيلم. قصة اختفاء فتاة شابة خلال حفلة إلكترونية صاخبة في جنوب المغرب. وبمقتضى بحث الأب عن ابنته يتورط في عالم لا يشبه ما اعتاده. عالم مزدحم بالضوء والموسيقى والضجيج والشباب اللاهث وراء لذة عابرة. وهذا الاشتباك الأول بين الأب والفضاء الغريب هو الشرارة التي تدفع سياق الفيلم نحو رحلته الكبرى. حيث الضياع وانمحاء معالم الذات الصلبة هو الجوهر المقصود في «صراط». ومع ذلك، لا يتعامل الفيلم مع الحدث بوصفه لغزًا بوليسيًا، إنما بوصفه جرحًا ذاتيًا مفتوحًا لا يُراد إغلاقه.

Sirât (2025)
Sirât (2025)

إن البحث عن الابنة، كما بدا للوهلة الأول، ليس بحثًا عن المفقودة، بقدر ما هو بحث عن الذات المكسورة، الذات التي أساءت الفهم والإصغاء. أو ربما فقدت القدرة على فهم تلك المسافة الكاسرة والمعقدة بين جيلين، بين أب وابنته، بين حياة مستقرة وحياة تميل إلى الفوضى. ومن هنا، يتحول الفيلم إلى سردية تفكّك العلاقة بين الداخل والخارج، بين ما يُرى وما يُكتم. بمعنى أن البحث عن المفقودة يتمثلن في صورة البحث عن الذات. وعليه، تتضح الحكاية بأن الفلم ليس بحثًا عن شخص بل عن مركز وجودي. وبذلك تكون كل خطوة على الأرض صدى لخطوة داخل الروح.

ينتقل الأب مع مجموعة من الشباب الراقصين الحالمين بالحرية Ravers إلى الصحراء، الذين يمارسون الرقص الدائم كفعل هروب. وهناك يبدأ التحوّل الأكبر في الفيلم. حيث تتجاوز الصحراء مفهوم المكان. وتتحول إلى كائن حي، كيان يتنفّس، ويختبر، ويمتحن. متاهة هائلة تخرج من لبوسها كمكون طبيعي لتصبح فضاءً روحيًا يُعرّي الإنسان. ولا يمكن للإنسان أن يختبئ فيه. إذ لا مبانٍ، ولا مدن، ولا أصوات بشرية قادرة على تغطية التوتّر الداخلي. وبذلك تستحيل الصحراء تدريجيًا إلى مرآة وجودية تلتقط أصغر الانكسارات داخل الأب، وتعيدها إليه مضاعفة. 

وهذه القسوة التي تبدو في ظاهرها جمالية هي في العمق حالة فلسفية. فبقدر ما يخدم المكان الحدث، يتشكل المكان كبنية تبتلع الحدث وتعيد تشكيله. وربما لهذا السبب اعتمد التصوير على ألوان محايدة مصدرها الضوء الطبيعي، وعلى حركة كاميرا بطيئة لالتقاط التوتر  وكشف الاضطراب، حيث لا إبهار ولا شاعرية، والقليل من المتعة البصرية لتأكيد قسوة الفيلم. اقترابًا مما يُعرف بالواقعية الخشنة. بما تتضمنه من حدة المشاعر، وشدة الأحاسيس، وكثافة الطبقات العاطفية.

Sirât (2025)
Sirât (2025)

انطلاق «صراط» بمشهد ينهض على إيقاع إلكتروني صاخب مضطرب وغير مريح يعكس عالم الابنة ورفاقها. عالم حفلات الطيش والرغبة في الانفلات. إلى أن يتخلى عن تلك المشهدية الغرائزية إلى مشاهد تجريبية فلسفية سريالية. فكلما تقدّمنا في السرد الفلمي يختفي الإيقاع الفائر شيئًا فشيئًا، ويحلّ مكانه صمت يشبه الخفق الداخلي، صوت يشبه القلق أكثر مما يشبه الموسيقى.وهذا الانتقال الصوتي يعبّر عن مسار الشخصيات. من الهروب إلى المواجهة، ومن الضجيج إلى الاعتراف بالصمت. وذلك داخل رحلة روحية تنزع عن العالم الخارجي زخارفه، لتكشف هشاشة الإنسان حين يقف بلا حماية، بلا إيقاع، بلا إضاءة.

إحدى النقاط المثيرة في فيلم «Sirāt» هي أن الشخصيات غير مبنية بالطريقة التقليدية. إذ لا يقدم الفيلم خلفيات سيريه واضحة، ولا يصرّ على رسم ملامح نفسية مفصّلة. أما دافع ما السير في الصحراء فهو على درجة من الغموض، فقد يعني الخوف أحيانًا، أو البحث عن معنى تارة أخرى، وربما الرغبة في الهرب من شيء لا اسم له. فالأب يظهر كظلّ لرجل فقد علاقته بالعالم. بل هو كتلة من الندم المكثّف، الممزوج بشجاعة مكسورة. والخطوط العميقة على وجهه هي التاريخ الذي يجره بصمت كما يجر ظله. والإبنة تظهر كطيف يطارد السرد ولا يدخل فيه. مع وجود إشارات قوية لحياتها المرتبطة بثقافة الرقص Rave والموسيقى العالية، والضوضاء، والرقص كآلية لتهريب الذات.

Sirât (2025)
Sirât (2025)

أما الشباب الذين يرافقونه فليسوا شخصيات بقدر ما هم مرايا أو ارتدادات تكشف له نسخًا مختلفة من نفسه. حيث الأجساد مبتورة الأعضاء التي تحيل إلى مخلوقات مبتورة الأرواح، تعوض عن تيهها بالموسيقى الصاخبة والرقص الدائم والترحال. وهذا الاختزال في رسم الشخصيات يخدم طبيعة الفيلم الذي لا يقدم سيرة أشخاص بقدر ما يستعرض حالات، وانفعالات وظلال شخصيات  لا تحتاج إلى أسماء أو تاريخ كي تكون واضحة. فالعالم الذي يبنيه الفيلم مظلل بنبرة رمادية منطبعة بقوة على الشخصيات. وهو الأمر الذي يتأكد في طابع الموسيقى التي لا تصاحب الأحداث، بقدر ما تشرح ارتباك الشخصيات. كما تلعب دور الصوت الداخلي المشوه.

أما الثلث الأخير  من الفلم فهو على درجة من المباغتة حيث يتوقف السير في الدروب الوعرة، وبذلك يتحول «صراط» إلى محطة من محطات إرادة البقاء. إذ لا يعود من المهم بحث الأب عن ابنته. وينتفي التساؤل عما إن كان سيجدها. خصوصًا بعد الخسارة المفجعة لابنه الذي كان يرافقه. وهنا ينتقل السؤال حول قدرته على تحمّل ما سيراه. وبذلك ينتقل مركز تفكيره حول فكرة الوجود في وجه الفراغ، والبحث عن مخرج من هشاشته وانكساره ضمن طقس العبور. حيث لا يرى الإنسان نفسه إلا عندما يرى خطاه، وحين يسمع ما في نفسه أثناء السير.

Sirât (2025)
Sirât (2025)

وهكذا يضع الفلم الإنسان أمام سؤال وجودي قاسٍ: هل نختار الطريق، أم يُفرض علينا؟ وهنا مكمن عنوان الفيلم. بكل ما يحمله مفهوم الصراط من ظلال روحية ووجودية، بمعنى هل الصراط الذي نعبره خارجي فعلًا، أم هو طريق داخلي طويل لا نهاية له؟ وهذا هو سر النهاية المفتوحة. لأن الإجابة أصلًا غير موجودة، ولأن الواقع، مثل الصحراء، لا يعترف بالخواتيم المغلقة. فالفيلم في نهاية المطاف عبارة عن رحلة تبدو على أرض الواقع كحدث واقعي في الصحراء، لكنها في الحقيقة رحلة داخل الروح. رحلة نحو صراطٍ لا يُرى، لكنه يُحسّ. رحلة في اتجاه الحقيقة، ولو كانت الحقيقة مجرد صمت طويل.

اقرأ أيضا: «صراط»… رقصٌ كابوسي على حافة الفناء

شارك هذا المنشور