في عمل فني كبير مليء بالسينما وجمالياتها، بلقطات بصرية واسعة، وأداءات تمثيلية مدهشة، وقصة سعودية أصلية أصيلة، ينطلق فيلم هجرة بمشهد السيدات المُحرمات في الباص المتجه إلى الميقات في الطائف لأداء فريضة الحج، ما يوحي –ابتداء- بنفَس نسْوي يكاد يؤطر خطاب الفيلم برهافة دون حدة، (الحج) هذه الممارسة الدينية التي تتقاسمها ديانات واتجاهات طقوسية متعددة، تحيل في مجملها على رحلة تطهّر روحي ولقاء مع الذات باتجاه الإله دون حواجز، طقس جماعي يحتشد فيه البشر لكنه في جوهرة رحلة فردية تتقلب فيها الذات الجوانية بما يكتنفها من مناجاة تبتغي طرحها في ساحة العلي القدير، رحلة عبور وانعتاق من الدنيوي إلى المقدس والطهراني. وفي المقابل فهو ممارسة حشودية تجمع الأعراق واللغات والأجناس والطبقات واللغات من مختلف الجهات، متوحدة في الاتجاه، مختلفة في المرجعيات والأدوات والطبائع والتجارب الفردية والمجتمعية.
الطقس الديني يحيط إحاطة تامة بمجريات الفيلم، ولعل هذه الهالة الروحانية المحيطة بالسرد الفيلمي جعلتني أستحضر الحديث النبوي المعروف “إنما الأعمال بالنيات، وإنما كل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه” والحديث الآخر الذي يقول “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية”!

قد لا يكون شائعًا أن يتم التعاطي مع فيلم سينمائي من زاوية نظر شعائرية أو دينية، ولكن فيلم هجرة لا يعفيك من ذلك أبدا، حين اتخذ من الحج (ركن الإسلام الخامس) إطارا لسردية الفيلم تتناسل بداخله الحكايات الجماعية والتجارب الفردية المختلفة، ويتضاعف الأمر مع الاختيار الإبداعي المدهش لمفردة الهجرة ومفهومها وظلالها عتبةً نصية للفيلم، فإنك لن تنفك مستعيدًا السرديات الدينية الكبرى التي تسكن ذاكرتنا المحلية، باعتبار المملكة العربية السعودية مَحجةً لقلوب المسلمين في العالم، ومكة الشريفة محورًا قدسيًا كونيًا.
وإذا ما استعرنا جانبًا من مفهوم القراءة الطباقية Contrapuntal Reading لدى إدوارد سعيد، فسنجد أفق التأويل لهذا الفيلم يتسع منفتحًا على حقول دلالية هائلة، حيث خلقت شهد أمين طباقًا سينمائيا ذكيًا وعميقًا؛ يضع سرديات الهجرة الدينية بكافة حمولاتها مقابل ظاهرة الهجرة المعاصرة بكافة تداعياتها وانشطاراتها، لا على سبيل الجمع بين ظاهرتين مستقلتين تاريخيًا؛ بل بوصفهما نظامين متقاربين من السلطة والهوية والانعتاق والملاذ. إذ لا تعود فكرة الهجرة سلوكًا دينيا أو انتقالا جغرافيا بالرحلة من ديار الكفر إلى دار الإسلام فحسب، بل تتبدى عبر مساحات الفيلم بوصفها ممارسةً استعادية للهويات المفقودة؛ مغادرة للمكان، ونزوع إلى الإفلات وإعادة تشكيل الذات عبر فضاء جديد مختار، يحمل معاني رمزية وقيمًا عليا، ومن الجهة الأخرى لا يتعاطي الفيلم مع الهجرة المعاصرة باعتبارها رحلة للبحث عن العمل والرزق والأمان، بل ممارسة وجودية تعيد صياغة مفاهيم الذات وانتماءاتها ومواقفها من ذاتها تجاه جملة من المفاهيم الكبرى؛ مفاهيم كالدولة، والذاكرة، والإنسان، والقانون!

المجتمعات الصغيرة الأحادية لا توجد لديها مشاكل هوياتية، فهي متطابقة ومتصالحة مع ذواتها، وفي صيرورة المجتمعات وتحولاتها الجوهرية، تتوجه بوصلتها الثقافية والفكرية إلى طرح مسائل الهوية الداخلية، لمناقشتها وتفكيكها ومقاربتها، وبخاصة حين تقع في مواجهة مباشرة مع أحداث كبرى، كما حدث مع المجتمع السعودي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م الذي أحدث تحولات جذرية هائلة في المجتمع السعودي على جميع الأصعدة، وهو العام ذاته الذي تدور فيه أحداث فيلم هجرة في إحالة شديدة الذكاء والتعقيد، حيث اتجه فيلم هجرة الداخل السعودي، في مقاربة هوياتية إبداعية للهوية المحلية في تقاطعها مع مكوناتها المختلفة وثنائياتها المتعددة، ذاك المزيج من الثقافات واللغات والمذاهب والأعراق، التي استوعبتها الذات السعودية في ممارسة حضارية ممتدة لمئات السنين، عبر الاعتراف بالآخر، والتسامح مع المختلف، والانفتاح والاندماج بين مختلف الهويات والانتماءات داخل هذا الإطار، جرأة شهد أمين في هذا التماسّ العميق مع التعددية الهوياتية، لجزء من المجتمع يوصف أحيانا بـ “بقايا حجاج”. وكأنها بفيلمها هذا تريد التأكيد عبر الوسيط السينمائي على أننا في السعودية الجديدة (وهي السعودية الحقيقية الأصلية) نتجاوز الخلاف والاختلاف إلى التعددية والتنوع الثقافي والحضاري. رسالة تتسرب أثناء الفيلم عبر تسريد هادئ للإنساني والدنيوي والروحاني.

هذا سبب مهم يدفعني إلى وصف فيلم هجرة بالجرأة، والسبب الأهم؛ أنه لم يحدث من قبل أن قام فيلم سعودي بتوظيف شعيرة دينية كبرى كشعيرة الحج في عمل درامي بهذا القدر والمساحة والإبداع السردي، الحج الذي اعتدنا أن نراه في أعمال تسجيلية أو وثائقية أو خلفية طفيفة على الأكثر، وأسباب ذلك مفهومة تماما ومبررة، لكن شهد أمين نجحت في نقل الروحاني والدنيوي، الذاتي والجماعي، عبر اختيار شعيرة الحج التي تشترك فيها كثير من الديانات والمذاهب، لكن بخصوصية إسلامية وهوية سعودية، استزرعت بداخلها كما هائلا من تفاصيل المجتمع السعودي وثقافته؛ في اللهجة والملابس والمكان والسلوكات والفئات، يعزز أصالة الفيلم، الأصالة التي تفتقدها أفلام سعودية كثيرة بكل أسف.

نقل الفيلم ذلك كله عبر نفَس نسوي يتناسب مع الهموم الاجتماعية والحضارية للمرحلة التي يجسدها، وإن برؤية فكرية جمالية أوسع، كان بطلها السرد بالتداعي أو بالأثر، فالحج حاضر بتأثيره في الزمان والمكان وفي الأحداث والشعور، الأب بسلطته البطريركية حاضر عبر صوته فقط، سارة ذاتها اختفت من الشاشة بعد مشهدين أو ثلاثة، نسجت فيها ملامح جيلها المختلف تماما عن جيل الجدة، وبقي أطراف الحوارية الأنثروبولوجية الكلاسيكية، الأجداد والأحفاد، تتوسطهما شخصية من هامش المجتمع لسائق الوانيت، التي لم يتركها الفيلم -الحفيّ بالتعدد- هامشًا فائضًا أو مهملًا، بل صعّد شخصية السائق المخالف لأنظمة الإقامة إلى المتن عونًا سرديًا، وفاعلا محركا لوقائع الفيلم، في أداء مدهش لنايف الظفيري.

الجدة التي مثلت مركز السلطة؛ سلطة مارستها حتى ضد بنات جنسها وفاء للتقاليد، وبقيت جنى، ولنتأمل رمزية الاسم، الذي يحمل فكرة الثمرة والمنتَج لكل تلك التجاذبات بين نماذج الأسلاف، وهي جنى/الثمرة والجيل الأحدث الذي ليس له يد في كل ما سبق، لكنه جيل تراهن عليه شهد أمين بوضوح، حيث جاءت شخصية جنى البنت التي ورثت العناد واستوعبت التقاليد، ولكنها تخلق نموذجها الشخصي والثقافي الخاص، الذي يصنع من العناد شخصية قيادية مستقلة، نموذج وفي للتقاليد وحضاري ومنفتح وواثق، جنى.. تقرأ النجوم وتهوبل للإبل، وتركض تركض تركض مفتتحةً هجرتها الخاصة، في رحلة الإنسان التي تبدأ ولا تنتهي، تجسيدًا لفكرة العود الأبدي لدى نيتشة!
اقرأ أيضا: «هجرة»… رحلة في الماضي والحاضر والمستقبل