فاصلة

مراجعات

فيلم الدب الذهبي: «خطابات صفراء»… الفنان في مواجهة السلطة ونفسه

Reading Time: 5 minutes

«برلين باعتبارها أنقرة»، بهذه العبارة يفتتح إلكر تشاتاك فيلمه «خطابات صفراء Yellow Letters» الحائز على الدب الذهبي لمهرجان برلين السادس والسبعين، مؤسسًا من البداية لاختياره البصري الرئيسي الذي لا يمكن عزله عن مضمون الفيلم الذي يتناول العلاقة المعقدة بين الفنان والسلطة القمعية، وهي في حالتنا السلطة التركية.

لا يشرح المخرج لماذا قرر تصوير الفيلم في ألمانيا، والتعامل مع برلين باعتبارها أنقرة وهامبورغ باعتبارها إسطنبول، لكن الجمهور يفهم بداهة أن السبب هو صعوبة تصوير فيلم يهاجم تدخل السلطة في الفن وتحديد مسيرة الفنانين المهنية ومصيرهم الحياتي وفقًا لمواقفهم السياسية وقدرتهم على المداهنة. وهو فهم يؤخذ منه ويُرد، فمن وجهة نظر شخص يعيش في منطقة من العالم لا يتمتع فيها الفن أبدًا بحرية مُطلقة لم تبدُ أحداث الفيلم من الجرأة ما يمنعها من التصوير في تركيا، وهو ما أكده زملاء أتراك رأوا أن في الأمر مبالغة من المخرج، ربما لأسباب ترويجية، أو لأنه أراد العمل في بيئة يعرفها ويرتاح لها، وهو حق فني أصيل رأيناه أيضًا في فيلم «لمن يجرؤ» للبنانية دانيال عربيد التي قررت إعادة خلق بيروت خارجها.

Yellow Letters (2026)
Yellow Letters (2026)

من القمة إلى القاع

يبدأ «خطابات صفراء» في أنقرة الافتراضية، من نقطة قمة في حياة الزوجين درية وعزيز المهنية: هي النجمة الأولى للمسرح الوطني الذي تحتفل بنجاح العرض الأول لمسرحيتها الجديدة، وهو المؤلف المسرحي الذي كتب العمل الناجح والذي يعمل صباحًا أستاذًا للمسرح في الجامعة. تبدو الحياة مشرقة للزوجين اللذين يميلان للنفور من النظام الحاكم وإن لم يتصادما معه، لكن تزامُن حدثين يغير الوضع كليًا.

في ليلة الافتتاح ترفض درية التصوير مع عمدة المدينة بعد المسرحية، غضبًا على عدم احترامه للممثلين وحديثه في الهاتف خلال العرض، وفي الصباح التالي يدعو عزيز طلابه للخروج من قاعة الدرس والمشاركة في المظاهرات المندلعة في المدينة، وهي مظاهرات مضادة للحرب لكنها تحمل صبغة معارضة. عزيز يقول لطلابه «ما ستتعلمونه عن الفن في المظاهرة أكثر مما يمكن أن أقوله لكن في الدرس»، لكن رأيه لا يعجب بعض الطلاب فيجبرونه على استكمال المحاضرة رغم رحيل أغلب زملائهم.

ما يظهر في البداية باعتباره تفاصيل يومية يمكن تصوّر مرور الزوجين بهما كثيرًا خلال مسيرتهما المهنية السابقة يغدو كابوسًا بين عشية وضحاها، بعدما تقرر السلطات إغلاق كل شيء في وجهيهما: يتم إيقاف العرض المسرحي واستبداله بآخر قديم، يوقف عزيز وزملائه الأساتذة المشاركين في المظاهرات عن العمل ويحالون للمحاكمة، وتداهم الشرطة منزل الزوجين بما يجعل صاحب البناية يطلب منهما ترك شقتهما المؤجرة خوفًا من أي مشكلة مع السلطة.

باختصار، يسقط عزيز ودرية من القمة إلى القاع في غضون أيام، وبعد أن كانا نجمان في عالم المسرح في أنقرة، يضطران أن ينتقلا للعيش مع والدة عزيز في إسطنبول، والبحث عن وظائف أقل شأنًا بكثير مما اعتادا عليه، من أجل تلبية النفقات لحين حل الأزمة والعودة لحياتهما السابقة، أو هكذا كانا يتصوران.

Yellow Letters (2026)
Yellow Letters (2026)

أعمق من النضال

غير أن أهمية «خطابات صفراء» لا تنبع من الجانب النضالي أو إبراز تجبر السلطة تجاه الفنان، وإنما تكمن قيمة فيلم المخرج إلكر تشاتاك في قدرته الذكية على طرح أفكار عميقة تخص علاقة الفنان بذاته ومحيطه وبالسلطة بشكلٍ عام، انطلاقًا من اختلاف وضع البطلان الاجتماعي، وكيفية تعامل كلًا منهما مع ذاته ومع الآخر في كل مرحلة.

النظرة الأولى العاجلة تضعهما في مرتبة المناضلين، فهما لا ينتميان للسلطة، يدعمان المبادرات المناهضة لها، لا يداهنان عمدة المدينة، ويسخران من المسلسلات التلفزيونية الرائجة التي تنتجها القنوات الخاضعة لرغبات الدولة. لكن نظرة أعمق تُبرز التعليق السلبي الذي يسمعاه في إسطنبول: لقد كانا جزءًا من الصورة العامة للدولة، يعملان في مسرحها الرسمي وينالان التقدير المقترن بذلك، آمنين إلى وضعها الفني والمادي والاجتماعي، يمارسان المعارضة كنوع من الوجاهة الفنية الآمنة، دون توقع لأن ذلك قد يقودهما بالفعل إلى مواجهة حقيقية.

لا يفعل الزوجان ذلك وفق مخطط شرير بطبيعة الحال، لكنها ممارسة فطرية للفنان عندما يكون في وضع كوضعهما، وعندما تتغير الأحوال ويقرران الانتقال إلى إسطنبول، يفعلان ذلك بصدق حقيقي ورغبة في تجاوز المحنة معًا، لكن استمرار الوضع بل وتدهوره يزرع بينهما بذور شك تستمر في التفاقم، طارحةً موضوعات للخلاف لم تكن لتظهر لو سارت حياتهما على وتيرتها الاعتيادية.

درية هي النجمة الأكثر شهرة وشعبية، لكن نجاحها وليد أعمال عزيز الذي قدمها للعالم ومنحها أدوار البطولة، فأي منهما مدين للآخر؟ وهل تستقيم شراكة حياتية أساسًا بين طرفين يفتش كلًا منهما عما يدين الآخر له به؟ من هو المسؤول عمّا يتعرضان له؟ هل هو تجاهل درية للعمدة التي كان يمكن تجاوزها بالتقاط صورة في عدة ثوان؟ أم هو ما فعله عزيز في الصف والذي كان يمكن أن يفعله بطريقة مختلفة لا تضعه موضع الإدانة؟ هل يمكنهما التعامل مع ابنتهما التي تفقد في لحظة الحياة التي لا تعرف إياها. تساؤلات عديدة تجعل الحياة بينهما تسير بثبات نحو صدام مؤكد.

Yellow Letters (2026)
Yellow Letters (2026)

بين الإبداع والمبادئ

بمساعدة أقارب لا يشاركان الأبطال أي من قناعاتهما السياسية والدينية يتمكن عزيز من إيجاد وظيفة بسيطة تلبي بعض الاحتياجات المادية، وبمساعدة زملاء قدامى ظلوا يعملون خارج النظام الرسمي يجد عزيز ودرية نافذة للإبداع تتمثل في مسرح مستقل صغير في إسطنبول يوافق على استقبال عمل جديد لها مصنوع من وحي الأزمة، بينما تتحرك درية سرًا لاختبار عرض رفضته من قبل: العمل في المسلسلات التجارية فائقة النجاح.

يبدو العرض المسرحي مغامرة ستحملهما حملًا إلى صفوف المعارضة للأبد. صحيح إنه يتفق مع كل ما اعتنقاه من مبادئ طيلة حياتهما، لكن هل هما على استعداد للتخلي للأبد عن كل المكتسبات السابقة؟ وإذا كان من الممكن أن يتوفر للفنان عمل جماهيري ضخم، يكفل له الشعبية الهائلة والرفاهية المادية بشرط التخلي عن مبادئه، فهل يمكن رفض عرض كهذا؟ ربما يكون ذلك واردًا إذا ما كان ممثلًا في المسرح الوطني يعيش في شقة فاخرة في العاصمة ويلقى تقديرًا من المثقفين والنقاد، لكن ماذا لو كان البديل هو أن يكون فنانًا مناضلًا يعمل سائق أجرة ويُبدع تحت الأرض في مسرح يضم مئة مقعد نادرًا ما تمتلئ؟ هل يمكن معها اختيار المبادئ باطمئنان على حساب كل شيء آخر؟

Yellow Letters (2026)
Yellow Letters (2026)

لعل هذا هو أفضل ما في فيلم إلكر تشاتاك: أنه لا يتعامل برومانسية مع نضال الفنان، يضعه في مكانه كفعل اجتماعي يستحق التقدير، لكنه يفهم أن الأمر دائمًا مُعقد عندما يتعلق بأشخاص يتساوى عندهم الغياب مع الفناء، وتُلطف الشعبية الجارفة لديهم أي شعور بالذنب قد ينبع من اختيار لا يتسق كليًا مع المبادئ، وكم من فنان عرفناه فوجدناه في الواقع مثقفًا متنورًا له رؤية ثاقبة في الحياة، لكنه ينحاز في اختياراته الفنية والإعلامية باستمرار لما هو خامل وآمن وبعيد عن إثارة القلق.

يتعامل «خطابات صفراء» مع تعقد نفس الفنان الناجح، الذي اختبر الجماهيرية والثراء فلم يعد من الممكن أن يتجاهل المركز أو يتظاهر بانتفاء حاجته له، ولذلك فهو فيلم ستختلف طريقة تلقيه كليًا حسب نوع الجمهور، فبينما سيراه الغرب ويحتفي به – في الأغلب – كفيلم عن نضال الفنانين ضد نظام قمعي، سيكون بإمكاننا نحن أبناء الشرق السعيد أن نراه بصورة أخرى تلائم تجاربنا الواقعية.

اقرأ أيضا: كل ما تريد معرفته عن مسابقة برليناله 76

شارك هذا المنشور

أضف تعليق