لا يعود فيلم «فلسطين 36» إلى عام 1936 فحسب، بل يفكّك عقدة تاريخية تُعدّ الخيط الأول في نسيج النكبة. فآن ماري جاسر تستعيد في عملها الجديد سنةً وصفتها في الغارديان بـ«الثقب الأسود»، لتقدّم – عبر المزج بين الخيال والأرشيف – قراءة سينمائية لمجتمع تتنازعه التناقضات، وتُشيّد من خلاله ملامح المناضل منذ جرحه الأول في شخصية خالد (صالح بكري). لا أحد يسعى إلى الحرب، لكن الجميع يُساقون إليها تحت وطأة ظلم مركّب يواجهه الفلاحون: انتداب بريطاني، ومستوطنون يهود، وإقطاعيون، وخونة.
ظفر الفيلم بحضور كثيف في عرضه العربي الأول في أكبر قاعة عرض بمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بدورته الخامسة، وحظي بتصفيق استمر الدقائق، ما يترجم حجم تلقي الجمهور له واستقباله الرائع والمؤثر.

الثوب الفلسطيني
أجادت آن ماري جاسر حبك خيوط شخصياتها رغم كثرتها؛ فلكل منها دوافعها وتحولاتها الواضحة، ما يجعل المشاهد متحفزًا بكل حواسه طوال الوقت، فلكل شخصية منها لون يكتمل به الثوب، ولكل منهما جرح خاص يتشكل، ولكي تكتمل المشاهدة، لا بد أن تربط خيوط الشخصيات ببعضها؛ لتخرج في نهاية المطاف بإيجاز عام في فيلم.
هذا فيلم لا يمكنك تحديد بطله؛ كل شخصية تنازع دور البطولة: الصحافية خلود (ياسمين المصري)، يوسف (كريم داود عناية)، توماس (بيلي هاول)، حتى الطفلة عفراء (وردي علبوني)، والأب بولس (جلال الطويل)، يبدو الفيلم وكأنه ثوب فلسطيني، تتجاور فيه الغرز المتناسقة مع الألوان الناشزة التي تكشف الخيانة، مثل أمير (ظافر عابدين) وكل الجنود، فلا وجود لبطل فرد يتضخّم على حساب الآخرين؛ بل شبكة من البشر تشبه غرز تطريز الثوب الفلسطيني الأصيل، فكل غرزة صغيرة، تقوم بدورها، وغيابها يُحدث ثقبا لا يمكن رتقه ولو حاولت.
تصوير المستعمر
تقوم السينما بدور كبير في إيصال الحقائق، ونجحت جاسر في تفكيك صورة المستعمِر عبر تسمية الأدوات كما هي: إذاعة، قانون، نقل الملكيات، وابتزاز الفلاحين باسم الحداثة. لكنها – في الوقت نفسه – لا تسقط في التعميم؛ فتوماس يمثل صوت العدل، كما لا تقدّم الفلسطينيين ككتلة واحدة، بل تُظهر الخائن كما تُظهر المقاوم، والجميل أن الفيلم يُعرض في محافل عالمية، ومرشح وزارة الثقافة الفلسطينية في سباق الأوسكار لهذا العام.
لم تغفل المخرجة عن إيجاد التوازن، فليس كل البريطانيين أشرار، فتوماس يمثل صوت العدل، وعلى النقيض لم يكن كل الفلسطينيين أبطال مثل خالد ويوسف والأب بولس وكل الشجعان، وإنما هناك خونة مثل من جاء متخفيُا بقناع للإبلاغ عن المناضلين، ولم تتورع المخرجة عن إظهار وجوههم مثل أمير الذي يقوم بدور ممرر الأفكار الصهيونية عبر الصحيفة باسم مستعار، وما أكثر الأسماء المستعارة خلف كل نكبة.

بين الأرشيف والخيال
يعتمد فلسطين 36 على تمازج لقطات أرشيفية ملوّنة مع مشاهد درامية، في محاولة لتقويض الحاجز بين التاريخ والفيلم، وهذا الخيار يجعل المشاهد أمام وثيقة حية، تشعر من خلالها باستعادة الماضي ولو دراميًا، فالواقع أكثر تراجيديا مما حدث، والتاريخ يعيد نفسه، فكل شخصية لها ما يوازيها في حاضرنا، وتشظي الأحزاب وتخفيها وراء شعارات أيديولوجية، وما هي إلا أقنعة تخفي وراءها كل وجه دميم، ففي هذا الاشتباك بين الأرشيف والخيال، يصبح الفيلم شهادة مزدوجة: شهادة على الماضي، وشهادة على حاضرٍ يعيد إنتاج المأساة بوجوه جديدة.
لا يمكن أن نصف هذه المسافة بين الواقع والخيال بالمنطقة الخضراء، فدائمًا ما تكون شائكة، والمرور فيها لا بد أن يكون على قدر من الحذر، وأجادت جاسر في موازنتها للأحداث ولو لم تبلغ مرحلة الرضا الكامل، ولن يكون! فكل مؤدلج يريد روايته، وفلسطين بتنوع خيوطها تمتلك أصواتا عدة لا يمكن أن تجمعها في فيلم، وهي نحت نحو تبرير تمسك أهل الأرض بكل سلاسة، بل وجعلت أكبر المقاومين من أكثر الناس حرصا على السلام، ونبذ العنف، فمن أجمل من يوسف؟ وما الذي قاد يوسف إلى مشهد الختام ، لولا ما سبقه من مشاهد للعدو، وهل أجمل من ابتسامة خالد في وجه العدو؟ تلك الابتسامة التي لا يجيدها إلا خالد ، ولا يؤديها إلا (صالح بكري).

قبل الختام
هل نجح فلسطين 36 كفيلم؟
ربما الإجابة لا تُختصر في (نعم أو لا).
فنيًا، لدينا عمل واسع الطموح، بميزانية محدودة، رغم تضافر كل الصناديق العربية والعالمية لدعم الفيلم، ولكن من يشاهد الأفلام التاريخية، وما ينفق عليها، سنعود لنقول أن الميزانية جدا محدودة؛ لتقديم عمل يحاول أن يزاوج بين الملحمة التاريخية والرؤية الفلسطينية المحلّية، وينجح في كثير من مشاهده في خلق عالم نابض بالحياة، فهناك لحظات تشعّ فيها الشخصيات، وتجد وهجها إلى الحد الذي يخمد ما يجاورها من مشاهد عابرة.
لكن ربما أهمية الفيلم لا تُقاس فقط بمدى إحكامه الفني، بل بجرأته على أن يفتح ثقبًا في سردية سينمائية عالمية تستعيد الثقب الأسود في ذاكرة التاريخ، وبعدسة من سمع الحكاية ووجب عليها أن تدونها، فجاسر لم تصنع فيلما فحسب، بل أعلت ثوبها الفلسطيني، وكتبت به وعليه حكاية أرادوا لها أن تختفي، ولا سبيل لذلك، ما دامت هناك عفراء في كل جيل، وما دامت هناك سينما فلسطينية لا تهدأ، ولن تهدأ، حتى يعود الحق لأصحابه.
ولعل هذا ما يجعل فلسطين 36 أكثر من فيلم، إنه محاولة لفهم الجرح الأول قبل أن تتكاثر ظلاله.
اقرأ أيضا: آن ماري جاسر: لا يمكن فهم اليوم من دون العودة إلى عام 1936