فاصلة

مقالات

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية

Reading Time: 8 minutes
«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية


بعد أسابيع من التأجيل، قررتُ في يوم أحد ماطر أن أزور «السينماتيك الفرنسية»، لحضور معرض مخصص للمخرج الأميركي وس أندرسون. وبينما كنت في طريقـي إلى محطة بيرسي، حيث تقع المكتبة السينمائية الشهيرة، أدركتُ أن هذا هو اليوم الأخير للمعرض، ولم يتبقَ أمامي سوى ساعتين ونصف الساعة حدًا أقصى، قبل أن تغلق أبوابه نهائيًا. ففي اليوم التالي، الإثنين، كان من المقرر أن يُختتم الحدث بعد نحو أربعة أشهر من انطلاقه.

إحدى واجهات «السينماتيك الفرنسية»
إحدى واجهات «السينماتيك الفرنسية»

ما إن وصلتُ إلى المبنى الشامخ الذي صمّمه المعماري الأميركي فرانك غيري، حتى استوقفني الطابور الطويل عند المدخل، والحشود الكبيرة التي كانت تتنقل بين أروقة المعرض. سألتُ الشاب الذي كان يتولّى فحص التذاكر ما إذا كانت الأيام السابقة شهدت هذا القدر من الازدحام، فأجاب بلا تردد: «الوضع كان أسوأ البارحة».

كنت قد زرتُ السينماتيك التي أسّسها هنري لانغلوا أكثر من مرة، لحضور نشاطات لا تزال راسخة في ذاكرتي، منها معرض لفرنسوا تروفو وآخر لمارتن سكورسيزي. وفي كلّ مرة، كنتُ أتجوّل بهدوء بين الأجنحة، أسجّل ملاحظاتي والتقط الصور (عندما يكون مسموحًا) من دون استعجال. لكن هذه المرة، كان المشهد مختلفًا، إذ بدا واضحًا أن المخرج الأميركي قد اجتذب جمهورًا ضخمًا، غالبيته من الشباب، لم يقتصر على باريس أو فرنسا، بل قدم من أنحاء مختلفة من العالم، مدفوعًا برغبة التسلل إلى «الحديقة السرية» للسينما، تلك المساحة الخلفية التي نادرًا ما تُفتح أمام العيون. ولعل ما يثير الدهشة ويبعث على السرور في آن واحد، هو أننا، على الرغم من إدراكنا التام أن كلّ ما يُعرض على شاشة السينما ليس سوى صناعة دقيقة محكمة ومفبركة، فلا نكفّ عن الاندهاش حين نقف وجهًا لوجه أمام كواليس هذه الصناعة التي فيها من الحرفة بقدر ما فيها من الأفكار الكبيرة والفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع والتاريخ. وحيث الخياطة والنجارة وتصفيف الشعر وإيجاد الأكسسوارات الملائمة لا تقل أهمية عن الأداء الجيد واللحن المؤثر والسيناريو المحبوك.

مشاهدون يطلعون على شريط 360 درجة تحية لأندرسون
مشاهدون يطلعون على شريط 360 درجة تحية لأندرسون

الساعتان والنصف الساعة المتبقيتان قبل إغلاق السينماتيك لعطلتها الصيفية الممتدة شهرًا كاملًا، كانتا بالكاد كافيتين لاكتشاف «علبة الأسرار» التي تمثّل عالم هذا الفنّان الخمسيني. عالم ثري بتفاصيله، يعج بأشيائه وناسه وخياله الواسع، مع العلم أن المعرض سيحطّ لاحقًا في لندن، كمحطة تالية ضمن جولته الدولية.

جمهور فضولي في عالم أندرسون
جمهور فضولي في عالم أندرسون

يُعد هذا المعرض الأول من نوعه الذي يُنظَّم تكريمًا لوس أندرسون، وهو ربما من بين أصغر السينمائيين سنًا الذين نالوا هذا الشرف، إذ لم يتجاوز السادسة والخمسين بعد. ورغم ذلك، استطاع أن يبني عالمه السينمائي الخاص، من ألوان وأساليب وأنماط وزوايا وكادرات وتفاصيل بصرية، تكاد تصرخ في وجه المشاهد لتقول: «أنت في عالم أندرسون». وهذا في ذاته ليس بالأمر الهيّن، في زمن يعاني فيه الفنّ من تآكل الهوية وغياب الشخصية، حيث بات كثير مما يُقدَّم أقرب إلى «نسخ ولصق». ولهذا، ومهما كان رأينا في سينما أندرسون، سواء استثقلنا زخرفته البصرية أو تسارع إيقاعه المشبّع بالتفاصيل، لا يسعنا إلا أن نتوقّف أمام إصراره المتواصل على الالتزام بأسلوب بصري وسردي، يتجدّد مع كلّ تجربة سينمائية جديدة.

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية

العديد من السينمائيين تربطهم علاقات عاطفية بـ«السينماتيك الفرنسية». ففي عتمة صالاتها، تعرّف أمثال جيم جارموش وفيم فندرز إلى فعل «المشاهدة» الحقيقي. وس أندرسون، الذي حضر افتتاح المعرض (إذ يمضي جزءًا كبيرًا من السنة في باريس)، يروي أنه زارها للمرة الأولى قبل خمسة وعشرين عامًا، حين كانت لا تزال في مبناها القديم في التروكاديرو. لكنه، كما يقول، كان قد «زارها بخياله» قبل ذلك بكثير، من خلال رسائل فرنسوا تروفو. «أدين بتأهيلي السينمائي، بطريقة أو بأخرى، وإن كان بشكل غير مباشر، لهنري لانغلوا ورفاقه. لذا، فإن مشاركتي في هذا المعرض تمثّل لي متعة خاصة، مهما تكن الأشياء التي اخترنا عرضها».

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
خط يد أنيق يثير الاعجاب

أندرسون، المخرج والسيناريست المستقل القادم من تكساس، يحمل روحًا أوروبية واضحة، ويعيش متنقّلًا بين القارتين. يمتلك قدرة لافتة على مقاومة الرؤية الأوحد التي تهيمن على جزء من السينما الهوليوودية، ممّا جعله اسمًا كبيرًا في مشهد السينما المعاصرة، وذلك منذ مطلع الألفية الجديدة. بعد دراسته الفلسفة، اختار أن يبتكر قصصًا يصعب تصنيفها ضمن قالب سينمائي تقليدي، لكن يمكن تمييزها من الوهلة الأولى، لما تحمله من بصمة.

يوفّر المعرض للزائر رحلة عبر المسار الفني لأندرسون، منذ بداياته في تسعينات القرن الماضي، وصولًا إلى فيلمه ما قبل الأخير، «مدينة أسترويد». كلّ فيلم من أفلامه يُعتبر نافذة على زاوية مختلفة من عملية الخلق، بمفرداته البصرية وأساليبه ومرجعياته الثقافية. ولا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي تلعبه الديكورات والأزياء في تشكيل الهوية الجمالية لسينماه.

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
أكسسوارات استُخدمت أثناء تصوير «مدينة أسترويد»

السينما، كما هو معروف، فنّ جماعي، وغالبًا ما تساعد مثل هذه المعارض على كشف أهمية التعاون بين المواهب المختلفة. وبفضل تلك الشراكات الطويلة الأمد التي حافظ عليها أندرسون عبر السنوات – سواء مع ممثّلين بعينهم (بيل موراي، جايسن شوارتزمان، أدريان برودي…) أو مع أفراد طاقمه التقني – تمكّن من بناء أسلوب بصري وروائي لا يشبه أحدًا سواه. وفاؤه لهذه الروابط، إلى جانب تمسكّه بالتصوير بالفيلم الخام، يعكس روحًا فنية تشبه في تكوينها فرقة مسرح أكثر منها شراكة إنتاجية. فالعلاقة بينه وبين معاونيه تقوم على تماسك جماعي وانسجام نادر.

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
صور بولارويد التقطها أندرسون على مدار سنوات

من خلال معاينة مقاطع من أفلامه وبعض المخطوطات التحضيرية، لا بد أن نكتشف الهواجس التي تميز سينما أندرسون، في كشف صريح عن مصادر إلهامه وتحياته للسينما التي ارتوى من ينبوعها، والعمل اليدوي الدقيق الذي يميز أسلوبه الإخراجي. لكن الأهم من ذلك كله، هو ذلك الشغف الهائل بالتفاصيل، والذي يتجلى بوضوح في دفاتره، ملاحظاته، ملصقاته، وصوره. ومن خلال مجموعة ثرية من الأكسسوارات، الأزياء الأصلية، الوثائق الخاصة، يقدّم المعرض لمحة نادرة عن آلية عمله، وإن من دون أن يبوح بكلّ أسراره، ما يمنحه هالة من الغموض الجذّاب.

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
دفاتر تتضمّن أفكارًا وحوارات وملاحظات دوّنها أندرسون خلال التصوير

سمات عديدة تتكرر في أفلام أندرسون وتشكّل هويته الجمالية: حواراته السريعة واللافتة، المشاهد التي تشبه اللوحات الحيّة، التماثل الدقيق، التصميم البصري المدروس، الحضور القوي للموسيقى والعناية الفائقة بالكادرات. الموضوع عنده غالبًا ما يكون في منتصف الإطار، وكلّ ما يحيط به موزع بتوازن، ليبدو كما لو أنه مرسوم بخط مستقيم في المنتصف. لا زوايا مائلة أو كاميرا محمولة. أفلامه لوحات معلّقة في متحف أو لقطة من مسرحية. أما الشخصيات، فهي «أكبر من الحياة» (Bigger than life)، شخصيات مفرطة في حضورها وتفردها، تلامس حدود الكاريكاتور أحيانًا من دون أن تفقد شيئًا من إنسانيتها.

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
زائران أمام ستوريبورد «صاروخ القارورة»

بدأ أندرسون مبكرًا في إنجاز الأفلام القصيرة مستخدمًا كاميرا «سوبر 8» تعود لوالده، وكان يبني ديكوراته بنفسه. كان في الرابعة والعشرين عندما شارك في مهرجان ساندانس مع «صاروخ القارورة» (1993) الذي حوّله لاحقاً إلى فيلم طويل. كما كتب وأخرج مسرحيات خلال دراسته في مدرسة سانت جونز، التي تحوّلت إلى موقع تصوير فيلمه الطويل الثاني «راشمور» (1998). في كلا الفيلمين، نرى أبطالًا غير تقليديين: مراهقان متمردان يخوضان صراعًا مع السلطة، في ما يشبه إعلان ولادة «البطل الأندرسوني»، ونشوء نوع جديد من الكوميديا، تمتزج فيه السخرية بالعبث والحنين بالخفّة. الممثّل أوين ويلسون، الذي شارك في معظم أفلامه، بأدوار تتراوح بين الأساسي والهامشي، تعاون معه في كتابة أفلامه الأولى، ويصعب الحديث عن أندرسون اليوم، من دون ذكر صديقه هذا الذي تعرف إليه على مقاعد الدراسة.

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
صور لأندرسون وويلسون في بداياتهما المشتركة

في «راشمور»، وضع أندرسون أسس لغته السينمائية التي سترافقه لاحقًا. تدور معظم الأحداث في حرم أكاديمية راشمور الخيالية، حيث يعيد البطل، في نسخة كاريكاتورية من المخرج نفسه، تقديم أفلام مثل «سيربيكو» لسيدني لوميت كمسرحيات مدرسية عبثية. قدّم أندرسون من خلاله مقاربة مبتكرة لأفلام المراهقين، وهو الأسلوب ذاته الذي سيعود إليه بعد أربعة عشر عامًا في «مملكة صعود القمر». ورغم أن «راشمور» لا يُعدّ فيلمًا ذاتيًا بالمعنى الحرفي، فإن أندرسون صرّح لاحقًا: «هذا الفيلم وُلد من نمط حياتنا أوين وأنا في تلك الفترة». 

أمام عدسة مدير التصوير روبرت يومان، الذي بدأ معه التعاون في هذا الفيلم واستمر حتى فيلمه القصير «قصّة هنري شوغر الرائعة» قبل عامين، تتلوّن المَشاهد بالباستيّ الهادئ، ممّا يعكس المزاج الحالم والمتقلّب للشخصيات.

مع بداية الألفية الجديدة، قدّم أندرسون فيلمين بإنتاج أضخم وأكثر طموحًا: «عائلة تننباوم» (2001) و«الحياة المائية» (2004) اللذان رسّخا مكانته لدى جمهور أوسع، وفتحا أمامه أبواب الشهرة العالمية. «كلّ من هذين الفيلمين يشبه لغزًا بصريًا متأرجحًا بين الانسجام والاختلال، ويقدّم صورة مرة عن صعوبة العيش ضمن بنية العائلة الواحدة». هكذا يصف القائمون على المعرض الفيلمين الذين سيصنعان فعلًا أندرسون الذي نعرفه اليوم. فالعائلة، لديه، إطار للحكاية، لكنها في الحين نفسه مصدر ألم دفين: خلف واجهات منزل بروكليني من طراز براونستون، أو على متن سفينة بحث علمي متطورة، تتخفّى كآبة عميقة مصدرها الخسارات والخيبات والأكاذيب الصغيرة التي تتراكم مع الزمن.

«فاصلة» في حديقة وس أندرسون السرية
أزياء ارتدتها الشخصيات في «عائلة تننباوم»

تتميّز سينما وس أندرسون ببنية أسلوبية دقيقة، وبعالم بصري مميز يتقاطع فيه الضعف الإنساني مع الهوس بالتنظيم والجمال. في «عائلة تننباوم»، يوظّف الحذف والاسترجاع ليصوغ عملًا روائيًا على هيئة فيلم، يجمع المزاج الحلو – المر في سرد فسيفسائي يشبه روايات جيروم ديفيد سالنيغر. بينما «الحياة المائية» هو هجاء غرائبي لعالم الاستكشاف البحري، يرصد رحلة رجل يشبه جاك كوستو، في مغامرة تمزج الهزل بالأسى، مصوّرة على سفينة مبنية داخل استوديو سينمائي أشبه بلعبة مفكّكة.

بورتريه لستيف زيسّو، الدور الذي يلعبه بيل موراي في «الحياة المائية»
بورتريه لستيف زيسّو، الدور الذي يلعبه بيل موراي في «الحياة المائية»

في «دارجيلينغ ليميتد» (2007) و«مملكة صعود القمر» (2012)، يخوض أندرسون تجربة «فيلم الطريق»، جامعًا بين سوريالية المواقع الحقيقية، كصحراء راجستان والطبيعة الخيالية كجزيرة نيو بنزانس. هنا، تتقدّم شخصياته الغرائبية في بحث عبثي عن الذات، مدفوعةً بالحزن أو الحب أو الانفصال عن العالم. ويأتي «الثعلب العظيم السيد فوكس» (2009) ليعيد تقديم أدب رولد دال بمنظور تأملّي يمزج الحكاية الشعبية بالحكمة الداخلية، مستخدمًا تقنية «الستوب موشن» بدقّة استثنائية، في حين يجعل من «جزيرة الكلاب» (2018) ديستوبيا سياسية تتناول الترحيل الجماعي من خلال قصّة وفاء كلبي في مدينة يابانية خيالية، مستلهمًا كوروساوا وفنون البونراكو اليابانية لتحريك الدمى. مع «فندق بودابست الكبير» (2014)، يبلغ أندرسون ذروة تعقيده البصري والسردي، متنقّلًا بين ثلاث فترات تاريخية ليروي قصّة عن الحضارة والانهيار في عالم خيالي مشبّع بإرث الأدب الأوروبي والسينما الكلاسيكية.

مجسّم «فندق بودابست الكبير»
مجسّم «فندق بودابست الكبير»

في «ذا فرنتش ديسباتش» (2021)، يحتفل أندرسون بالصحافة والثقافة بوصفهما مقاومة للزوال، مستعرضًا ثلاث حكايات في إطار مجلّة أميركية تحتضر بهدوء في بلدة فرنسية خيالية. أخيراً، خصّص المعرض فضاءً معتبرًا لـ«مدينة أسترويد» (2023)، فيلمه ما قبل الأخير. عام 1955، في بلدة صحراوية صغيرة مشهورة بفوهة نيزكية ومرصد فلكي، تتم دعوة خمسة أطفال أذكياء لعرض اختراعاتهم، بينما تُقام تجارب نووية في الجوار. في مجمل أعماله، يصوّر أندرسون العالم كديكور معقّد، باهر ومتصدّع في آن واحد، تدور فيه شخصيات مأزومة تبحث عن نظام داخلي يعيد ترتيب الفوضى العاطفية التي تحيط بها.

 

اقرأ أيضا: «المخطط الفينيقي».. ويس أندرسون في مفترق طرق

شارك هذا المنشور