فاصلة

مقالات

عن الفنار وجغرافيا الوهم والشك والسقوط… قراءة في توظيف المكان

Reading Time: 6 minutes

منذ أن وقف عماد حمدي فوق الطاحونة القديمة المطلة على البحر في فيلم «آثار في الرمال» (1954) يراقب زهرة العلا الجالسة وحدها على الشاطئ، قبل أن يعرف أنها فاقدة للقدرة على الحركة؛ يمكن القول أن السينما المصرية نسجت علاقة بصرية وسردية مع المكان المرتفع. وأن المراقبة من أعلى أو هاجس السقوط المريع إلى أسفل؛ سوف يشكلان دافعين سرديَّيْن أساسيين، مرتبطين بجغرافيا الارتفاع.

في هذا المشهد تتشكل أكثر لحظات الفيلم تركيبًا. لا شيء يحدث فعلًا؛ لكن كل شيء يتكوّن في تلك المسافة بين الناظر والمنظور إليه. المكان المرتفع هنا ليس برجًا ولا فنارًا، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها. إنه نقطة مراقبة تشكلها يد القدر، حيث يتحوّل البطل إلى عين معلّقة بين الشغف والندم، يراقب الحياة/ الفتاة من علٍ، عاجزًا عن النزول إليها.

فيلم "آثار في الرمال" (1954)
آثار في الرمال (1954)

الطاحونة المهجورة في «آثار في الرمال» لم تكن مجرد مُرتَفَع؛ بل رمزًا أوليًا للعزلة والمراقبة والذاكرة المتوقفة عند لحظة بعينها، تعيد إنتاج نفسها بلا توقف ومنها ربما ستولد لاحقًا صور أخرى، أبرزها فنار سعيد مرزوق في «زوجتي والكلب» سنة 1971، حيث المكان يبدو مثل عرش ذكوري، ووتد للشك المغروز في قلب رجل خاطئ، عقابٍ أبدي لا فرار منه. وكذلك فنار نادر جلال في «الوهم» سنة 1979، حيث ينقلب الارتفاع إلى خداعٍ بصري، واليقين إلى دوار.

بين الطاحونة والفنار مسافة سنوات من تطوّر الرؤية السينمائية، ومن التأمل إلى الانكسار، من مراقبة المرأة إلى مراقبة الذات. تلك المسافة هي فصل من حكاية السينما المصرية مع المكان المرتفع المطلّ على البحر. حكاية من يرى، ولا يستطيع أن يلمس ما يراه ولا أن يتوقف عن النظر والعذاب.

في «زوجتي والكلب» يطرح سعيد مرزوق الفنار فضاءً للعزلة والغيرة والتآكل الداخلي. عبر إيقاع بصري بطيء، متأمل يختبر وحدة حارس الفنار مرسي وصورته الذهنية عن الزوجة التي تركها بمفردها خلفه نهبًا لأفكار نور زميله الشاب، بعد أن حكى له مرسي عن غزواته لأجساد زوجات اصدقاءه القدامى. بينما في الوهم  يحول نادر جلال الفنار مسرحًا للتشويق والتلاعب بالبصر والعقل. فالفنار موقع هندسي، لعبة من ارتفاع ودوائر، إنه فضاء صاعد للمطاردة ولخداع العين.

فيلم زوجتي والكلب (1971) الفنار
فيلم زوجتي والكلب (1971)

أداة الوهم والعزلة

من الضروري أن نقارن بين الفنار كتجربة وجودية في «زوجتي والكلب»: مقابل الفنار كأداة درامية في «الوهم » لنادر جلال المأخوذ عن «فيرتيجو Vertigo». كلاهما استخدم مكان المراقبة المرتفع. لكن أحدهما استخدمه فضاءً للتوتر النفسي والهواجس، والثاني للتوتر البوليسي. 

في «فيرتيجو»، المبنى المرتفع الذي تدور حوله المشاهد المفصلية هو برج الكنيسة الإسبانية القديمة «إرسالية سان خوان بوتسيتا Mission San Juan Bautista» في كاليفورنيا. هذا البرج ليس مجرد مكان، بل هو جوهر الفكرة كلها؛ الهاوية الرأسية للوعي. اتخذه هيتشكوك رمزًا للخوف من السقوط، وللخطيئة القديمة التي لا تموت، والوهم الذي يعيد إنتاج نفسه في صورة امرأة، حيث تتخذ الحبيبة الشبيهة صورة الزوجة المغدورة.

الدرج الحلزوني داخل برج الكنيسة، يشبه دوامة الدوار التي يعاني منها البطل سكوتي. واللقطة الشهيرة التي تُظهر سقوطه أو عجزه عن الصعود، هي ترجمة بصرية مباشرة لمرضه: الخوف من الارتفاع، والخوف من الحقيقة.

في المشهد الأخير، يعود سكوتي إلى نفس البرج ليواجه الوهم وجهًا لوجه، وهناك ينهار كل شيء: الزمن، الهوية، والواقع نفسه ليكتشف حقيقة ما حدث. البرج هنا هو فنار معكوس: لا يرشد أحدًا، بل يدفعهم إلى الهاوية.

Vertigo (1958)
Vertigo (1958)

في «الوهم» لم ينسخ نادر جلال «فيرتيجو» حرفيًا، بل عمل مع الكاتب أحمد على صالح على تحويل برج الكنيسة إلى فنار بحري، وبهذا التبديل البسيط نقل الدراما من السماء إلى البحر، من هاجس الصعود إلى هاجس الانجراف. 

في «فيرتيجو»، يسقط البطل لأن ارتفاع البرج يوقظ فوبيا الهاوية. أما في «الوهم» فيصبح الفنار مرآة مائية للدوار نفسه، ضوء النهار يدور، البحر يتحرك، والمكان كله في حالة دوامية تشبه عقل البطل المهووس بصورة المرأة المفقودة. إذا كان برج الكنيسة لدى هيتشكوك يمثل الخوف من السقوط إلى الداخل؛ فالفنار في «الوهم» يجسد الخوف من الذوبان في الخارج، في صخور الشاطئ، في الضوء المتقطع الذي يتوالى على وجه امرأة تتبدل، تارة نراها بالشعر الأصفر في شخصية سعاد زوجة صفوت (عمر الحريري)، وتارة نراها نجوى الكومبارس المتكلمة بشعرها الأسود وميوعتها النابعة من مهنة تحتاج إلى الإغواء وبعض التساهل.

نادر جلال رغم انتمائه إلى تيار تجاري أكثر من مرزوق أو هتشكوك، أدرك قوة الرمز: الفنار في الوهم ليس مجرد موقع للتصوير، بل أداة إيهام بصري؛ المكان يخلق الخدعة التي يعيشها البطل.

الفنار فيلم الوهم
فيلم الوهم (1979)

في «زوجتي والكلب»، تفرز الصورة دلالات السجن طوال الوقت: سجن الذكريات، سجن الأفكار النابع من عزلة المكان (الفنار) ودائريته اللانهائية: دائرية البناء، ودوران حركة الضوء الذي من المفترض أنه هادي ومرشد.

منذ الظهورات الأولى للمكان خصوصا من الداخل نلاحظ التركيز على موتيفات بصرية مثل المزلاج والشبك الخاص بمنع الناموس، وكلها دلالات تلخصها عبارة أحد أقدم العاملين بالمكان من بين زملاء مرسي الثلاثة (المنفى الأزلي) فالغيرة والشك النابعين من الشعور بالذنب المستخلص من خطايا الماضي هو حقا منفى أزلي بالنسبة لأي إنسان؛ فما بالنا لو رجل يعيش في عزلة مكانية محاطة بالبحر والقضبان مثله.

 يبدو مرسي في خياله مع سعاد قبل ان تهاجمه الوسواس نظيفًا مهندمًا، محاطًا بالأبيض، خالصًا من الهم مدعومًا بالحب والنشوة والحميمية والنقاء. بينما في الواقع الملوث بالذكريات النجسة: أشعث، أغبر، خشن الذقن، حامي النظرات. كأن عينيه تنظران إلى احتراق داخلي لا يفتر.

فيلم زوجتي والكلب (1971) الفنار
فيلم زوجتي والكلب (1971)

الفنار في كل من «الوهم» و«زوجتي والكلب» يحدث اهتزازًا في الذكورة، ويوقعها في فخ التناقض بين الفقد والسيطرة. الفنار يتحول إلى نقطة انهيار البطل أمام الوهم البصري والنفسي، امتداد مباشر لهتشكوك حيث العجز عن التمييز بين الحقيقة والدوار.

في «زوجتي والكلب»، يظهر الفنار رمزًا للذكورة المنتصرة على كل جسد أنثوي لدن ومغو، طوطم يعلن عن الكبرياء الجندري المنتصب بالفحولة والسيطرة والعلو. تتقاطع الرموز في عمق دلالي وتأويلي ممتع، الفنار كطوطم جنسي، والفنار كسجن دائري كل شيء فيه مكرر حتى الزمن نفسه.

يمزج المخرج بصريا بين الدلالاتين، عندما نرى لقطات للفنار من خلف السور الحديدي الذي يقطع الجسر المؤدي إليه بينما تتداخل لقطات من الفلاش باك لممارسة الجنس بين مرسي وسعاد في الحمام وسط بخار الماء. نفس المقاربة بين دخان السجائر وقت اشتعال الشكوك وبخار الماء وقت الحميمية الرائقة.

من فوق الفنار يقف نور المساعد الشاب ليتابع تأثير الأفكار الشهية على مرسي وهو يتراقص في كوميدية مبتهجا من داخله، يصوره المخرج – أي نور- من أعلى الفنار، كأنه يريد هو أيضا أن يتبوأ هذا القرن الذكوري.

لكن، هل يمكن استبدال الفنار في «الوهم» أو «زوجتي والكلب» بأي مكان أخر عال او مرتفع؟

لا شك أن الفيلم كان سيفقد الكثير من بريقه النفسي والبصري لو استُبدل الفنار ببناية عالية مهجورة على الشاطئ. في الحقيقة لم تكن مثل هذه البنايات لتوجد من الأساس على شاطئ الإسكندرية، حيث تدور أحداث الفيلم الفيلمين. وبالتالي؛ استبدال الفنار ببناية عالية يعني أيضا استبدال البحر. 

كيف كان لسيناريو «الوهم» أن ينسج حكاية الجدة المنتحرة التي أصابت لعنتها الحفيدة الشابة، مستدرجة المهندس الشاب لكي يشهد انتحارها المأساوي، بينما يحول دواره دون صعود السلم الدائري المرعب للفنار المهجور؟ هل كانت بناية قديمة أو حتى تحت التشييد يمكن أن تخلق ذات المعنى أو تستخدم كمكان درامي مثل الفنار؟ 

لا نعتقد!

أما في «زوجتي والكلب»، فلا يمكن تصور أي من تفاصيل الفيلم أو سياقاته الوجودية أو النفسية دون الفنار. الفنار هو متكأ البنية السردية دراميًّا وبصريًّا وفلسفيًّا على كل المستويات وهو العنصر الذي تتراكم عبرة التأويلات من كل الزوايا تقريبًا.

 على سبيل المثال مع استمرار الحكايات التي يرويها مرسي عن مغامراته، نراه وهو مع نور عند قاعدة الفنار الخارجية، حيث يبدوان متساويين، أو أن أحدهما مستقبل الأخر. فنور هو مرسي وهو لا يزال شابًا. ثم يتقدمون للتمشية لمقدمة الكادر، فيبدأ الفنار في التشكل طولا في خلفية اللقطة، كتعليق بصري/ذكوري على ما يقصه مرسي عن مغامراته. وكلما راكم في الحكي مع كريشندو (ارتفاع تدريجي) الموسيقى، يزداد الفنار انتصابًا وبزوغًا في الخلفية.

فيلم زوجتي والكلب (1971)
فيلم زوجتي والكلب (1971)

لم يكن لكل هذه التأويلات البصرية التي تشكل الحكاية النفسية الغامضة والمليئة بالانفعالات والهواجس والشكوك الشريرة المتطايرة أن تتجسد بهذه البراعة واللمعة التقنية والإيحائية، لولا اختيار الفنار مكانًا رئيس. لا للحدث، إذ لا يوجد حدث بالمعني التقليدي؛ بل للصراع المشتعل في رأس رجل تمزقه الوساوس بسبب خطايا الماضي الكامنة بين ساقيه.

عندما يعود نور يقدمه المخرج لنا هو ومرسي كشبحين يلتقيان على جسر فوق الماء الذي يمتد ما بين الفنار والمرأة محور الشك والصراع. ثم يصعدان إلى أعلى، حيث الجغرافيا المرتفعة وذروة التوجس والمواجهة غير المباشرة بين الخواطر وشياطين الماضي (فلاش باك لمشاهد نور وسعاد في الحمام ومشاهد لقاء مرسي مع أصدقائه).

في النهاية لا يقوى مرسي على دفع نور. يشغله خطاب سعاد الذي يتمنى أن يهدئ خواطره. ويهبط نور إلى أسفل الفنار تاركًا مرسي وحيدًا على القمة، القمة التي تبوأها ذات يوم فحلاً لا يقاوم، واليوم يُنتهك فوقها على صليب الشك، ليصبح جسده المحترق بالأفكار والهواجس بديلا عن لمبة الفنار المشتعلة، التي ترشد السفن إلى البر. لقد صار مرسي تعبيرًا حيًّا عن أخطاء الماضي التي لا تنمحي، بل تترك أثرها على الذاكرة والروح.

في النهاية يمكن القول ان الفنار في «زوجتي والكلب»، يتحوّل من مكان للعلو الساكن إلى عزلة حارقة
وفي «الوهم»، يتخذ شكلًا عُصابيًّا. يصبح مكانًا للالتباس البصري والدوار المصطنع استغلالا لعاهة نفسية.

وبين الفنارين تقف الطاحونة في «آثار في الرمال»، وكأنها هي الجدّ الرمزي للفنار في الفيلمين اللاحقين.
نقطة بداية سلسلة من الصور التي تختصر علاقة السينما المصرية بالمكان المعزول المطلّ على البحر؛

حيث تتقاطع الرغبة مع الذكرى، والنظر مع الخوف من السقوط، كعلامة على جغرافيا الشك المستبدة وصدمة الحقيقة.

اقرأ أيضا: «زوجتي والكلب».. الرجل في متاهته

شارك هذا المنشور