فاصلة

أصوات نقدية سعودية

«عرس النار»… قصةٌ وُلدت لتكون فيلمًا

Reading Time: 4 minutes

تعود الحكاية إلى مسلسل «وحوش» الذي عُرض في رمضان 2025 على منصة «شاشا»، متضمّنًا مجموعة من القصص المستوحاة من جرائم حقيقية حدثت في الكويت. كان المسلسل مختلفًا لمجرد فكرته، ومغايرًا للمعتاد، إذ قدم معالجات اتسمت بالنضج، تحلل وتستقصي تلك الجرائم بدلًا من أن تقدمها كتقارير بوليسية جامدة. ومع ذلك، فإن توقيت عرضه الرمضاني المزدحم بالدراما التاريخية والكوميدية حجب عنه الاهتمام الذي يستحقه، رغم نضجه وجودته.

ومن هنا جاء فيلم «عرس النار» امتدادًا لذلك المشروع، لكنه وجد وسيطه الأنسب في السينما، حيث قدمت نسخ جديدة لثلاث حلقات، تناولت حادثة حريق عرس الجهراء الشهيرة في الكويت عام 2009 بمعالجة سينمائية مختلفة جعلتها أكثر تماسكًا ووضوحًا.

عرس النار
عرس النار (2025)

ينجح “عرس النار” في تحويل واحدة من أبشع الكوارث الجماعية إلى حكاية عن نقاء مفرط نبع من حب لم يفهم. وحنانٍ تحول إلى عبء. وفي قلب هذه المفارقات تقف «عذاري» (شجون الهاجري) الاسم الذي تغير عن القصة الحقيقية ويمكن اعتبار هذا التحول أول مفاتيح التأويل. فعذاري كانت حبيسة عذرية عاطفية ناتجة عن الفارق العمري بينها وبين زوجها. مسجونة في زيجة أملتها عليها التقاليد الصارمة في تشكيل حياة الأبناء واختيار مصائرهم، مما جعل علاقتها به تميل إلى الرعاية أكثر من الشغف. كانت تراه مشروعًا لإكمال نقصها، ومع مرور الوقت أصبحت تلك الرعاية خانقة فانقلب المعنى من حب إلى عبء، ومن شراكة إلى وصاية.

في بيتها، تغرق عذاري في التفاصيل الصغيرة: الطعام الجاهز، الثياب المرتبة، رسائل التذكير الكثيرة بموعد الدواء، وصوتها المتهدج الذي يلاحق الزوج بالاهتمام. كل هذه العلامات ليست حبًا سويًا، بل رغبة مستمرة ومتجددة في الاحتفاظ بالآخر بالقوة العاطفية. ومع كل محاولة للسيطرة، كانت تفقد جزءا من نفسها حتى تحول الإخلاص المفرط إلى سجن. وحين حاول هو الخروج منه، شعرت أنها تنهار تماما. في هذه المساحة المتوترة بين الحب والخوف، يبرز أداء شجون الهاجري كأحد أهم عناصر الفيلم. فهي تجسد كائنا ينهار من فرط الحب. في نبرتها المتهدجة وحركات يديها ونظراتها المرتبكة نلمح اضطرابًا داخليًا نادر الدقة. تصرخ لا لأنها غاضبة؛ بل لأنها لم تعد تعرف كيف تُحب دون أن تؤذي نفسها.

عرس النار (2025)
عرس النار (2025)

 في مشهد المواجهة مع زوجها نرى شرخًا بين لغتين مختلفتين: هو يتحدث بالعقل الذي كان قاصرًا منذ البداية عن احتوائها، وهي تتحدث بالعاطفة التي أصبحت أكبر مما يحتاج أي شخص حتى غدت خانقة. تتوسل بقلبها، بينما يواجهها هو بواقعية باردة. وهذا الفارق في اللغة هو الذي يولد النار.

أداء فيصل العميري في دور الزوج يقدّم قراءة مزدوجة للرجل. في البداية يبدو كوحشٍ: بارد النظرات، شديد الجفاء. لكن العميري لا يقدمه ككاره أو متغطرس، بل كإنسانٍ عاجز عن التواصل مع عاطفة فائضة لا يعرف كيف يتلقاها. في ملامحه شيء من الانزعاج وشيء من الخوف، لكنه لا يشعر بالذنب لأنه لم يستطع أن يحبها بالقدر الذي تحبه به هي، أو حتى أن يكون حسن المعاملة معها. هذه الجفوة التي كتبها الفيلم دون أن يشرحها كفاية، أدّاها العميري بحضور صامت مقنع.

ومع ذلك، يظل صمته في المشاهد الأخيرة أحد أجمل ما في الفيلم. فحين يرى الحريق ينكسر بنظرة تجمع الرعب بالذنب، تقول أكثر مما تقوله الحوارات التي كانت في الحقيقة أكثر ما أثقل كاهل الفيلم، خصوصًا كلما اقتربت الأحداث من لحظة الواقعة. فصحيح أن الفيلم بدا أكثر تماسكًا من حيث الإيقاع والبناء مقارنة بالحلقات الثلاثة التي قدمت فيها الحكاية نفسها في المسلسل، إلا أن تلك الحلقات منحت مساحة أكبر لعيش تخبّط الشخصيتين وتطورهما الداخلي

عرس النار (2025)
عرس النار (2025)

العلاقة بين عذاري وصلاح تشكل ديناميكية تراجيدية. كلاهما مرآة الآخر بطريقة معكوسة: هو يتظاهر بالقوة ليخفي ضعفه، وهي تتظاهر بالحب لتخفي خوفها. كل لقاء بينهما هو مواجهة بين قطبين متناقضين؛ العقل الجاف والعاطفة المشتعلة. والمخرج (محمد سلامة) يدرك هذا التناقض ليقدم النار تيمة بصرية تنمو مع تصاعد الصراع.

في البداية، داخل المستشفى يبني الفيلم عالمًا من البرودة المتحجرة. الإضاءة باهتة تميل إلى الرمادي، واللقطات واسعة إلى حد يبتلع الشخصيات داخل المساحة. الكاميرا ثابتة، تراقب المشهد من مسافة وكأنها تؤكد المسافة العاطفية بينهما.

وسريعا ما يبدأ الخلاف يطفو، لتتبدل حرارة الصورة ويضيق الإطار وتكتسب الإضاءة توترًا لونيًا يميل إلى البرتقالي. تتسرب النار فيه ببطء لتنعكس على ملامح عذاري. ومع كل مواجهة، يتقلص الفضاء حول الشخصيتين، والكاميرا تميل إلى زوايا خانقة، في انتقال بصري  يحاكي تسارع الاختناق العاطفي بين الطرفين.

في منتصف الفيلم، تفقد عذاري اتزانها بالكامل. الحوار يتفتت إلى كلمات متقطعة لا تكتمل معانيها، والمخرج يترجم هذا الاضطراب عبر كاميرا قلقة لا تستقر على محور واحد. وفي كل لحظة تردد يبدو الضوء يزداد وهجًا حتى يغمر ملامحها تمامًا في مشهد الحريق. اللون يشتد حتى يطغى وتختفي الحدود بين الضوء والظل.

بعد الاشتعال، يعود الإخراج إلى مساحته الأولى: اللقطات تتسع من جديد، الألوان تبرد، والإضاءة تستعيد صفاءها الشاحب. تعود الكاميرا إلى بعدها القديم، لكن الفراغ هذه المرة هو فراغ عاطفة؛ استعارة للتحوّل إلى رمادٍ بصريٍّ يكسو الفيلم حتى نهايته. بذلك يكتمل التدرّج الذي يبدأ من برودةٍ وحياد، يمرّ بحرارةٍ خانقة، وينتهي ببرودةٍ أخرى تحمل نتيجة الفقد والانتهاء.

عرس النار (2025)
عرس النار (2025)

يمثل «عرس النار» تجربة تكشف عن مرحلة انتقال في الدراما الخليجية، من الحكاية المباشرة إلى القراءة الأعمق للنفس والمجتمع. فالفيلم لا ينجو من بعض عثراته الحوارية ولا من ميله للميلودراما، لكنه في المقابل يفتح بابًا للنقاش حول طريقة تمثيل الألم على الشاشة، وكيف يمكن للفن أن يعيد صياغة الواقع من دون أن يبتعد عنه.

إن ما يلفت فيه هو محاولته الجادة لالتقاط منطقة رمادية بين الحب والذنب، وبين الفعل والنية، وهي مساحة نادرًا ما تُمنح في الدراما الخليجية. من هنا، يمكن النظر إلى «عرس النار» لا كمنجز نهائي، إنما كعلامة على تحوّل في الذائقة والسرد، تَعِد بأن القادم قد يكون أكثر جرأة وصدقًا في مواجهة ما نخفيه خلف الهدوء الظاهر.

اقرأ أيضا: من «وجدة» إلى «هجرة»… رحلة السينما السعودية نحو الأوسكار

شارك هذا المنشور