فاصلة

حوارات

عبد الوهاب شوقي لـ«فاصلة»: سطران كانا سببًا في ظهور «آخر المعجزات»

Reading Time: 7 minutes

عندما وفد المخرج عبد الوهاب شوقي، إلى العاصمة في مقتبل شبابه، كان يشعر بالغربة والوحدة وهو يسكن في إحدى حارات الجيزة. قبل مجيئه، كان قد عرف طريق الشيخ ياسين التهامي، ذلك الصوت العاشق الذي أخذ يطارده في كل مكان: من أقاصي الصعيد إلى الوجه البحري. لكنه اكتشف بسهولة شديدة في القاهرة أن أضرحة آل بيت النبي هي أكثر الأماكن قدرة على احتضان الغريب.

 حينما كان يسير في أحياء الجيزة، والتي كانت تتسم بالصخب والعنف مقارنة بمدن الأقاليم الهادئة -حيث نشأ، كان صوت التهامي يخترق الضجيج، فكان يتحرك على الفور تجاه مصدر الصوت، سواء كان كشكًا أو محل عصير قصب، لأن هذا الصوت كان يذكّره بوجود شخص آخر مغترب، مرهق، ورافض للواقع، لكنه يحاول أن يتكيف وينسجم مع محيطه.

 هذه التجربة الأولى للمخرج في قلب العاصمة لا تختلف في جوهرها عن حالة بطل فيلمه القصير الأول «آخر المعجزات»؛ فيحيى هو الآخر مغترب في عالمه الداخلي ومحيطه الخارجي. لقد عكس الفيلم، ليس فقط خيبة أمل جيل ما بعد النكسة، بل أيضًا شعور «شوقي» وجيله الذي سقط من قمة آمال الربيع العربي إلى صخرة الواقع. وبذلك، فإن رحلة يحيى في الفيلم هي مرادف لرحلة المخرج نفسه في مقتبل شبابه: رحلة شخص مغترب يبحث عن الاصطفاء والحب والنورانية في عالم يائس.

نُشرت المجموعة القصصية «خمارة القط الأسود» بعد نكسة 1967 وعكست حالة من اليأس وفقدان اليقين. كيف حاولت أن تنقل هذا العبء التاريخي/الفلسفي إلى سياق معاصر في فيلمك، وما الذي جذبك تحديدًا في قصة «معجزة» لتكون مشروع فيلمك القصير؟

 لقد كانت هزيمة 1967 أكثر من مجرد خسارة عسكرية؛ كانت نقطة تحوّل أليمة هزّت جوهر الشخصية المصرية. لطالما شعرتُ بهاجس هذه الفترة، التي أرى أنها اللحظة التي أصبح فيها الجسد الوطني هشًا، فاندفع المجتمع نحو التشدد، وتزايد الفساد، وخفت صوت العقل. كانت صدمة قاسية أن نسقط من قمة الثقة القومية -التي أوهمتنا بأننا أقوى من العالم- لنجد طيران العدو يرسم نجمة داوود في سماء القاهرة. هذا السقوط المروّع حطّم الثقة في كل شيء مادي ودنيوي. لم يكن غريبًا أن يهرع الجميع إلى كنيسة الزيتون بعد أسابيع قليلة من النكسة لرؤية معجزة ظهور السيدة العذراء، لأن الحلول الأرضية قد تبخرت، ولم يتبق لنا إلا الأمل المعلّق بأي ضوء غيبي. 

أشعر بصلة عميقة ومؤلمة بين جيل 1967 وجيلي نحن الذين شهدنا الربيع العربي. نحن أيضًا حملنا آمالًا صعدت بنا إلى عنان السماء، متوهمين أن عيبنا كان في «شخص أو اثنين» وأن إزاحتهم ستحوّلنا إلى قوة عالمية. هذا الإيمان المفرط بذاتنا، كشعوب عريقة نستحق الأفضل، كان مقلقًا بقدر ما كان شريفًا؛ لأنه رفع سقف الطموح بشكل كارثي. لقد اختبرتُ هذا السقوط بنفسي، عندما كنت أحلم بإلغاء الرقابة لأجد أول أفلامي يُمنع من العرض! أن تسقط من قمة آمالك إلى صخرة الواقع القاسية هو شعور مشترك يجمعنا بجيل النكسة، مما جعلني أرى في قصة محفوظ وسيلة للتعبير عن اكتشاف ذاتي وتجربة جيلي الموجعة.

لذا، فإن قصة «معجزة» جذبتني لأن بطلها يتلقى ضربة لا تقل قسوة عن ضربة النكسة أو خيبة الربيع العربي. يوجعني أن أرى جيلي يفقد الأمل أو يتوقف عن الحلم، بعد أن دفع ثمنًا باهظًا. كان دافعي للعمل على هذه القصة كامنًا في سطرين ملهِمين، عندما تحدث محفوظ قائلًا: «لكنه عرف سبيله ولن توقفه قوة، هناك أمل عند الأفق، وراء حياته الذابلة التافهة الجدباء، أمل يعده بالقوة والنور والامتياز، سيتحول الرجل المسكين إلى شخص نوراني باهر يأتي بالمعجزات، وسوف يوارى بعد عمر طويل في ضريح مبارك».

هناك مصطلح أحمله في قلبي: «طوبى للمحتقرين». هؤلاء الذين يُهمَّشون ويُحتقَرون لأنهم طيبون، غير قادرين على الصراع والمنافسة، ولا يملكون أن يكونوا أشرارًا. أتعاطف دائمًا مع هذا الشخص الهش، المفتقر للموهبة، الذي لم تتحقق طموحاته. نحن كشعب ذي حضارة عريقة، نشعر دائمًا بعبء العظمة، ونتعس عندما لا نبلغها. ولذلك، فإن بطل القصة الذي يجد شيئًا ينتشله من وحل الاحتقار وانعدام الجدوى، ويجعله يولد من جديد في عيون الآخرين، يجسّد حاجتنا المُلحة للتمسك بأي بصيص أمل، حتى لو كان وهمًا، لنستعيد ثقتنا المفقودة في هذا العالم.

 ما هي أبرز التعديلات أو الإضافات التي قمت بها على النص الأصلي لنجيب محفوظ ليتناسب مع اللغة السينمائية؟

لقد أدركتُ مبكرًا أن القصة الأصلية لنجيب محفوظ، بحدودها السردية، لا تصلح لعمل فيلم بشكل مباشر. كان التحدي الحقيقي يكمن في خلق مُعادِل بصري يوازي عمق القصة الروحي. لهذا السبب، كان عليّ أن أعمل على صياغة «معالجة» تتحول إلى قصتي السينمائية الخاصة، ومن تلك النقطة، كان لزامًا عليّ أن أنسى تمامًا النص الأدبي الأصلي.

لم أقتنع بأن يقوم البطل بفعل القتل في قصة محفوظ الأصلية؛ لأن دوافعه هناك لم تكن كافية لخسارة شيء عظيم. لكي أقنع المشاهد بصريًا بهذا التحول المأساوي، كان عليّ أن أُنشئ رحلة فعلية لم يخُضها البطل في القصة الأصلية. يجب أن تخرج الشخصية إلى العالم، وأن تخوض رحلة مبهرة يجد فيها التبجيل، لكي يقتنع المشاهد بعمق ما سيفقده في النهاية. أردت أن يشعر المشاهد أن البطل قد انقطع عن الحياة تمامًا وترك عالمه القديم، ليتجرد من كل شيء في سبيل هذه المعجزة، وبذلك يصبح سقوطه النهائي أكثر إيلامًا وتأثيرًا.

أخر المعجزات عبد الوهاب شوقي
فيلم «آخر المعجزات» (2024)

 القصة عنوانها «معجزة»، والمجموعة هي «خمارة القط الأسود» والأحداث تدور داخل خمارة «فينيسيا».. كيف عكست هذه المفارقة الوجودية بربط المعجزة (المفهوم الروحي) ببيئة يائسة مثل الخمارة؟

هذه ليست مجرد مفارقة أدبية، بل هي تجسيد لرؤيتي الفلسفية للحياة: المسافة بين الأضداد تساوي الصفر. أنا أحب السير على «الشعرة» الفاصلة بين النقيض ونقيضه؛ لأن الحياة الحقيقية تكمن في هذا التماس الغريب.

لا يمكنني مقاومة جاذبية فكرة أن تحدث معجزة لرجل سكير، داخل حانة. هذا هو لب الوجود! أن تداهمك ذروة النورانية والارتقاء في أحط الأماكن وأكثرها تفسخًا وسوءًا. أو على النقيض، أن يباغتك شيء شديد السوء بينما تعيش لحظة صفاء روحية. هذا التناقض هو ما يجعل الروحانية حقيقية ومؤثرة؛ فهي لا تقتصر على المعابد، بل تنزل إليك لتنتزعك للأعلى من أدنى مكان في الوجود.

إنني شغوف بهذه الشخصيات الهشة وغير المتحققة، التي لا تزال أسئلتي حولها لا تنتهي. هذه الشخصيات المكسورة هي محور السينما التي أحببناها وتأثرنا بها، سينما الواقعية الجديدة التي قدّمها جيل عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة، والتي أرى أن مهمتي اليوم هي مواصلة الحديث عنها.

عبد الوهاب شوقي فيلم «آخر المعجزات» (2024)
فيلم «آخر المعجزات» (2024)

 غالبًا ما يمثل «الشيخ» أو «الولي» في أعمال محفوظ، رمزًا لحنين الشخصيات إلى اليقين أو السلطة الأخلاقية الضائعة.. كيف قرأت وظيفة هذا الولي بالتحديد في «آخر المعجزات»؟ هل هو شخص حقيقي روحيًا، أم أنه إسقاط نفسي لحاجة البطل إلى مرشد بحثًا عن الخلاص؟

إن «الولي» في قصة محفوظ لا يمثل مجرد رمز ديني، بل هو الإسقاط العميق لحاجة البطل الماسة إلى الاصطفاء والحب. في مرحلة من مراحل حياتي، حيث كانت العقلانية تسيطر عليّ، لم أكن أفهم عالم التصوف، لكنني كنت أجد سعادة غامرة، تمامًا كتلك التي شعر بها «يحيى»، حينما يخبرني شخص صوفي بأن فيّ «شيئًا إلهيًا».

هذا الولي يتحول من مجرد مرشد إلى أمل في النجاة وحبيب روحي. إن رؤية يحيى وهو يعلق صورة هذا الولي في الضريح ليس مجرد تكريم، بل هو تعبير عن أمنية عميقة بأن يكون مختارًا ومفضلًا ومحبوبًا.

بالنسبة ليحيى، الذي لم يتلقّ الحب حتى من أقرب الناس إليه، قد تكون لمسة الشيخ الحانية على رأسه هي أول احتضان صادق في حياته. هذا هو جوهر «الصوفية»؛ إنها ليست مجرد طقوس، بل هي احتواء عاطفي كبير يمنح المنبوذ والمغترب، الذي تبدو نظراته الزائغة في القاهرة وكأنه غريب عنها، شعورًا بأن هناك من يحبه ويهتم لأمره أخيرًا. في لحظة واحدة، يتلقى هذا المنبوذ كل ما يتمناه المرء، ليتحول إلى صاحب معجزة.

هذا الميراث العتيق للولي، الذي يمتد جذوره إلى إيزيس وأوزوريس وحورس في التاريخ المصري القديم، يمثل في جوهره حاجة أزلية. الولي ليس سوى حاضنة عاطفية دافئة وواسعة تقف في وجه قسوة الحياة وغلظتها، تحاول أن تقدم التعويض العاطفي الذي تحتاجه شخصيات مثل «يحيى» بشدة.

فيلم «آخر المعجزات» غبد الوهاب شوقي (2024)
فيلم «آخر المعجزات» (2024)

 يلعب الفيلم على وتر الشك واليقين.. هل قصدت أن يبقى المشاهد معلقًا بين تفسيرين: التفسير الميتافيزيقي (حدوث المعجزة فعلًا) والتفسير المنطقي (مجرد هلوسة أو حلم)؟

بالتأكيد، كان القصد هو أن يبقى المشاهد معلقًا في تلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين الشك واليقين. لم أكن أريد أن أقدم لوحة صماء واضحة المعالم؛ بل أردت أن يدخل المشاهد إلى الفخ ذاته الذي سقط فيه البطل، وأن يعيش رحلته المضطربة بكل تفاصيلها.

أنا أدفع المشاهد دفعًا ليوازن بين التفكير الميتافيزيقي تارة، والعقلاني تارة أخرى، تمامًا كما يفعل البطل. يجب أن يتساءل: هل هذه علامة روحية حقيقية؟ أم أنها مجرد مقلب محكم؟ أم هل هي وليدة خياله المنهك؟

هذا الخط الفاصل هو ما يسيطر على الفيلم، خلقنا ما يمكن تسميته بـ «أجواء سوريالية حالمة» أو (Dreamlike) لخدمة هذه الحالة. يمكنك أن ترى ذلك في خطوط النور التي رسمت بداية مخملية حالمة، وحتى اللقطة الأولى التي توحي بأن ما نراه هو حلم، مثل حركة الزجاجة.

ولأن المعجزة حدثت والبطل في حالة تتأرجح بين اليقظة والسُكْر، كان لا بد أن تعكس الصورة هذه النقطة بالتحديد. يجب أن يظل احتمال أن ما يراه هو مجرد هلوسات سكير قائمًا، ليبقى المشاهد، متشككًا طوال الوقت فيما إذا كان ما يحدث حقيقة راسخة أم مجرد وهم عابر.

Stalker (1979)
Stalker (1979)

ما هي أبرز العناصر البصرية أو الرمزية التي استخدمتها لتعكس حالة التيه أو البحث عن اليقين التي يمر بها بطل الفيلم؟ وهل هناك مرجعيات بصرية (لأفلام أو لوحات) استلهمت منها تكوين المشاهد؟

لم أكن أرغب في الاعتماد على مرجعيات بصرية جاهزة؛ بل سعيت لخلق لغة بصرية خاصة تنبع من روح الفيلم. لكنني قدمت تحية لأندريه تاركوفسكي وفيلمه «Stalker» في اللقطة الافتتاحية. هذه اللقطة، حيث تتحرك الزجاجة والبطل يحدق بها، تضع المشاهد على الفور في المنطقة الرمادية ذاتها التي أحبها تاركوفسكي: هل هي قوة خارقة أم مجرد اهتزاز؟

إن هذا المشهد هو عنوان الفيلم وقصته كلها؛ إنه تأسيس بصري دقيق يوضح أن عقل البطل قابل لاعتناق الغرائبيات والخرافة، حتى وإن كُشف لاحقاً أن القطة هي من حركتها، ليظل الشك قائمًا. 

لقد عملنا على خلق عالم بصري يمزج النقيضين، فكان لا بد للحانة، رغم يأسها، أن تحتوي على موتيفات روحانية. صُممت النجفة لتشبه تلك الموجودة في الجوامع، وكذلك تصميم البار مستوحى من الآركيت الأندلسي وممزوج بجماليات العمارة النيو مملوكية، ليخلق بيئة غير مستقرة بصريًا.

فيلم «آخر المعجزات» (2024)
فيلم «آخر المعجزات» (2024)

كما كانت الأضواء جزءًا من هذه الرحلة الروحية، حيث طلبتُ من مدير التصوير (عمر أبو دومة) أن يغمر البطل بـ نور أخضر يشبه نور الأضرحة لحظة اقترابه من الهاتف، ليصبح هذا النور إشارة الخلاص أو الاصطفاء الوهمي، بينما تكلله النجفة من فوقه كـ وليّ.

كانت المرجعية البصرية الوحيدة المباشرة من كتاب «جماليات الاضطراب» والمعني بثورة النيون في سينما جنوب شرق آسيا، والتي أحببتها في أعمال وونغ كار واي وبي جان. لقد أردت أن يكون البار عائمًا في النيون ليخلق حالة الاضطراب والتشوش التي يعيشها البطل، وكأنه المزاج الحاكم للحانة.

 كما استخدمنا موتيفات العمارة الإسلامية للتعبير عن علاقة البطل بالمدينة العريقة التي تحولت إلى وحش يبتلعه؛ ففي أحد اللقطات عقب الأفان تتر، يظهر البطل في منطقة سور مجرى العيون التاريخي الذي يقطن خلفه مباشرة ديستوبيا بشعة، وهو تناقض يجسد السقوط المصري. وقد كان هناك اتفاق مع مدير التصوير بأن التكوين البصري يجب ألا يكون تمثاليًا؛ فكنا نتحاشى النسب الذهبية المتعارف عليها، لأننا كنا نريد للمشاهد أن يشعر دائمًا بوجود شيء غامض وغير مفهوم يحيط بالبطل، فكل تفصيلة بصرية وسمعية كانت مشغولة بدقة لخدمة هذا التيه الوجودي.

اقرأ أيضا: عبد الوهاب شوقي ضحية «آخر معجزات» الرقابة الدينية

شارك هذا المنشور