تنحاز السينما الوثائقية، في الغالب، إلى الصورة؛ لذلك تفتّش دائمًا عمّا هو بصري. وهذا ما يربك مُشاهد فيلم كوثر بن هنية «صوت هند رجب»، ويضعه منذ اللحظة الأولى في حالة ترقّب. هو أمام احتمالين: إمّا أن يكون عارفًا بالحادثة، بوصفها واحدة من الوقائع المتكرّرة التي تطال ضحايا على أرض فلسطين (مع الأسف)، أو أن يكون قد جاء مدفوعًا بالعنوان نفسه، عنوان يبدأ بصوت منسوب إلى اسم، فيسأل تلقائيًا، ماذا سأرى؟
يبدأ الفيلم من وثيقة صوتية بلا صورة، وهو خيار يمنح مساحة واسعة للمخيّلة، ويفتح الباب أمام نوع خاص من الرعب السينمائي، عبر لحظة «الأكوسماتيك»، حين نسمع الصوت من دون أن نرى مصدره. هنا يشتغل الخيال اضطرارًا لا ترفًا، ويُولد المشهد في الذهن قبل أن يُولد على الشاشة. من هذا المدخل، يدخل الفيلم إلى حكاية حدثت في التاسع والعشرين من يناير 2024، داخل مركز اتصال للهلال الأحمر، حيث وصل نداء هند، وصار الخط الهاتفي هو المكان الحقيقي الوحيد الذي لا يستطيع الفيلم الادّعاء بتجاوزه. كان أمام كوثر خياران، إمّا أن تذهب بالكاميرا إلى الطفلة خلال حديثها وتنقل صورة الرعب المباشر، أو أن تبقى داخل مركز الاتصال. اختارت الخيار الأسهل/الأصعب في آن، والأكثر ثراءً دراميًا، لتحفيز صورة المشهد ودمويته، إدراكًا منها أن السينما وحدها غير قادرة على نقل وحشية ما يحدث، ولا بدّ من ترك مساحة للمتلقي ليؤثّثها بنفسه.

تأثيث الصوت بالصورة
لا يكتفي الفيلم بأن يجعلنا نسمع، بل يعلّم العين كيف تُنصت، والقلب كيف يُصغي. فقد ألبست كوثر الصوت صورةً من دون أن تزوّر أصله، وهنا تكمن القيمة المضافة: حين يبدو الصوت وكأنه صادر من الصورة نفسها لا من خارجها. يذكّرنا الفيلم بمكانة الصورة في السينما، التي لم تتردّد في بداياتها أن تبدأ بلا صوت، ولن تتأخّر اليوم عن صناعة صورة من صوت.
استثمرت كوثر هذه الحيلة الإدراكية بذكاء، فجعلت الصورة تتشكّل على مقاس الصوت لا العكس. أعادت بناء غرفة الاتصالات، رسمت خرائطها، واستحضرت وجوه المناوبين، ووظّفت كل تفصيلة لدفع السرد قدمًا، من أجل تأطير ما يقوله المقطع الصوتي وما يصمت عنه أيضًا. فالصمت هنا أوسع من الكلام، لأنه يمنح الفيلم قراره الجوهري منذ البداية: الوثيقة السمعية هي المرجع النهائي. عندها يصبح المرئي محاولة لضبط الفزع لا لتوسيعه.

من هنا نعود إلى شخصيات مركز الاتصال، والمسعفين، ووالدة الطفلة، ونغوص في دوافعهم، سواء كانوا حقيقيين أو متخيّلين، في بناء محكم يستند إلى تضادّات واضحة. استطاعت كوثر أن تشدّ المشاهد، رغم امتلاكها تسجيلًا صوتيًا محدود المدة، لكن الفراغات البيضاء (أو الحمراء) في التسجيل كانت كافية لشحن ساعة ونصف من التوتر والقلق، من دون تمطيط يضعف الإيقاع أو مسار متوقّع يقود إلى نهاية محسومة، رغم خطورة الرهان على حادثة معروفة. ومع ذلك، أربكت المخرجة من خلال شخصياتها منطق التوقّع، وأبقت المُشاهد في حالة بحث دائم عن اللحظة المنتظرة للطفلة.
صناعة الشخصيات
في هذا النوع من الأفلام، يمكن أن تتحوّل الشخصيات بسهولة إلى وظائف باردة ووجوه مصطنعة تقود العمل إلى خطاب عالٍ يصمّ الأذان من دون أن يلامس القلب. غير أن كوثر بن هنية تفادت هذا الفخ، عبر بناء دوافع مكتملة من داخل العمل نفسه، فجعلت لكل شخصية دورًا دراميًا يتقاطع مع وظيفتها، من دون الإخلال بحقيقة الوثيقة السمعية.
وفق الهيكل التنظيمي للمركز، ينحاز مهدي (عامر حليحل) إلى المسعفين، بينما يخرج عمر (معتز ملحيس) من إطار وظيفته موظفَ استقبال مكالمات لينحاز إلى الطفلة. ندى (سجا الكيلاني)، بدل أن تغادر مع انتهاء دوامها، تتشبّث بالمكالمة كي لا ينقطع الخط. ونسرين (كلارا خوري) تحاول ترميم ما ينهار والحفاظ على تماسك المركز. لكلّ منهم مبرّراته: صوت الطفلة حين يمسّ الأذن يجعل القرب حقيقة لا مجازًا، فيما يرى مهدي سلسلة الخسائر ويخشى إضافة ضحايا جدد.

من هنا ينشأ الصراع بين عمر ومهدي، لا بوصفه معركة قيم، بل تصادم واجبات. عمر يريد التحرّك الفوري، حتى لو تجاوز صلاحياته واتصل بمسعفين يعرفهم شخصيًا، لأنّ كل ثانية على الخط تعني حياة. في المقابل، يريد مهدي قرارًا محسوبًا، لأنّ الإنقاذ قد يتحوّل إلى مكمن. هذا التوتر هو قلب الفيلم الدرامي، وهو ما يمنحه صدقه وإثارته، من دون أن يدفع أيًّا من طرفيه خارج أخلاقيات المهنة. فحتى في ذروة الخلاف، يبقى الرابط الإنساني قائمًا؛ يتشاركان التدخين واللحظة، لأنهما في البلاء سواء.
استعادة الصوت
قد تصنع المهرجانات حدثًا فوق الحدث، فيعلو التصفيق على الصوت الحقيقي، لكن المفارقة أنّ هذا الفيلم، برفضه الاستعراض داخل بنيته، تحوّل خارجيًا إلى حدث كبير. حصد حتى كتابة هذا المقال 16 جائزة، أبرزها في مهرجان البندقية، وحظي باستقبال يليق بما يتركه من أثر وشجن. وهو اليوم واحد من أربعة أفلام عربية مرشّحة للأوسكار، من دون أن يقع في خطاب مباشر أو وعظ فجّ.

تركت كوثر بن هنية للمُشاهد أن يتخيّل ما يحدث في الطرف الآخر من المكالمة. وما يحدث هناك يُعاش ولا يُقال. علينا أن نشاهد الفيلم، أن نعيش اللحظة مع عمر وندى ونسرين ومهدي والأم والمسعفين، ونرى الزمن المهدور على جدران المركز، والخريطة المرسومة لمتاهة لا خروج منها تحت الاحتلال. بعد الفيلم، يصبح ما كان مسموعًا مرئيًا، وتستعيد السينما دورها في إعادة الصوت إلى الواجهة.
صوت هند رجب لا يتلاشى ما دام هناك مَن يسمع. الشجرة حين تسقط في الغابة، إن كانت تعلم أن لا أحد يسمعها، فهل تصدر صوتًا؟
هند كانت شتلة كان لها أن تعيش طويلًا وتصبح شجرة زيتون. أرسلت صوتها وهي موقنة أنّ هناك مَن يسمع. وكوثر بن هنية، بحسّها الحاد في اختيار موضوعاتها وتقديمها، استعادت هذا الصوت لأن هناك مَن يسمع ويرى. ولا عذر لمن رأى، إذ لا عذر لمن استطاع أن يستعيد صوتًا كهذا ولم يفعل.
اقرأ أيضا: «صوت هند رجب»… هل يجب حقًا أن نتحدث عن الفن في هذه اللحظة؟