عندما لا يبقى للإنسان سوى صوته، يصبح الكلام شكلًا أخيرًا من أشكال النجاة، وتصبح كل كلمة نداءً قد يصل متأخرًا إلى عالم اعتاد الصمت أمام الألم. وفي اللحظة التي يتحول فيها الصوت إلى أثر أخير للحياة، يكشف الصمت المحيط به عن عنف العالم أكثر مما تكشفه الصور. هنا يظهر فيلم «صوت هند رجب» لمخرجته كوثر بن هنية كعمل يعيد الاعتبار للصوت الإنساني حين يتحول إلى وسيلة وحيدة للتشبث بالحياة. على خلفية عالم تتسارع فيه الأخبار حتى تفقد قدرتها على لمس الوجدان، ويصبح الألم صورة عابرة في تدفق لا ينتهي من المشاهد.

ينطلق الفيلم من واقعة محددة، إلا أن معالجتها تتجاوز حدود الحدث الزمني، وتدفع التسجيلات الصوتية إلى التحول نحو مساحة مواجهة مباشرة مع الخوف والانتظار والزمن المعلّق. حيث يقود صوت الطفلة «هند رجب» التجربة كاملة، ويتقدّم على أي بناء سردي مألوف، فيصنع مسارًا قائمًا على التوتر والاستمرار. وهكذا تتشكّل الحكاية عبر كلمات متقطعة وأنفاس مسموعة وصمت ثقيل، فيصبح السماع ممارسة واعية تفرض حضورًا نفسيًا كثيفًا. وهذا الحضور الصوتي العاري يسيطر على الإيقاع، ويعيد ترتيب علاقة المشاهد بما يسمع ويرى، حيث تتبدل الصورة إلى خلفية بعيدة، ويصبح الصوت مركز الثقل الذي يحمل المعنى ويكشف هشاشة اللحظة الإنسانية.
ينخرط المشاهد منذ اللحظة الأولى في تجربة تقوم على الإنصات، حيث يتقدّم الصوت على الصورة ويتحوّل السماع إلى فعل وجودي مباشر. الطفلة هند المحاصَرة داخل سيارة مقصوفة بالدبابات في غزة تمسك الهاتف في محاولة للتواصل مع عالم بعيد، بينما تحيط بها آثار موت قريب ومباشر. وهذا الصوت الذي ينقل الحدث، ينقل أيضا الزمن النفسي للحظة، بكل ما يحمله من توتر وتردّد وانكسار. ومع استمرار الاستماع، يتحول المشاهد من متلقٍ إلى شاهد، يشعر بثقل الحضور السمعي، ويجد نفسه داخل التجربة بدل الوقوف خارجها.

في الجهة الأخرى من الخط، كان فريق المتابعة جالسًا أمام شاشات وخرائط وأجهزة اتصال صامتة إلا من ذلك الصوت المرتجف والوعود التخديرية البائسة. فكل كلمة تصلهم كانت تحمل زمنًا يتسرب من بين الأصابع، وكل صمت قصير يضاعف التوتر داخل الغرفة. أحدهم يسجل الموقع، آخر يحاول تهدئة الصوت، وثالث يراقب الوقت وهو يدرك قسوته. حيث تخرج الأسئلة محسوبة، والنبرة تبقى ثابتة رغم الارتباك الداخلي. فالجميع يسمع أنفاس طفلة مذعورة، مسكونة بالرعب، ويشعر بثقل العجز عن الوصول إليها. وفي تلك اللحظات، يتحول الإصغاء إلى امتحان قاسٍ، حيث يصبح الانتظار فعلًا مؤلمًا بحد ذاته.

يقترب هذا الاختيار الجمالي من تصور ميشيل شيون للصوت في السينما، حيث يمنح الصوت قدرة مستقلة على توليد المعنى وتوجيه الإدراك من دون الاعتماد على الصورة. وفي هذا السياق، يؤدي صوت هند دورًا محوريًا في بناء التجربة، إذ يسبق المشهد البصري ويحدد إيقاعه النفسي. كما تفقد اللقطات المصاحبة مركزيتها التقليدية، وتتحول إلى مساحات صدى لما يُسمَع أكثر مما يُرى. كذلك يتشكّل الإدراك عبر الأذن قبل العين، ويصبح السماع أداة أساسية لفهم الحدث. وبهذا الترتيب، يفرض الصوت هيمنته على البنية السردية، وعلى الشريط البصري، ليقود المتلقي داخل تجربة سمعية كثيفة وموجعة تحمل ثقل اللحظة الإنسانية كاملة.

الصوت المسجّل يشكّل المحور الأساسي للسرد، حيث تتحول الكلمات القليلة التي تنطقها هند إلى مركز ثقل عاطفي وأخلاقي يوجّه التجربة كاملة. ففي بداية التسجيلات، يُسمَع صوتها متقطعًا، محمّلًا بالخوف والارتباك، وهي تقول: «أنا خايفة… كلهم ساكتين… في دم كتير». وهذه العبارات القصيرة، التي تفصل بينها توقفات صامتة وانقطاعات، تخلق إيقاعًا متشنجًا يضع المشاهد داخل فضاء مغلق خانق. حيث يكتسب الصمت وزنًا خاصًا، فيضاعف أثر الكلمات، ويحوّل الفراغ الصوتي إلى عنصر دلالي يعكس العزلة والذعر، ويجعل السماع تجربة نفسية ضاغطة تتجاوز مجرد نقل الحدث.
السرد السينمائي يمنح الفراغ الصوتي زمنه الكامل، ومع امتداد اللحظة يتصاعد الرجاء والخوف في صوت الطفلة ويتحوّل إلى سؤال دائري متكرر: «حدا رح ييجي؟ حدا رح ييجي؟». وهذا التكرار يحوّل السؤال إلى إيقاع نفسي يضغط على السمع والذاكرة معًا. كما يتقاطع المشهد مع تصور جورج هوبرمان للشهادة. حيث تصبح الشهادة الهشة، غير المكتملة، شكلًا من أشكال المقاومة ضد المحو. وبالتالي يشهد صوت هند من موقع ضعف كامل، ومع ذلك يترك أثرًا ثابتًا، ويفرض حضوره في الذاكرة بوصفه بقايا حياة تصرّ على أن تُسمَع.

وفيما كانت هند تحاول تحديد المكان وسط الارتباك واليأس: «أنا لحالي… أنا بالسيارة» ترافق الصورة الصوت بلقطات عامة للمدينة والطرقات والمساحات الفارغة، فتبدو البيئة واسعة وعاجزة في آن واحد. إذ تعجز الصورة عن منافسة الصوت، فتتراجع أمامه، وتترك له قيادة المعنى. وفي إحدى اللحظات، ينخفض الصوت وتخرج الكلمات وكأنها تقرير صادم للواقع: «هم ماتوا… هم ماتوا». وهذا التكرار الخافت يحوّل الجملة من خبر إلى صدمة متواصلة، ويجعل المشاهد شريكًا في حمل هذا الإدراك الثقيل.
وهكذا يتجلى ما تحدّث عنه سيرج داني حول السينما التي تضع المتلقي في موقع الشاهد المسؤول، حيث المعرفة لا تمنح خلاصًا، وإنما تفرض عبئًا أخلاقيًا. ومع استمرار الاتصال، يظهر نداء الاستغاثة البسيط: «لو سمحتوا… لو سمحتوا تعالوا». حيث تنطلق الكلمات من صوتها المتعب بشكل مباشر، ومجرد، يعكس اعتمادها وأملها الكامل على وصول النجدة. ومع مرور الوقت، يتسلل الإنهاك إلى صوتها فتقول: «أنا تعبانة… بدي أنام». حيث تفتح هذه الجمل فراغًا صامتًا يدرك فيه المشاهد خطورة ما يقترب.

في مقاطع أخرى، يعود الصوت ليؤكد على هشاشة الهوية وبراءة الطفولة في قلب هذا المشهد: «أنا صغيرة… أنا بنت». ثم يتكرر العجز الجسدي والنفسي بوضوح: «مش قادرة… مش قادرة». وهذه الكلمات تصل إلى فريق المتابعة والإسعاف محمّلة بثقل يفوق اللغة، وتضعهم في مواجهة مباشرة مع استغاثة يعرفون خطورتها لحظة بلحظة. فالأصوات القادمة عبر الاتصال تتحول إلى مسؤولية مهنية وإنسانية متداخلة، حيث يتابع الفريق التفاصيل، فيسأل، ويحاول التقدير، وينتظر إمكانية الوصول وسط ظروف معقدة. وهكذا يربطها صوتها بأشخاص يحاولون المساعدة من مسافة قاسية، ويكشف حدود القدرة البشرية أمام قوة عسكرية غاشمة، وزمن يتآكل بسرعة.
في سياق هذه الشهادة الصوتية، يشير الفيلم صراحة إلى مسؤولية الجيش الإسرائيلي على المستوى القانوني والأخلاقي. لأنه عقّد محاولة إنقاذ الطفلة هند بمقتضى تعسفه القانوني الذي يحاصر الفلسطينيين ويمنع حركة طواقم الإسعاف، والأهم لأنه ارتكب جريمة قصف سيارة أهل هند، ثم قصف سيارة الإسعاف التي كانت على بُعد أمتار منها. وهذا السياق يمنح الصوت المسجّل بعدًا إضافيًا، حيث يتحول النداء إلى دليل، وتصبح المكالمة وثيقة على عنف موجّه ضد مدنيين. بمعنى أن النهاية المأساوية ترتبط بسلسلة تعقيدات وقرارات عسكرية أفضت إلى انقطاع صوتها بدل إنقاذها.

مع تقدّم التسجيلات نحو نهايتها، يتكشّف المسار المأساوي بكل ثقله، حيث يضعف الصوت تدريجيًا، وتتقطع الجمل، ويصبح الصمت أكثر حضورًا من الكلمات. كما يبقى فريق المتابعة والإسعاف معلّقًا عند خط الانتظار، يتابع الإشارة الصوتية حتى لحظاتها الأخيرة، بعد قصف سيارة الإسعاف. مدركًا أن الزمن ينفلت أسرع من أي إمكانية للوصول. إذ لا تُعلَن النهاية عبر تصريح أو صورة، وإنما عبر اختفاء الصوت ذاته، وهو اختفاء يحمل معنى الفقد الكامل والمفجع. وهنا يتحول الشريط الصوتي إلى شاهد أخير على حياة انطفأت بعيدًا عن النجدة، ويترسخ الإحساس بأن المأساة اكتملت لحظة انقطاع الاتصال، تاركة أثرًا ثقيلًا في الذاكرة الإنسانية.
اقرأ أيضا: «صوت هند رجب»… عندما نرى الصوت