فاصلة

أخبار وتقارير

شريف عرفة: السينما لغة بصرية وليست منبرًا للقضايا

Reading Time: 4 minutes

شريف عرفة، اسمٌ اقترن بصناعة السينما المصرية عبر عقود، مقدمًا بصمته الخاصة التي تتراوح بين الفانتازيا والكوميديا الاجتماعية والفيلم السياسي. في ندوة حوارية أقيمت على هامش مهرجان الجونة السينمائي في نسخته الثامنة، كشف المخرج المخضرم عن خفايا مسيرته الفنية وفلسفته الإخراجية، مقدمًا رؤية نقدية وفنية ثرية تلامس جوهر الإبداع السينمائي.

من خلال الحديث عن بداياته مع السيناريست ماهر عواد، مرورًا بتجاربه مع وحيد حامد، وصولًا إلى إجاباته عن السؤال الشائك: «لماذا نصنع فيلمًا؟»، تناول عرفة محطاتٍ هامة في مسيرته. كما تطرّق إلى إشكالية «الفيلم ذي القضية»، والفرق بين الموهوب والمقلد في العملية الإبداعية، مؤكدًا أهمية الشخصية كعنصر أساسي يتجاوز التكنيك ليلامس وجدان الجمهور. يقدم هذا اللقاء خارطة طريق لأجيال المخرجين الشباب، ويحتفي بأسماء غابت عن دائرة الضوء كالمخرج نيازي مصطفى، ليصبح حديثه وثيقة هامة لفهم عقلية واحد من أبرز صناع الأفلام في المنطقة.

شريف عرفة11

لماذا تصنع فيلمًا

تحدث المخرج شريف عرفة، خلال الندوة التي أدارها الكاتب عباس أبو الحسن، عن بداياته مع السيناريست ماهر عواد، مشيرًا إلى أنه أنجز معه ثلاثة أفلام، وهي: «الأقزام قادمون»، و«الدرجة الثالثة»، و«سمع هس»، ثم قدّم «اللعب مع الكبار» مع السيناريست وحيد حامد، قبل أن يعود مع عواد مجددًا في فيلم «يا مهلبية يا»، على عكس ما يُشاع أن مرحلة عمله مع حامد أتت عقب مرحلة الفانتازيا الأولى.

«لم أخطط لشيء»، هكذا ذكر عرفة أنه كفنان لم يخطط لمسيرته أن تسير بمراحل معينة، موضحًا أن هناك رابطًا بين أفلامه التي تنتمي لمراحل متعددة، مثل: «اللعب مع الكبار»، و«سمع هس»، وحتى «إكس لارج»، مشيرًا إلى أن هذا الربط في الأساس نابع من شخصية المبدع.

وفيما يتعلق بإشكالية أفلام ذات قضية، أشار عرفة إلى أن هذه الكلمة تجعلنا نتساءل عن معنى السينما أو لماذا نصنع فيلمًا من الأساس. واستهل حديثه بالإشارة إلى مرحلة البدايات والرغبة التي دفعته لصنع الأفلام والتي كانت نابعة أساسًا من رؤيته لشكل سينمائي معين أراد تحقيقه، وهذا ما وجده مع ماهر عواد خلال مرحلة الفانتازيا: «مش عايز أبقى شبه حد، عايز أعمل حاجة مختلفة». أما مسألة القضية فهذه أكثر وسيلة يمكن أن تصل للجمهور من خلال الكتابة، حيث يرى أنه لا يفكر أولًا في القضية، ولكن في تحويل النص إلى شكل سينمائي يناسب الشاشة الكبيرة، وهذا الشكل البصري هو ما يحرك المشاعر الإنسانية.

شريف عرفة11

الموهبة والتقليد

يجادل شريف عرفة بأن المخرج نيازي مصطفى يُعتبر واحدًا من الأسماء التي لم تنل نصيبها في تاريخ السينما المصرية، فهذا المخرج «الأعجوبة» ساهم في صناعة سينما حقيقية. كما تطرّق خلال الحوار إلى عدد من الأسماء التي أنارت طريقه كصناع أفلام، مثل: حسن الإمام، عاطف سالم، سعد عرفة؛ مشيرًا إلى أن كل تجربة تركت بصمتها عليه، وأنه تأثر بروحهم أكثر من أسلوبهم.

هذه التجربة الثرية كمساعد مخرج مع هذه الأسماء اللامعة جعلته يتساءل عمّا يفعله المخرج للممثل والفيلم باستثناء التكنيك. وضرب عرفة مثالًا بالمخرج عاطف سالم، الذي كان متفرّدًا في الحفاظ على روح البيت المصري في أفلام مثل «أم العروسة» و«الحفيد». وكذلك حسن الإمام، الذي هوجم بحجة أنه ينجز أفلام «راقصات»، ولكن في حقيقة الأمر أن كل ما نراه على شاشة التلفزيون يخص ثورة 1919 هو من إنجاز هذا المخرج.

هنا، اقتبس عرفة مقولة بيكاسو حول الموهبة والتقليد، موجهًا نصيحة لجيل المخرجين الشباب قائلًا: «الموهبة شيء أساسي، لكن لازم تعرف إنت مين… هل أنت مبدع أم مقلد؟ لأن السينما محتاجة الاثنين، بس الموهوب هو اللي بيخلق حاجة عمرنا ما شفناها قبل كده».

وأكمل عرفة أن الفرق واضح ما بين الاثنين، ولكن هذا ليس معناه أن المقلد ليس مهمًا، فالصناعة تحتاج إلى الموهوبين وأكثر منهم مقلدين. وأشار إلى أن هناك مشهدًا وحيدًا قام بسرقته طوال مسيرته السينمائية من أحد الأفلام الأجنبية حول شخص أراد ممارسة علاقة مع امرأة، وكلما قام بنزع ملابسها وجد أخرى أسفلها، وهو ما عالجه لاحقًا في المشهد الشهير لماجدة زكي في فيلم «الإرهاب والكباب»، حيث يقوم عادل إمام بنزع أغطية السرير واحدًا تلو الآخر؛ حينها «أصبح المشهد ملكي» على حد وصفه. وهذا –من وجهة نظره– ما يفرق الموهوب عن المقلد، والمقلد السيئ.

شريف عرفة

الشخصية

شدّد عرفة خلال الحوار على ضرورة اهتمام المخرج بشخصياته لأن لا أحد يهتم بالتكنيك أو زوايا الكاميرا: «من منا يتذكر كادرات فيلم “الناظر” على سبيل المثال، لكننا نتذكر جواهر وعاشور». وأشار إلى أنه يعشق المشاهد البسيطة ذات التأثير العميق، وأشاد بالمشهد الذي جمع الفنانة سناء جميل بالكاميرا في لقطة ركّزت على دمعة انهمرت من عينيها في فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة»، والذي أُعيد تصويره 13 مرة للوصول إلى اللقطة المثالية.

وتطرّق الحوار أيضًا إلى تعاونه مع النجوم، مؤكدًا أن عادل إمام كان دائمًا شريكًا في الإبداع، وأن الموهبة الاستثنائية للراحل أحمد زكي لا تُنسى، واصفًا إياه بأنه «ممثل بلا تقنية، يعتمد على إحساسه الخام، وهذا سر عبقريته».

وفي النهاية، وجّه نصيحة لصناع الأفلام بضرورة الاهتمام بالشخصيات وكيفية تحويلها من حبر على ورق إلى شخصية من لحم ودم تثير تفاعل الجمهور. كما شدّد على أهمية تمسك المخرج بأصوله وخلفيته التي أتى منها، لأنها ما تشكّله وتعكس إبداعه.

شارك هذا المنشور