قبل ربع قرن، ومع تبديل سوار معلومات المواليد بين طفلين (سعوديّ وتركيّ) في أحد مستشفيات نجران، تبدلت هُويات كاملة، وحين اكتُشفت الحادثة ضجّ المجتمع السعودي بأسره، فهو حدث يتداخل فيه الاجتماعي والإنساني والوطني والثقافي؛ إنها قضية هُوياتية متكاملة. لا باعتبار الهوية بنية ثابتة مغلقة على ذاتها، بل بوصفها صيرورة تفاعلية دينامية قابلة للتحول والتغيير.
يُحسب لفيلم «سوار» رجوعه إلى قصة حقيقية من قصص المجتمع المحلي، وسعيه إلى مقاربتها سينمائيًا، وهو اتجاه لم تعطه السينما السعودية حقه حتى الآن. ولأن الأمر يتطلب جرأة وينطوي على مغامرة، فإننا لم نجد – حتى الآن – إقبالا ملحوظا من الأفلام السعودية وصنّاعها باتجاهه.
في بناء فصليّ مبرر ومقبول؛ أهمل الفيلم –بذكاء فنيّ- الخطية الزمنية والسرد التتبعي المتسلسل والبدايات التاريخية للحدث حين الولادة، واتجه مباشرة إلى موضَعة الزمان والمكان والقضية، عبر عرض جوانب من حياة الطفل السعودي الأصل مع عائلته التركية في أنطاكية، حيث بدأ الفيلم قويًا في الفصل الأول (الشك) حين وضعَنا منذ المشاهد الأولى في حالة احتشاد داخل حياة الأسرة التركية، والتوتر الكبير بين الزوجين حول مسألة الفحص وتداعياته النفسية اليومية، والمعاناة الصامتة للطفل يعقوب من تنمر زملائه في المدرسة، وتخلي ابن عمته التركي عنه في المدرسة والحيّ أيضًا، انعكست تلك المعاناة في شكل صمت وسلوك انفعالي من يعقوب، ومحاولة الانغماس في اللعب بالأجهزة والهواتف.

شيئًا فشيئًا، أخذ الفيلم يفقد السيطرة على قضيته المحورية، أثناء الانتقال إلى تقديم حياة (علي) الطفل التركي الأصل مع عائلته السعودية في نجران، حين مال إلى تقديم ملامح من المجتمع النجراني وعاداته وبيئته، عبر اختلاق مناسبة الزواج التي تبدو ذريعة مواتية يمكن من خلالها تمرير حزمة اجتماعية وثقافية من التقاليد والطقوس لتلك البيئة. وتضاءل صوت الأزمة التي يعانيها الطفل وعائلته إلى مستوى أقل مما رأيناه في الفصل الأول لدى العائلة التركية، مما أبطأ من إيقاع الفيلم كثيرا، بانصرافه إلى تقديم البيئة والإبل والصلاة والعرس وحوارات بين والد علي ووالدته وأقاربه، كل تلك المشاهد لم تضف الكثير إلى الأزمة التي بدأ بها الفيلم، ولم تشكل فواعل سردية أساسية تسهِم في دفع الأحداث أو تعميق الصراع الداخلي للطفل وأسرته.

مع ذلك ظل الفيلم محافظًا –إلى حد ما- على حشد الترقّب لدى المُشاهد، وتسريد التبايُنات بين هُويتي الطفلين المستقرة/المؤقتة بفعل التنشئة والبيئة لا بفعل الدم والجينات، مع أداءات مميزة للأطفال وبخاصة شخصية الطفل (علي)، إلى أن وصلنا إلى الفصل الثالث (القضية) هذا الفصل الذي انتظرنا منه أن يتوّج فيه الفيلم نجاحه لكنه – بكل أسف- جاء محبِطًا؛ حيث تفوقت القصة الحقيقة على السرد السينمائي، وسقط الفيلم في مسار التوثيق حين لجأ إلى محاكاة الندوة التلفزيونية التي أذيعت بالفعل ذات يوم، واستضافة والدَي الطفلين، ومحاورتهما وإلقاء التّهم باتجاه المسؤولين عن الصحة وما إلى ذلك، وكأنه يعيد سرد القصة المرجعية والموجة الإعلامية التي رافقَت الحدث حينها.
بحركة مفاجئة نجد ينار (والد الطفل التركي) يعمل في محطة وقود، ويعبّئ سيارة والد علي! وبحركة مفاجئة أخرى نجد ينار يجلس إلى الصحافي ويسرد له القصة، وبحركة شاطحة أقرب إلى التهريج المقصود، نجده يحكي للصحافي أنهم في مدرسة يعقوب في تركيا كشفوا عن الأعضاء الذكرية للطفل ووجدوها مختلفة عن شكل الأعضاء التركية، مما جعل الصحافي يلقي بتلك الجملة العبقرية السخيفة الخالية من أي غاية سردية: «هل تختلف خصوة التركي عن خصوة العربي؟!!!». ولا تعليق!

ينتمي فيلم «سوار» إلى سينما الهُويّة، فهو فيلم هُويّاتي خالص، ويمكنني القول إن الفيلم نجح في مقاربة أزمة الشك والتبادل بين الطفلين، وعرض تمثيلات الاختلاف بين ذوات الأطفال وآخَريّة البيئة والثقافة؛ حين عاش كل طفل – خالي الذهن- في بيئة الآخر، لكنه أخفق في عرض أزمة الاندماج والتعايش وتعميقها؛ إذ إنني بعد أن ظهرت الحقائق، والتقت الأسرتان، توقعتُ أن أرى فعل مقاومة من الأسرة التركية أو السعودية في التخلي عن الطفل الذي عاش معها ثمان سنوات، توقعت أن ألمس تمثيلات للصدمة لدى الطفلين، لكن يعقوب لم يبدِ أي سلوك، بعكس علي الذي أظهر بعض المقاومة الجسدية، لكنه –مع ذلك- لم يلبث أن اندمج بصورة غير منطقية وغير مبررة مع الأسرة التركية، علي الطفل الذي يتصرف كالرجال الأشداء، يلبس الجنبية ويعارك الأطفال ولا يسلّم على «النسوان» من قرابته وعائلته، كيف يمكن له أن يتقبل أمًّا غير محجبة، كيف يأكل على طاولة طعام، ويتحدث بالتركية؟ هكذا دون أن نلمس أثرًا للصدمة الثقافية والصراع الهوياتي أو التقبّل النفسي والتفاعل الاجتماعي! وينسحب الأمر على الطفل يعقوب أيضًا، في تحديات التحولات الداخلية والخارجية الناتجة عن محاولة الاندماج في بيئة وثقافة ولغة جديدة.

في السينما، يحدث أن يتصدى الفيلم لقصة حقيقية قوية، ولكنه ينصرف عن جوهر الحكاية، والكشف عن تداعياتها الأكثر مساسًا بالذات والمجتمع، مكتفيًا بالتعاطي التسجيلي أو المختزل لجانب من جوانبها أو الانجراف إلى هوامشها دون متونها. هنا لدينا قصة حقيقية مؤثرة ووجبة درامية سائغة، كان يمكن للفيلم أن ينتهزها ويوظفها بمزيد من السرد السينمائي الذي يرصد التحولات الكبرى وما تخلقه من حوارية حضارية حال الاندماج والتعايش والتقبّل بين هويتين وذاتين وثقافتين، ليأخذ موقعه بين الأفلام القوية في السينما العربية، لكنّ «سوار» برغم جودته لم يفعل، فكان كمن أضاع ركلة الجزاء الأخيرة في مباراة التتويج بالبطولة!