منذ انطلاقة مسيرتها السينمائية، الحافلة على قصرها بالنجاحات، تنتهج المخرجة التونسية أريج السحيري مسارًا يمكن إلحاقه بما كان يُعرف بـ«السينما الملتزمة»، وهو مصطلح قديم لم يعد بعض صناع الأفلام يحبون استخدامه، باعتباره يحصر دور السينما في الالتزام بالقضايا المهمة، ويهمش الإنجاز الجمالي والتقني في الفيلم لحساب أهمية الموضوع المطروح.
السحيري تابعت في فيلمها الوثائقي الطويل الأول «عالسكة» (2018) حياة عمال ومستخدمي السكك الحديدية التونسية، لتعكس صورة معاصرة للواقع التونسي من خلال شبكة المواصلات المتهالكة التي صُنعت وفق المعايير العالمية، ثُم تُرِكت لتُدار وتتداعى وفق المعايير العربية، في إحالة واضحة لما هو أكبر من القطارات، للحياة في الأوطان بشكلٍ عام.
ثم عادت المخرجة لتستلهم فيلمها الروائي الأول «تحت الشجرة» (2022) من حادث مؤلم تكرر أكثر من مرة في تونس، وهو وفاة عدد من الشابات العاملات في الحقول خلال نقلهم من وإلى مواقع عملهم في شاحنات مزدحمة تفتقر لأدنى قواعد السلامة. اختارت السحيري أن تعرض اليوم الأخير في حياة بطلاتها، المليء بأحلام ومشاعر وخلافات صغيرة لن يكون لأي منها معنى لو علم صاحبه إنه يعيش الساعات الأخيرة في حياته. المخرجة قررت في النهاية حذف مشهد الحادث وترك النهاية مفتوحة، لكن المفارقة الكامنة بين ممارسات الشخصيات ورحيلهم المحتوم بقت أقوى عناصر الفيلم الذي قاد صاحبته إلى مهرجان كان للمرة الأولى.
خلال الفيلمين قدمت أريج السحيري صورة جديدة من السينما الملتزمة، يُمثل فيها الموضوع حضورًا مركزيًا لا فكاك منه، لكن هذا المركز يُحاط باشتغال فني وإنساني على الشخصيات، بما يجعله فيلمًا ملتزمًا وإنسانيًا معًا. أمر أنجزته المخرجة في «تحت الشجرة»، ثم عادت لتحققه بقدر أكبر من النجاح في فيلمها الجديد «سماء بلا أرض»، الذي اختاره مهرجان كان ليكون فيلم افتتاح مسابقة «نظرة ما»، ثاني مسابقات كان أهمية، خلال الدورة الثامنة والسبعين من المهرجان.

قضية الساعة
«سماء بلا أرض» ينطلق من مشكلة اجتماعية ذات طبيعة سياسية شغلت الرأي العام التونسي على مدار الأعوام الأخيرة، واشتعلت في صورة ممارسات عنيفة في بعض الأحيان. فقد استقبلت الدولة ذات المساحة الجغرافية والموارد المحدودة أعدادًا ضخمة من المهاجرين غير الموثقين من أفريقيا جنوب الصحراء، بعض يصل إلى تونس كمرحلة وسيطة قبل أن يواصل رحلة الهروب سعيًا لبلوغ القارة الأوروبية، وبعضهم يستقر في تونس، إما للتشديد على الحدود البحرية، أو لعدم امتلاكه المال الكافي لخوض الرحلة، أو ببساطة لأنه يجد في تونس بلدًا أجمل واصلح للعيش من موطنه الأصلي.
وإذا كانت دول العالم الكبرى تتعامل مع توافد الهجرات غير المنظمة باعتبارها قضية تستحق التدخل، تضيف أعباءً على اقتصادات الدول سواء قبلت المهاجرين أو رفضتهم، فإن الأثر يزيد بطبيعة الحال في دولة مثل تونس، تعيش أزماتها الخاصة التي تضغط على أهلها وتجعلهم حساسين لأي أعباء إضافية، وهي الأجواء المثالية التي تزدهر فيها الآراء المتطرفة والعنصرية التي تقتات على إلقاء سبب كل الأزمات على كواهل المهاجرين المساكين.

تصميم مُحكم بإفراط
تختار المخرجة أربعة شخصيات تم رسمهن بعناية لتغطي كلًا منهن نموذجًا للمهاجرين: ماري، الراهبة المتدينة التي تلتزم بالقانون وتحاول إنشاء مجتمع محلي منضبط يمكن أن يكون مثالًا لمن يريد الدفاع عن المهاجرين، جولي، التي تعيش في تونس بشكل رسمي وتدرس في الجامعة بما يجعلها تشعر بقدر كبير من الأمان مقارنة بزميلاتها، وناني، المندفعة في الحب والعمل والحياة والتي لا تملك خطة واضحة للمستقبل، والتي تبدو أقرب شخصية للصورة النمطية عن مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء، وبين السيدات الثلاث تعيش كنزه، الطفلة غير معلومة الجذور التي منحوها اسمًا تونسيًا في محاولة لجعل مستقبلها على تلك الأرض أهون مما عاشه أسلافها.
على مستوى التصميم يبدو الأمر مدرسيًا بعض الشيء. الشخصيات متباينة بالفعل، لكنه تباين مصنوع بوعي مسبق، وبرغبة في التعبير عن الأوجه المختلفة للأزمة. الأمر الذي يتضح أكثر بالنظر إلى شخصيات الرجال المحيطة بالبطلات: فؤاد، حبيب ناني الطفيلي الذي يرغب في الاستمتاع بعلاقة مجانية مع امرأة تُدمن المنح بلا حساب دون أن يبذل أي جهد حقيقي ليساعدها حتى في أحلك الأزمات، وصاحب المنزل طيب القلب الذي يتعاطف مع السيدات على طريقته، لكنه لا يرغب في التورط بسببهن في أي مشكلة قانونية، والحقوقي الأفريقي الذي يدافع نظريًا عن القضية، دون إدراك أن قدرًا من احتضانه ومنحه منصة ينبع من كونه ضعيفًا بلا أنياب يحتاج من يقوده إلى المنصة ليتحدث عن أهوال لا يمكنه فعل أي شيء لإيقافها.
إذا نظرنا إلى «سماء بلا أرض» من هذه الزاوية قد نجد بعض الإزعاج في هذا القدر الواضح من التصميم الواعي، فالشخصيات مصممة بدقة هندسية لتلعب كلٌ منها دورًا واضحًا في سياق عرض القضية. لكن ما ينقذ الفيلم من الحس المدرسي هو ما أثبتته مخرجته في أعمالها السابقة: قدرتها على شحن الشخصيات بالإنسانية.

عملة المشاعر وقيمتها
إذا كان لدى أريج السحيري موهبة واحدة يجب أن تؤكد عليها، ستكون قدرتها على الخروج من مواقف اعتيادية بشحنات عاطفية ضخمة، وعلى الوصول بالممثلين لدرجة من الصدق والتماهي مع الشخصيات تجعلنا نتناسى أحيانًا أن هذا النقاش يدور بين أنموذجين، فحتى لو كانت ماري رمزًا للانضباط، وناني تعبيرًا عن الاندفاع، وجولي تجسيدًا لوهم توقف العنصرية عند حد أوراق الثبوتية، فإننا نتناسى ذلك التقسيم عندما نشاهد تفاعل البطلات مع بعضهن البعض، مع العالم من حولهن، ومع أنفسهن بالأساس.
فالهجرة إن نحيّنا كل العناصر الخارجية جانبًا، ما هي إلا محاولة من الفرد أن يعيد اكتشاف نفسه في بيئة مغايرة، ولا عجب أننا نسمع مئات الحكايات عمّن كان فاشلًا في وطنه ثم صار من كبار الناجحين في المهجر، أو العكس حول من كان واعدًا بالعبقرية ثم صار بلا مأوى عندما رحل لبلد آخر. هذه الحساسية في التعبير عن هواجس النفس البشرية، عن خوف الإنسان عما يخبئه له العالم وتخفيه عنه نفسه في المكان الجديد، هي أداة أريج السحيري في أفلامها عمومًا، وفي «سماء بلا أرض» بشكلٍ خاص.
من المتوقع أن يثير الفيلم بعض اللغط عند عرضه في تونس، خاصة لدى مَن يتحسسون مِن النقد الذاتي، ناهيك عن المتعصبين الذين يجدون غضاضة في وجود المهاجرين في بلدهم من الأساس، تمامًا كما نتوقع لغطًا مناظرًا في مصر لفيلم آخر في نفس المسابقة يتناول موضوعًا مقاربًا هو «عائشة لا تستطيع الطيران» لمراد مصطفى. لكن إذا كنا نعيش عصر من المتغيرات صار فيه من الممكن لدول مُثقلة بهمومها الخاصة كتونس ومصر أن تنخرط في تساؤلات قيمية كانت حتى وقت قريب حكرًا على الدول الثرية، فإن «سماء بلا أرض» يأتي في الوقت المناسب، كتعبير فني عن سينما ملتزمة معاصرة، توازن بين قيمة الطرح وفنيته، تحرك مشاعرنا وتجعلنا نتعاطف، لكن دون أن نتوقف عن التفكير.
اقرأ أيضا: كل ما تريد معرفته عن أفلام مسابقة كان 78