أطلقت «نتفليكس»، بالتعاون مع الصندوق العربي للثقافة والفنون («آفاق»)، برنامجًا تدريبيًا موجّهًا لصانعات الأفلام الصاعدات في عدد من الدول العربية. برنامج يجمع بين التدريب العملي والتوجيه المهني، ويهدف إلى فتح مساحة للتعرّف إلى المسار الإبداعي خلف الكاميرا، وإلى التحدّيات والفرص التي تواجه النساء في هذا المجال.
في هذا الحوار، تتحدَّث المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق»، ريما مسمار، إلى «فاصلة» عن برنامج دعم المُخرجات العربيات الذي أطلقته المؤسّسة بالشراكة مع «نتفليكس»، موضحةً خلفياته وآليات اختياره ورهانه على التدريب طويل المدى. كما تتطرّق إلى إشكاليات التمثيل النسوي، والفروق بين الدعم والتكليف، وعلاقة «آفاق» بالمهرجانات والمنصات، وتقدّم قراءتها لتحولات السينما العربية في المرحلة الراهنة، وصولًا إلى رؤيتها لمستقبل السينما السعودية ودورها الثقافي.

بدايةً، حدّثينا عن هذا البرنامج. ما الذي دفعكم إلى اختيار هذا الشكل؟ وعلى أي أساس اختيرت المُخرجات المُشاركات؟
انطلق البرنامج من قناعة راسخة لدينا في مؤسّسة «آفاق» بألا يقتصر دورنا على تقديم المنح والدعم المالي فقط، بل أن يمتدّ إلى بناء القدرات وتقديم برامج تدريبية في السياقات التي نلمس فيها حاجة فعلية. فالدعم المادي على أهميته، لا يكون كافيًا دائمًا لتطوير قطاع سينمائي متكامل.
نلمس هذه الحاجة بوضوح من خلال برامجنا السينمائية القائمة، ومن خلال طلبات التقديم التي تصلنا، والتي تكشف عن فجوات على مستوى المهارات والخبرة. من هنا جاء التقاطع مع «نتفليكس»، التي أبدت اهتمامًا واضحًا بالبرامج التدريبية، وهو ما ينسجم مع رؤيتنا.
أما التركيز على النساء الصاعدات، فجاء من رغبة صريحة في معالجة مسألة غياب الإنصاف وعدم المساواة. فالسينما في العالم العربي لا تزال، إلى حد كبير، مجالًا يهيمن عليه الرجال، وتبقى الفرص المتاحة للنساء أقل.
صحيح أنّ مرحلة ما بعد الثورات العربية شهدت بروز أسماء نسائية أكثر، لا سيما في السينما الوثائقية، لكن السينما الروائية لا تزال محكومة بأُسس تقليدية تجعل الوصول إلى الفرص، وكذلك الإطار الأخلاقي للإنتاج، أقل ترحيبًا بالنساء.
كيف أُديرَ البرنامج عمليًا؟ وهل اختيرت المُشاركات عبر الترشيح أم التقديم المفتوح؟
اعتمدنا آلية قريبة من طريقة عمل «آفاق» المعتادة. صمَّمنا البرنامج وحدّدنا الحاجات التي يسعى إلى تلبيتها، ووضعنا هيكله التدريبي والمدرّبين، ثم أطلقنا دعوة مفتوحة للتقديم.
تقدَّمت المشاركات عبر طلبات بسيطة نسبيًا. حدّدنا فئة عمرية تقريبية (بين 18 و25 أو 27 عامًا)، واشترطنا ألّا تكون لدى المتقدّمات تجارب كبيرة. قد يكون لديهن فيلم قصير، أو مشروع تخرّج، أو حتى أن يكنّ طالبات لم يتخرّجن بعد، أو شابات لم يدرسن السينما أكاديميًا لكن خضعن لتدريب سابق.
بعد ذلك، تولَّت لجنة تحكيم اختيار المشاركات بناءً على خطابات الاهتمام: لماذا ترغب المتقدّمة في هذه الفرصة؟ وما الذي تتوقَّع اكتسابه منها؟ وبما أننا لا نقيّمهن على أساس تجربة سابقة واسعة، كان التركيز على مدى استفادتهن الفعلية من البرنامج.
تتحدّثين عن غياب الصوت النسائي، لكن في السينما السعودية تحديدًا هناك حضور نسائي لافت ودعم متنوّع. أليست هناك مناطق عربية أخرى أولى بالدعم؟
المُخرجات السعوديات موجودات بالفعل، لكن البرنامج ليس مُخصصًا للسعودية فقط. شملنا السعودية والكويت والإمارات ومصر والأردن، وهو ما يرتبط أيضًا بالدول التي تعمل فيها «نتفليكس».
الأهم أننا لا نركّز على الجنسيات بقدر تركيزنا على السياقات. فالمخرجة التي دُعم مشروعها في الإمارات مثلًا هي سودانية، وهناك مُشاركات فلسطينيات تقدَّمن من الكويت. البلد الأم ليس معيارًا حاسمًا لدينا.
ثم إن هذا الحضور النسائي في السعودية لم يأتِ بسهولة. أسماء مثل هيفاء المنصور وعهد كامل بذلت جهودًا كبيرة في ظروف لم يكن فيها هذا النوع من الدعم متاحًا. وحتى اليوم، ورغم الإمكانات الكبيرة، لا تزال برامج التدريب قصيرة المدى وغير مُعمّقة أو مستمرة.
ما يميّز هذا البرنامج أنه يبدأ من الصفر، من دون وعد مسبق بإنتاج أفلام. أردنا للمُشارِكات أن ينخرطن بدافع تطوير المهارات، لا بهدف الوصول مباشرة إلى فيلم. وفي مرحلة لاحقة، فُتح باب تقديم المشاريع، تلاه برنامج مرافقة وتوجيه.
ما الذي يُميّز هذا النوع من التدريب مقارنة بالمبادرات المحلّية؟
يتميَّز بوضع المُشاركات في إطار تفاعلي مع نظيراتهن من بلدان عربية أخرى. هذا التبادل أساسي، لأنّ التقاطعات والاختلافات بين تجارب الجيل نفسه في سياقات مختلفة تفتح آفاقًا جديدة، وتُشعر المُشاركات بأنهنّ جزء من صناعة سينما عربية أوسع، لا محلّية فقط.

ما الذي جذب «نتفليكس» للتعاون مع «آفاق»؟
سبق أن خضنا تجربتين مع «نتفليكس». الأولى خلال جائحة كورونا، عبر مبادرة لدعم العاملين التقنيين والفنيين «Below the Line»، إذ كانت المنصّة تبحث عن مؤسّسة قادرة على التنفيذ إقليميًا، فوجدت في «آفاق» الشريك المناسب.
التجربة الثانية كانت عبر مبادرة «Because She Created» لدعم أفلام من إخراج نساء، إذ تولّت لجنة «آفاق» عملية الاختيار، بينما طابقت «نتفليكس» المنح.
ما جذب المنصّة هو قدرتنا على إيصال الدعم إلى أماكن لا يمكنها الوصول إليها بمفردها، إضافة إلى امتلاكنا شبكة واسعة وآليات عمل شفافة ومهنية.
كيف ترين علاقة «آفاق» بالمهرجانات السينمائية؟
نحن جزء من منظومة السينما العربية، ولسنا منصّة عرض ولا شركة إنتاج. المهرجانات تُكمل عملنا عبر عرض الأفلام التي نُسهم في دعمها، لكننا لا نسوّق للأفلام ولا نملك حقوقها.
أنا ضدّ تداخُل الأدوار. لا أريد فرض مسار عرض معيّن على فيلم مدعوم، أو لعب دور الوسيط، لأنّ ذلك يخلق تضارب مصالح وقد يضرّ بحرّية التعبير.
من خلال دعمكم المستمر، كيف ترين تحوّلات السينما العربية اليوم؟
لا أوافق على القول إنّ الأفلام كانت تتحدّث عن الربيع العربي بقدر ما كانت تتحدّث عمّا أنتجه. الثورات شكّلت لحظة مفصلية غيَّرت الوعي وطرحت أسئلة جديدة.
اليوم، أرى أنّ غزة تُمثّل لحظة مفصلية ثانية. اللافت أنّ عدد الأفلام التي تتناولها مباشرة قليل، بسبب وعي بعدم اختزال الكارثة في توثيق سريع. ما نراه الآن مشاريع عن الفقد والغياب، لكن أيضًا عن الأمل.
أشعر أننا لم نعد نتخيّل الديستوبيا، لأننا نعيش داخلها فعلًا، وما سيُخرجنا منها هو نوع آخر من الخيال، وصيغ إنتاج تشبهنا ولا تستنسخ نماذج الآخرين.
أخيرًا، كيف تنظرين إلى السينما السعودية اليوم؟
أراها سينما إمكانات واعدة، لا يمكن اختزالها في تعريف واحد. الأهم هو العقلية، فالسينما لا تُبنى على الربح وحده. إذا أردنا بناء ثقافة سينمائية للمستقبل، علينا إتاحة مساحات للتجريب، ودعم التعبير المختلف وتعزيز التوزيع البديل ونوادي السينما والتربية السينمائية.
المشروع الوطني الحقيقي ليس فقط إنتاج الأفلام، بل إرساء ثقافة سينما مستدامة.
اقرأ أيضا: فيصل بالطيور لـ«فاصلة»: نراهن على الجمهور فهو شريكنا في تشكيل المشهد السينمائي