فاصلة

حوارات

ريتشارد بينيا: غياب المقالات النقدية الطويلة أضعف الحوار السينمائي الحديث

Reading Time: 3 minutes

قال الناقد والأكاديمي الأميركي ريتشارد بينيا، إن انعقاد النسخة الثالثة من مؤتمر النقد السينمائي الدولي في الرياض مثّل تطورًا ملحوظًا من حيث التنظيم والنضج، مشيرًا إلى أن الفارق بين الدورة الأولى والثالثة كبير على مستوى الإعداد والرؤية، إذ أصبحت الفعاليات أكثر إحكامًا وترتيبًا، ما يعكس وعيًا متزايدًا لدى القائمين على الملتقى.

وأضاف بينيا، في حوار خاص مع «فاصلة» على هامش المؤتمر، أنه لم يحضّر مداخلة مسبقة للمشاركة، بناءً على طلب المنظمين الذين أكدوا أن اللقاء سيكون مفتوحًا بطابعٍ حواري، مضيفًا أنه فضّل التفاعل المباشر مع الأفكار التي ستُطرح في الجلسات بدلًا من النصوص المعدّة مسبقًا، معتبرًا أن موضوع المؤتمر، المتعلق بعلاقة المكان بالسينما، يمثل محورًا غنيًا بالتحليل، لاسيما وأنه يتناول علاقة الإنسان ببيئته من خلال الصورة السينمائية.

وأشار إلى أنه تابع باهتمام الندوة التي تناولت الصحراء في السينما العربية، موضحًا أنه كان فضوليًا لمعرفة كيف يتعامل المخرجون العرب مع هذا الفضاء الفريد، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من العالم العربي يقع ضمن مناطق صحراوية، مشيرًا إلى إن الجلسة كانت مثيرة للاهتمام بما تضمنته من مداخلات مختلفة قدّمت زوايا متباينة ومتكاملة، من الصورة الغربية إلى التاريخ المصري مع أفلام الصحراء، وصولًا إلى التجربة السعودية الحديثة.

فيلم «آخر أيام المدينة»
فيلم «آخر أيام المدينة»

وأضاف بينيا، أنه شخصيًا يميل أكثر إلى سينما المدن، مؤكدًا أن البيئة الحضرية تثير اهتمامه الفني أكثر من الصحراء، مستشهدًا بفيلم «آخر أيام المدينة» للمخرج تامر السعيد، الذي وصفه بأنه عمل استثنائي جمع بين الحكاية الإنسانية والبعد المكاني، مقدمًا القاهرة ككائنٍ حيّ يختزن ذاكرة المكان والإنسان معًا.

وفي حديثه عن التحولات في النقد السينمائي المعاصر، رأى بينيا أن ما يفتقده المشهد النقدي اليوم هو غياب المقالات الطويلة المتعمقة التي كانت سائدة في الستينات والسبعينات، مشيرًا إلى أن النقاد الكبار مثل بولين كايل وأندرو ساريس وستنلي كوفمان أسّسوا لجيلٍ من الكتابات التي تجاوزت فكرة «الإعجاب أو الرفض» إلى الحوار مع الفيلم ومساءلته فكريًا.

وأضاف أن أغلب النقد المعاصر أصبح أقرب إلى ما يسميه «نقد المستهلك»، أي مراجعات قصيرة تحدد ما إذا كان الفيلم يستحق المشاهدة من عدمها، دون الغوص في مضمونه أو لغته الفنية، موضحًا أن تقلص المجلات السينمائية الورقية وتحوّل المشهد نحو الإنترنت أفقد الكتاب النقدي عمقه، رغم أن الفضاء الرقمي أتاح حرية أكبر وتنوعًا في الأصوات.

وأشار إلى أن هناك مئات المدونات التي تنشر يوميًا حول السينما، لكن القليل منها فقط يقدّم تحليلًا نقديًا ذا قيمة، مستشهدًا بنقاد مثل جاي هوبرمان وديف كير الذين يكتبون عبر مدوناتهم بوعيٍ وجدية.
وحول الجدل المتكرر بشأن قلة حضور الأفلام العربية في المهرجانات الكبرى، أوضح بينيا أن الأمر لا يتعلق بالتمييز أو السياسة بقدر ما يرتبط بجودة الأعمال نفسها وتوقيت ترشيحها مؤكدًا أن لجان البرمجة في المهرجانات الدولية تشاهد آلاف الأفلام سنويًا، وتتعامل بجدية مع كل إنتاج عربي يصل إليها، مضيفًا: «حين كنت في مهرجان نيويورك، كنا نعرض سنويًا أكثر من ألفي فيلم، من بينها أفلام عربية كثيرة، وكنا نشعر بالفخر حين نجد فيلمًا عربيًا متميزًا يستحق العرض أمام جمهور عالمي.»

ريتشارد بينيا
ريتشارد بينيا

وأكد أن بناء جمهورٍ واسع للسينما العربية يحتاج إلى منصات عرض متخصصة ومهرجانات محلية قوية تُسهم في خلق اعتياد لدى الجمهور والنقاد على تلقي هذه التجارب والتفاعل معها، معتبرًا أن المهرجانات الإقليمية مثل «قرطاج» و«القاهرة السينمائي الدولي» تمتلك تاريخًا مؤثرًا في هذا المجال، مشيرًا إلى مشاركته سابقًا في لجنة تحكيم القاهرة ووصف التجربة بأنها «ثرية ومليئة بالحوار الثقافي».

كما تطرق إلى تجربته في قطر، حيث شارك لسنوات في برنامج قمرة الذي يُعنى بتطوير مشاريع المخرجين الشباب، موضحًا أنه سيعود قريبًا للمشاركة في أول نسخة من مهرجان الدوحة السينمائي الدولي، متمنيًا أن يشكّل هذا الحدث دفعة جديدة لحضور السينما العربية على الخريطة العالمية.

وفي ما يتعلق بالفجوة بين المخرجين والنقاد، قال بينيا إن الخلاف بينهما أمر طبيعي، فالمخرج يرى الفيلم من داخل تجربته الذاتية، بينما الناقد يراه من الخارج، مضيفًا أن العمل الفني بمجرد خروجه إلى الجمهور يصبح ملكًا للعالم لا لصاحبه، لأن المتلقي يمتلك الحق في تفسيره وفقًا لتجربته.

وأوضح أن التاريخ مليء بأمثلة لأعمال فنية فُسّرت بطرق مغايرة تمامًا لما قصده صانعها، مؤكدًا أن هذه التعددية في التأويل هي جوهر الفن الحقيقي.

وفي ختام الحوار، وجّه بينيا نصيحة للجيل الجديد من النقاد قائلًا إن الطريق إلى الوعي النقدي يبدأ من المشاهدة المكثفة للأفلام، مشددًا على أهمية أن يرى الناقد أكبر قدر ممكن من التجارب السينمائية من مختلف أنحاء العالم.

وأضاف أن المنصات الرقمية مثل «موبي» و«كرايتيريون» أتاحت ثروة غير مسبوقة من الأفلام الكلاسيكية والمعاصرة، معتبرًا أن هذه الوفرة تمنح النقاد الشباب فرصة لبناء ذائقة واسعة ومعرفة عميقة بتاريخ السينما واتجاهاتها، وهو ما لم يكن متاحاً بسهولة في الماضي.

وختم قائلًا إن النقد السينمائي الحقيقي لا يقوم على إصدار الأحكام، بل على الفهم والمقارنة والقدرة على رؤية الفيلم ضمن سياقه الفني والإنساني، لأن السينما في جوهرها ليست مجرد صناعة، بل لغة للتعبير عن الذات والعالم.

اقرأ أيضا: ريتشارد بينيا: حين يقلّ الذهاب إلى السينما نفقد لحظة الاجتماع الإنساني حول الحكاية

شارك هذا المنشور