كيف يمكن رواية قصة تنتمي إلى أوروبا الوسطى، ومخاطبة عالمنا الراهن في الآن ذاته؟ هذا السؤال يقع في صميم الفيلم الطويل الثالث، «روز»، للمخرج النمساوي ماركوس شلينزر، الذي عُرض في اليوم الرابع من المسابقة الرسمية للدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي. وقد أسفر ذلك عن سيناريو محبوك ودال، وشكل بصري قد يبدو زاهدًا إلى حدّ ملامسة الكلبيّة في بعض الأحيان، لكنه لا يتردَّد، في أحيان أخرى، في تبني وجهة نظر بطلته، في لفتة إنسانية تكشف عن تعاطف مع شرطها.
تتمحور القصة حول جندي غامض يظهر في قرية بروتستانتية نائية في الأراضي الألمانية، عقب مشاركته في حرب الثلاثين عامًا (النصف الأول من القرن السابع عشر)، مدّعيًا أنه الوريث الشرعي لمزرعة مهجورة. ولإثبات ادّعائه، يقدّم وثيقة إلى سكان القرية المشكّكين، قبل أن ينجح في كسب ثقتهم، بل والزواج من إحدى نسائهم. وإنما القصة، المستندة إلى أحداث حقيقية، تكشف لاحقًا أنّ هذا الجندي وُلد امرأة، وعاش متنكرًا في هيئة رجل، ليخدع مجتمعًا كاملًا.
بالثقة عينها التي خاضت بها الحرب، تنكبّ روز، المتخفّية في زي رجل، على العمل باجتهاد لإصلاح المنزل وفلاحة الأرض، داخل مجتمع شديد المحافظة، ينجح المخرج في التقاط جموده عبر أسلوب مينيمالي جاف، يُذكّر بسينما النمساوي مايكل هانيكه. ويعزّز ذلك التعليق الصوتي المُصاحب، الذي يتّسم أحيانًا بانزياح ساخر عن الأحداث، على غرار التعليق الشهير في «Barry Lyndon» (بصوت ميكايل هورديرن)، وأحيانًا أخرى يتحوَّل إلى وسيلة لنقل تداعيات سيل الوعي، فيقرّبنا من أفكار روز وتساؤلاتها حول معنى الحرّية، وما الذي يجعل الفرد عضوًا صالحًا في المجتمع.

تقدّم الممثلة الألمانية ساندرا هولر أداءً يجمع بين الرهافة والانفجارية، تدعمه تعابير وجه ثريّة، رغم صعوبة تحريكه تحت مكياج يحاكي ندوب الحرب، وآثار رصاصة عبرت خدّ الجندي/ة، لتمنح ملامحها شيئًا يذكّر بوجه «الرجل الذي يضحك» لفيكتور هوغو. وإنما الابتسامة هنا أقرب إلى شرخ عبوس، يعكس عبور روز تجربة مؤلمة لا تزال آثارها حاضرة، مجسَّدة في الرصاصة التي تحملها في عنقها كقلادة، ولا تكفّ عن تحسّسها.
ومن نقاط قوة السيناريو أنه يقدّم، بشكل غير مباشر، دوافع تنكُّر روز في هيئة رجل، من خلال شرط سوزانا، الشابة التي مُنحت لها زوجة، في ظروف مهينة، إذ نُقلت على ظهر عربة كما لو كانت دابة، قبل أن تنصاع لإرادة روز. هذا الإيحاء يكشف أنّ المرأة، في ذلك العصر، لم تكن تفتقد فقط حرّية اختيار شريكها، بل كانت محرومة حتى من حقّ التصرّف بذاتها. وتعود روز لاحقًا إلى هذا المعنى، مستشرفة نقاشًا فلسفيًا يرتبط بأفكار جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، حول العلاقة بين الماهية الإنسانية والوجود، حيث لا تسبق الماهية الوجود، بل تتشكل الشخصية في خضم التجربة الحياتية. وعندما تُسأل روز عن دوافعها، تجيب بأنها فعلت ذلك لأنه «ممكن»، في تذكير بعبثية شخصية مورسو في «الغريب» لألبير كامو، قبل أن تضيف أنها «ارتدت سروالًا لأنه يمنح امتيازات كثيرة». نحن إذًا أمام شخصية تذكّر بكالاميتي جاين، التي سبق أن جسَّدها المخرج الفرنسي ريمي شاييه في فيلم تحريك، امرأة سبقت عصرها، لم تنطلق من موقف أيديولوجي صريح، بل من إحساس أولي بانعدام العدالة.

وكما تقول القاعدة، لا يمكن خداع الجميع طوال الوقت. إذ يؤدّي تعرُّض روز للسعات نحل إلى انكشاف سرّها أمام زوجتها إليزابيت، في البداية، ممّا يقود إلى تحوّل هذه الأخيرة، واستيلائها تدريجيًا على الأمور داخل المنزل والمزرعة. وهو تحوّل يحمل دلالة قوية حول رهانات السلطة الكامنة في العلاقة الزوجية، وكيف ينقلب ميزان المكانة الاجتماعية رأسًا على عقب بمجرد انكشاف الاختلاف البيولوجي، بغضّ النظر عن إخلاص الفرد أو تفانيه في خدمة مجتمعه. ويتجلّى ذلك في مشهد محوري تُواجه فيه روز سكان القرية الذين يطالبون بالكشف عن جنسها، فتخاطبهم في مونولوغ قوي، تتساءل فيه عن الفرق الذي يصنعه جنسها، مقابل ما قدّمته لهم من خدمات، وهل سألت الرصاصة عن جنسها قبل أن تخترق وجهها.
تكمن راهنية الفيلم تحديدًا في تموضعه عند هذا المفصل الدقيق، بين طرح نسوي لا ينطلق من أيديولوجيا جاهزة، بل من تجربة وجودية، وبين مساءلة عميقة للعلاقة بين السلطة والجسد. ويجسّد السيناريو ذلك بذكاء، خصوصًا في اللحظة التي تدرك فيها روز وإليزابيت، بعد انكشاف الحقيقة، أنّ مصلحتهما المشتركة تكمن في التعاون، وتقاسم السلطة، للبقاء في مواجهة مجتمع لا يرحم.
في فصله الأخير، يستعير «روز» أجواء تُذكّر بتراجيديا جان دارك، وبأدبيات محاكم التفتيش، في خاتمة عمل قد يبدو أحيانًا مفرط الارتباط بحبكته، حيث كان يمكن لبعض مَشاهده أن تتحرّر أكثر، لتمنح مساحة أوسع لاستكشاف الحياة الريفية، أو تعقيدات الشخصيات الثانوية. غير أن إنسانية طرحه، وتقاطعاته العميقة مع قضايا معاصرة، تُعزز من أهمية الفيلم، وتمنحه راهنية تتجاوز زمن حكايته.
اقرأ أيضا: «بيّت الحسّ» لليلى بوزيد… فيلمان في واحد