شهد مسرح «Sala Giardino» على جزيرة الليدو أول أمس الخميس، العرض العالمي الأول للفيلم السعودي «هجرة» للمخرجة شهد أمين، ضمن عروض قسمVenice Spotlight في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.
«أمين» التي شاركت في فينيسيا قبل 6 سنوات بفيلم «سيدة البحر»، تعود بحكاية آسرة عن جدة تسافر مع حفيدتيها عام 2001 من الجنوب إلى مكة، لكن حين تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تنطلق الجدة برفقة الحفيدة الصغرى في رحلة شمالية للبحث عنها، رحلة تمزج بين الألم والأمل، وتكشف في مسارها أسرارًا عائلية دفينة وحكايات منسية. عبر هذا السفر، تنكشف أوجه مجهولة من التاريخ وتبرز الطبقات الثقافية الغنية في المملكة العربية السعودية وعمقها الإنساني.

وعقب العرض الأول الذي شهد حضور المخرجة شهد أمين وعدد من أبطاله: لامار فدان، خيرية نظمي، نواف الظفيري، تلقى الفيلم إشادات نقدية واسعة بعدد من المواقع المختلفة.
ففي مراجعتها بموقع «International Cinephile Society»، ذكرت الناقدة «آبي لينغ» أنه على الرغم من أن «هجرة» يغازل أحيانًا في نوعه أفلام الإثارة والتشويق، إلا أنه قبل كل شيء قصة تأملية عن جدة وحفيدة تلتقيان وتكتسبان فهمًا أعمق لبعضهما البعض ولتاريخ عائلتهما.
وعن التنوع الثقافي الذي سلطت «أمين» الضوء عليه في شريطها الجديد، قالت «لينغ» إن الفيلم يجوب المملكة العربية السعودية من جنوبها إلى شمالها، مُسلّطًا الضوء ببراعة على مواقع متنوعة، مثل مراكز المدن الصاخبة، والصحاري الخلابة رغم قحطها، والطرق التاريخية المؤدية إلى مكة المكرمة، وجبال تبوك المكللة بالثلوج.
مضيفة أنه في وقتٍ تُشوّه فيه صورة الإسلام ودول الشرق الأوسط في وسائل الإعلام الغربية، يُقدّم الفيلم توازنًا ضروريًا لتلك الرواية، مُبرزًا قوةَ الإسلام وصلتَه بالعائلة والثقافة، مع عدم إغفال الجوانب السلبية للثقافات الأكثر تشددًا، وكيف تُشكّل بيئةً مُقيّدةً للغاية للنساء تحديدًا.

وأشادت «لينغ» بالأداء التمثيلي للممثلة لامار فدان «جنى» التي جسدت ببراعة حرج وفضول فتاة مراهقة تُدفع إلى موقف لا تفهمه تمامًا وتُجبر على النمو بحكمة تتجاوز سنها. وأضافت: «يجب على جنى مواجهة تاريخ عائلتها ومخاوفها الكبيرة والصغيرة – من الجمال، ومن فقدان أختها إلى الأبد – وبحلول نهاية الفيلم، هناك شعور بأنها قد كبرت حقًا من هذه التجارب ولديها تقدير أكبر بكثير لجدتها وثقافتها، حتى مع رفض الفيلم ربط كل خيط بنهاية سعيدة».

أما الممثلة القديرة خيرية نظمي، فتجسد حضورًا آسرًا في شخصية الجدة العنيدة والعازمة وهي تشرع بهدوء ولكن بثبات في رحلة البحث عن سارة. توضح «لينغ» أنه في المشاهد الافتتاحية، تبدو جدة متدينة صارمة نموذجية، ورغم أن طبيعتها الشائكة لا تتلاشى تمامًا، إلا أن «نظمي»، مع تقدم أحداث الفيلم، يُحسّن أداءها ببراعة ليُظهر كيف تحمي عائلتها بشراسة وتستمد قوتها من دينها وثقافتها.
وبينما لا يغفل الفيلم أبدًا عن سبب سفر الجدة والحفيدة عبر المملكة، إلا أن هناك متعة حقيقية في مشاهدتهما يقضيان وقتًا معًا وينخرطان في نقل غير متوقع بين الأجيال، حيث تُعلّم الجدة حفيدتها عن عجائب العالم الطبيعي وتكشف أسرارًا عائلية احتفظت بها عن كثب منذ الطفولة.

كما أشادت بأداء نواف الظفيري، الذي وصفته بساحرٌ ماكرٌ يخطف الأضواء بدور «أحمد»، الذي يرتبط تدريجيًا بأطفاله المترددين. تُضفي مشاهد ترابطه مع «جنى» على الفيلم بعض الدفء الذي تشتد الحاجة إليه، مما يجعل النهاية غير المُرضية لقوسه أكثر إحباطًا.
واختتمت «لينغ» مراجعتها بأنه على الرغم من أن فيلم “هجرة” يتضمن خيارات سردية متعددة قد لا تُرضي جميع المشاهدين، إلا أن شهد أمين قدمت تحية نابضة بالحياة لأجيال من النساء السعوديات وثقافة قلّما تُمثل على الشاشة بمثل هذه الدقة. قد تكون «جنى» بصدد رحلة حج مختلفة عما كانت تتوقعه، لكنها تُثبت أنها رحلة تغييرية ومجزية بنفس القدر.
وفي مراجعته بموقع «Asian Movie Pulse» التي وصفت الفيلم بعملاً متقن الصنع يتميز بإخراج قوي وأداء متميز ونهج متعدد الطبقات يتشابك بين الواقعية والمعنى الرمزي، قال الناقد بانوس كوتزاثاناسيس أن «أمين» تقدم قصة تأخذ شكل فيلم طريق، لكنها تتكشف تدريجيًا عبر طبقات متعددة من المعاني. تُصبح التجارب المتوازية للجدة والحفيدة والسائق استعارة بليغة للحج نفسه، حيث تربط المخرجة صراعاتهم بالمصاعب التي واجهها جيل الجدة من الحجاج. في الوقت نفسه، تُسلط الضوء على الفجوة بين أجيال «جنى» وأختها وجدتهما، عاكسةً التوقعات والرغبات المختلفة التي تفصل بينهما.

وأضاف «كوتزاثاناسيس» أنه مع تقدم الرحلة، تُصبح العلاقة المتطورة بين المسافرين الثلاثة من أكثر جوانب الرواية تشويقًا. إن تغيّر مواقف المرأتين تجاه «أحمد»، وكيفية اندماجه تدريجيًا في حياتهما، يُنشئ لحظات مُجزية ومؤثرة عاطفيًا.
يستفيد هذا الجانب أيضًا بشكل كبير من التمثيل، حيث قدم الأبطال الثلاثة أداءً ممتازًا، مما يسلط الضوء أيضًا على الكيمياء الواضحة بينهم. خيرية نظمي على وجه الخصوص هي قوة حقيقية في دور «ستي»، والطريقة التي يهدأ بها سلوكها الصارم والصارم في النهاية هي من بين أفضل سمات الفيلم. ستبقى اللحظة التي تبتسم فيها بالتأكيد في ذهن أي مشاهد. كما أن لامار فادان في دور «جنى» جيد أيضًا في الطريقة التي يتحول بها خوفها وقلقها إلى شيء أكثر إيجابية بكثير، بينما يلعب نواف الظفيري في دور «أحمد» الشيطان المسكين الذي هو أيضًا طفل في أعماقه إلى الكمال. إن الطريقة التي يتحول بها الثلاثة إلى شيء يشبه الأسرة تضيف المزيد إلى براعتهم.

يذهب «كوتزاثاناسيس» للاعتقاد بأنه من خلال هذه الديناميكيات الشخصية، تقدّم «أمين» تأملات اجتماعية وفلسفية. تُسلّط قصة «أحمد» الضوء على التحديات التي يواجهها المهاجرون، بينما يُسلّط الضوء أيضًا على استغلال الدين لتحقيق مكاسب مالية. تُثري مواضيع النظام الأبوي والحرية والصراع بين الأجيال السرد، مُبيّنةً كيف تتعارض التقاليد الصارمة غالبًا مع تطلعات الأجيال الشابة.
يعزي «كوتزاثاناسيس» السبب وراء تعزيز قصة الفيلم بفضل جودة الإنتاج العالية وتصوير ميغيل آي. ليتين-مينز السينمائي، الذي يلتقط المناظر الطبيعية المتنوعة في المملكة العربية السعودية – بما في ذلك جدة والمدينة المنورة ونيوم والطائف – متوازنًا بين الواقعية والجمال البصري. أما المونتاج، بقيادة هيرفي دي لوز ومحمد الدراجي، فيرسي إيقاعًا سريعًا ثابتًا يدعم البنية المتسلسلة، ويعكس في الوقت نفسه وتيرة الحياة المعتدلة في المناطق المصورة.

ووصفت الناقدة ميريديث تايلور، في مراجعتها بموقع «Filmoria»، الفيلم، بقصته التي تتمحور حول المرأة وبيئاته الغريبة، بأنه يُقدم لمسةً منعشةً على فيلم إثارةٍ قائم على فكرةٍ معينة، حيث يكون الرجال في الخلفية بشكلٍ ثابت، لكنهم مع ذلك عنصرٌ أساسيٌ في حبكة القصة.
وتجادل «تايلور» بأن المجتمعات التي يهيمن عليها الرجال، مثل المملكة العربية السعودية، لطالما ألقت النساء في صراعٍ مع تنافسهن على الاهتمام ومكانةٍ في المجتمع، وقد شكّل هذا بشكلٍ كبير نظرتهن للحياة والتفاعل بينهما.
وتضيف الناقدة بأن النساء متنافساتٌ وشريكاتٌ في نفس الوقت، ويُجبرن على الخروج إلى العالم الخارجي في رحلة غادرة، سيكتشفن فيها عن بعضهن البعض أكثر بكثير مما اختبرنه خلف «الأبواب المغلقة»، حيث تُبدع «أمين» صورةً مُتوارثة بين الأجيال لنساءٍ تُجسِّد رحلاتهن الشخصية والعاطفية مواضيع أوسع نطاقًا تتعلق بالهوية والتاريخ والانتماء.
اقرأ أيضا: «هجرة»… رحلة في الماضي والحاضر والمستقبل