في الحلقة الأولى من لقاء فاصلة مع المخرج الفرنسي ميشال أوسلو، قال المخرج الذي يحضر الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي لسينما التحريك في مكناس المغربية، إنه عاني كثيرًا قبل أن يخرج فيلمه «كيريكو والساحرة» Kirikou et la Sorcière (1998) وأنه يعده بداية مسيرته السينمائية الفعلية مع أفلام التحريك الطويلة.
خرج المخرج الفرنسي الذي يستلهم حكاياته من الفلكلور والقص الشعبي والتاريخ في «كيريكو والساحرة» عن مجاله الجغرافي الحكائي الأوروبي، ليقدم فيلمًا يرتبط موضوعه بأفريقيا؛ وتحديدًا أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. لهذا كان من المنطقي أن يكون هذا هو موضوع سؤالنا الأول في محاورتنا إياه عن الفيلم.
فسر أوسلو اختياره لأفريقيا جنوب الصحراء ساحة لفيلمه الطويل الاول والناجح بقوله: «لأنّي في طفولتي كنت أسود البشرة (ابتسامة واسعة). ذهبت إلى المدرسة الابتدائية في كوناكري، في غينيا. وكنت الطفل الأبيض الوحيد في صفي. هناك قضيت خمس سنوات من طفولتي الحقيقية. قبل ذلك كنت صغيرًا جدًا. وبعده جاءت المدرسة الثانوية أو مرحلة المراهقة. لذا كانت فترة العيش بغينيا أساسية ومكثفّةً، ولا أملك عنها سوى ذكريات جميلة وطيبة».
– يبدو تأثرك طفلًا بالمحيط الأفريقي جليًا في الفيلم. وربما ساعدتك تلك الفترة على أن يخرج فيلمك من دون التورط في فخ النظر لأفريقيا بعيون غربية.
– أنت على حقّ ربّما. كان هذا المحيط الذي نشأت فيه على أي حال. بيد أنّ طفولتي مميزة أيضًا من حيث إنّي عشت جزءًا منها في أوروبا أيضا. حين كنا نعود إلى «كوت دا زور» أثناء العطلات المدرسية الطويلة. وبوسعك أن تقول أنّي كنت مرتاحًا في عالمين لا يعرف كلّ منهما الآخر.

– بالنسبة لقصة «كيريكو والساحرة»، ما كانت مرجعياتك؟ نعلم أنك استندت إلى الحكايات الشعبية الأفريقية، لكن هل أدمجت أي شيء رأيته أو عشته في طفولتك؟
– منذ اللحظة التي كبرت فيها، أدركت أني عشتُ طفولةً جيدة جدًا في أفريقيا، لذا ينبغي أن أصنع فيلمًا أفريقيًا. ولذا قرأت الكثير من القصص الأفريقية التي لم تكن جيدة (يضحك). في كثير من الأحيان، لا يعرف الرّاوي كنه قصّته. يبدو كمن لم يستوعب كل شيء، فيحكيها بأفضل ما يستطيع.
لصناعة فيلم، تحتاج إلى إخراج جيّد. وتحتاج بالخصوص أن تعرف ما تريد وتذهب إليه مباشرة. أن تثير اهتمام الناس وتصل إلى نتيجة ترضيهم بطريقة أو بأخرى. كما أسلفت إذا، القصص الشعبية عمومًا وليس الأفريقية منها فقط، ليست جيدة عادةً. لكن في أحد الأيام صادفت حكاية بعنوان «أمي، انجبيني!» Mère, enfante moi ! (من مجموعة حكايات من غرب أفريقيا حررها ونشرها فرانسوا فيكتور إيكيلبك في 1913، فشعرت بسعادة غامرة. لم أصادف شيئاُ كمستهلّها من قبل.
في الحكايات الشعبية، يمكنك أن تذهب إلى بلد أبعد ما يكون عنك وتجد نفس القصص في العمق. لكن هذه كانت شيئًا لم أقرأه من قبل. «أمي، انجبيني!» قصّة عن الأم الأفريقية التي لا تفزع أو ترتبك، وقد أعجبتني هذه الجزئية في الحكاية، ثمّ يمتدّ الأمر إلى الطفل العاري الذي يساعد خاله في محاربة الساحرة بكلّ شجاعة. لولا هذه البداية لما تجرأت على صناعة فيلم موجّه للعائلة يبدأ بولادة طفل على الشاشة، وخروجه مشيًا من بين فخذي أمه.

ـ يظهر الفيلم أيضًا اختيارك منهجًا للسرد ينطوي على حرية واضحة تتجاوز بها التقسيم التقليدي لخطوط السرد المبنية على تقديم الحكاية في ثلاثة فصول.
– هذا صحيح. اخترت الحرية الكاملة لأني حاولت أن أتحدّث من صميم قلبي. المثير للاهتمام في الحكاية الشعبية، هو أنه بعد المستهلّ الذي كان مغريا للغاية حتى تلك النقطة، لا يهتم المؤلف بالطّفل، فيتحول فورًا إلى بطل بالغ ومفتول العضلات. الأمر الذي لم يثر اهتمامي بقدر ما فعل المستهلّ. قلت لنفسي: سأحتفظ بالطفل الصغير الذي يساعد الكبار طوال الفيلم، وهذا ما سيجعل القصة مميّزة. العيب الآخر في القصة الأصلية هو أن الرابط الوحيد الذي يجمع كيريكو البالغ بالساحرة هو سعيه لقتلها. هنا أيضا تمرّدت! بعد هذه البداية الرائعة، لا يمكن أن تنتهي القصة هكذا. فبدلًا من أن يقتلها، سيعالجها ويحبها. ومن هناك أصبحت القصة أكثر إثارة للاهتمام.

– قلت لي أن كيريكو غير علاقتك بالسينما، فهل تعتقد أنه غير شكل التعاطي مع أفلام التحريك أيضًا؟
ـ نعم. هناك ما قبل «كيريكو» وما بعده. قبله كنا في فرنسا ننتج فيلمًا روائيًا طويلًا للتّحريك من وقت لآخر، ولم يكن يقال أو يُكتب عنه الكثير. بعد ذلك، أصبحنا ننتج العديد من أفلام التّحريك الطويلة سنويًا، وهناك المزيد والمزيد منها اليوم.
هذا فيلم تاريخي حقّق نجاحًا غير مسبوق. لكنه أيضًا نجاح فرنسي، لأنّي عندما أروي قصتي في الخارج، يُقال لي: لا يمكن أن يحدث هذا عندنا. هذه قصة مثيرة للاهتمام لأن لا شيء كان ينبئ بحدوثها في البدء. على العكس، بما أن الأمر يتعلّق بفيلم تحريك فرنسي، فقد كنا نعلم سلفًا أنه سيفشل في شبّاك التّذاكر. كان ذلك بمثابة قانون غير مكتوب: «لا يمكن للفرنسيين صنع فيلم تحريك ناجح. فقط الأمريكان وبعض اليابانيين بوسعهم ذلك». وبما أن الفشل كان محتومًا، وجدنا صعوبة جمّة في العثور على تمويل. لم يجد المنتج الأول ما يعترض عليه في القصة أو الرسومات.
لكن شيئًا فشيئًا، ومن خلال التواصل مع منتجين عديدين توصلت بشقّ الأنفس إلى استكمال الميزانية (3.8 مليون يورو). وصورت الفيلم بمعاونة كثير من الناس القلقين الذين اعتقدوا أنّي كنت سيّئًا، أو ظنّوا أن رفضي لفكرة أن ترتدي النّساء الأفريقيات حمّالات صدر ستقضي على فرص الفيلم في العرض. عندما عُرض أخيرًا، كانت هناك بعض الاحتجاجات. على الرغم من عنادي، إلا أنّ لا شيء ممّا تمسّكت بفعله في «كيريكو» كان محض نزوة. كنت أعي جيّدًا أهمية ما أريد: عري البطل الصّغير، وأن ترتدي النساء ملابس عادية، أي أن يكنّ عاريات الصدر. كانت تلك طفولتي، وهي مهمّة بالنسبة لي. في نظري، كان ارتداؤهنّ حمالات صدر ليبدو فاضحًا وإهانة لما علّمتني إياه أفريقيا. لديك جسد ولا داعي لأن تخجل منه.

– ما الصعوبات الأخرى التي اعترضتك؟
– بعد حل مشكلة التمويل الصعبة، وجدنا صعوبة في العثور على موزع. بما أن فشل الفيلم كان في حكم المؤكّد، فأي موزع سيقبل بفيلم محكوم عليه بالفشل؟ وحده موزعٌ صغير (مارك بوني من شركة «أفلام جيبيكا») الذي قال «أنا مهتمّ، لكن ليس لدي أي أموال، لذلك سنعتمد في إطلاق الفيلم على تناقل الأخبار شفهيًا بين المشاهدين».
غير أن هذا الموزع كان يعرف منطقته جيدًا، كونه مخرجًا سينمائيًا أيضًا، لذلك اتصل بجميع دور العرض الصغيرة القادرة على قبول فيلم تحريك فرنسي يصدر بدون إعلانات، ويعتمد كليًا على التّسويق الشفهي. بعبارة أخرى، يعني هذا الاتفاق ضمنيًا على أنه حتى لو لم يحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا في الأيام القليلة الأولى التي تلي عرضه، يجب الاحتفاظ به حتى يتسنى للتّسويق الشفهي أن يؤتي أكله.
تجرأت دور السينما الصغيرة على استقبال الفيلم وعرضه، ونجح الأمر. وشيئًا فشيئًا، رأينا المعجزة تحدث أمام أعيننا. امتلأت صالات السينما التي كانت تعرض الفيلم، وبدأ جزء من الجمهور يقف خارج الصالات، ثم وصلنا إلى مليون مشاهد، ثم مليون و500 ألف. كان الجميع مندهشًا. عندما سألني صحفي عما إذا كنت مندهشًا من هذا النجاح، أجبته: «لا على الإطلاق!» (يضحك). وهذا صحيح حزئيًا، أي أنّي كنت قد خططت لكل شيء في قرارة نفسي، خططت للنجاح الدّولي، كما خطت للفشل المهين كما حدث لغيري.
كنت مستعدًا تمامًا لاحتمالات النجاح، ومدركًا تمامًا لقدرتي على إثارة اهتمام الناس، لأن أفلامي القصيرة كانت دائمًا تفوز بجوائز في المهرجانات، وهذا دليلٌ على أنّي لمست فؤاد المشاهدين. قلت لنفسي: لقد صنعت هذا الفيلم الطويل بشدّة وكثافة دون أن أسمح لنفسي بالتّنازل عما كنت مقتنعًا بأني ينبغي أن أفعله. كان من المقرر أن يصدر جان فرانسوا لاغويوني، وهو مخرج تحريك فرنسي قدير، فيلمه «قصر القردة، 1999» في ديسمبر، فقلت لفريق الإنتاج: لن نطلق فيلمنا في ديسمبر، فلا مجال لأن أنافس زميلًا لأن ذلك سيبدو مفتقرًا للياقة، فاتضح أنه لم يكن مستعدًا. عندها عرفت أن هناك مكانًا شاغرًا يجب أن يُستثمر، فقلت: نحن أيضًا لسنا مستعدين بما يكفي، لكننا سنكون في الموعد، وسنأخذ هذا الحيّز، ونخرج في نفس اليوم مع ديزني! (يضحك). فخرجنا في نفس يوم عرض ديزني وبعد أسبوع من عرض فيلم «أمير مصر Prince of Egyp» لتشابمان وهيكنر وويلز لأستوديو «دريم ووركس».
– ماذا كان فيلم ديزني؟
ـ «مولان”. قيل لي إنه فيلمٌ جيد، لكن «مولان» نُسي اليوم، و«كيريكو» لم يُنسَ. إنها قصة استثنائية، ونجاح تاريخي من دون دعاية ولا ملصقات في الشوارع، لا إعلانات في التلفزيون، ولا إشهار في الصحافة. أعتقد أن ذلك ينطوي على خلاصة أخلاقية. نحن مدينون بها لدور السينما الصغيرة، ومديري صالات عرض يحبّون عملهم، ولا يفعلون ذلك ليصبحوا من «آل روكفلر» (أي من أصحاب المليارات).

– بعدها اشتغلت على فيلمين آخرين في نفس عالم «كيريكو». هل كان قرار صنعهما بديهيًا؟
– ما إن حقّق الفيلم النجاح، حتّى سارع الناس ليقولوا لي: «فلتصنع كيريكو 2»، فهززت كتفيّ. كان ذلك خارج تصوّري تمامًا. ثم استمروا في سؤالي، فأعدت الجواب بالرّفض القاطع. واستمر الوضع على ذلك سنوات.
المضحك أنه لم يكن في وسعنا كتابة تكملة لـ «كيريكو» لأنه في نهاية الفيلم الأول كان قد كبر وارتدى ملابسه وتزوج (يضحك). لم يعد هناك ما نفعله. لكن بصرف النظر عن طلبات المنتجين والموزعين، كان الجمهور الذي جاء إليّ ليطلب مني المزيد هو ما دفعني للتفكير. الكبار في السن، والمتوسطون، واليافعون، وحتى الصّغار. وفي يوم من الأيام، قال لي أحد الأفارقة: «لقد أسديت لنا خيرًا ومن غير المسموح لك أن تتوقف». فأذعنت ووافقت على إنتاج فيلم «كيريكو الثاني وهي «كيريكو والحيوانات البرّية» Kirikou et les Bêtes sauvages، 2005، وهو ما لم يكن في نيتي.

ولكي أتفادى صنع جزءٍ ثانٍ، اخترت أن أتناول ذكريات طفولة ومغامرات صغيرة لكيريكو وهو ينقذ أصدقاءه معتمدًا على مكره. واستمر ذلك مع الفيلم الموالي. فطُلب مني أن أنجز فيلم كيريكو الثالث، «كيريكو والرجال والنّساء» Kirikou et les Hommes et les Femmes، 2012) فوافقت.
اليوم يُطلب مني إخراج «كيريكو 4»، لكنّي لن أفعل. رغم أنّي سعيدٌ بصنع كيريكو 2 و3 لأنهما قصّتان جيدتان لم أكن لأرويهما لو لم أكن مجبرًا على ذلك. أحبها جميعها. هناك بعض القصص التي أعشقها بشكل خاص، مثل «الحكاءة» (فصل من «كيريكو والرّجال والنّساء»). بعد أن تعرّضت لانتقادات على تمثّل نساء عاريات الصدر، قلت لنفسي: «سأصنع سيدة عجوز عارية الصدر، وثدييها متدلّيان ويتعيّن عليكم أن تحترموها!» (يضحك). كانت مهيبةً للغاية، ولديها صوت جميل. المرأة التي منحتها صوتها موهوبة، وعندما أستمع إليها بالصدفة تضفي عليّ سعادة جمّة.
اقرأ أيضا: رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو(1): «قضيتُ نصف حياتي عاطلًا عن العمل»