فاصلة

حوارات

رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو (1): «قضيتُ نصف حياتي عاطلًا عن العمل»

Reading Time: 4 minutes

تؤكد مسيرة ميشال أوسلو (81 عامًا) – أشهر مخرجي التّحريك الفرنسيين- حبّه لرواية القصص ومزج الثقافات. لا شك أن مبدع ثلاثية كيريكو الشهيرة Kirikou trilogy المُنتجة بين عامي 1998 و2012 والرائعة «أزور وأسمر» Azur et Asmar (2006) يتوفّر على خيال خصب يدعو إلى السّفر والحلم، أثرى من خلاله خيال أجيال من الأطفال، وسَحر بالغين من كل الأعمار على حدّ سواء.

يستلهم أوسلو قصصه من الحكايات الشعبية كما من تاريخ الحضارات، مازجًا بانفتاح شبابي مدهش على تقنيات التحريك الحديثة، من دون أن يتخلّى عن عضوية قصاصات الورق أو ما يطلق عليه «صرامة» الخيالات الصينية. خلق المعلّم أوسلو عوالم تخلق الانبهار وتحثّ في الآن ذاته على التّفكير في حالة العالم المعاصر والجوانب المظلمة من النّفس البشرية.

ميشال أوسلو
ميشال أوسلو يتسلم جائزة سيزار (2029)

في 2019، صعد إلى مسرح الأولمبيا الأسطوري في باريس ليتسلم جائزة سيزار لأفضل فيلم تحريك عن فيلمه الرائع «دِليلي في باريس» Dilili à Paris، بعد أن حقّقت أفلامه القصيرة والطويلة جوائز عديدة خلال مشاركاتها في أرقى التظاهرات السينمائية الدولية، وجذبت الجمهور العريض إلى صالات السينما، فاتحةً لسينما التحريك الفرنسية والأوروبية أبوابًا فنية وتجارية كانت حكرًا على أستوديوهات التحريك الأمريكية العملاقة واليابانية بدرجة ثانية، ما خوّل له نيل تكريمات فخرية مستحقّة أهمها كريستال المهرجان الدولي لسينما التحريك بآنسي في 2022.

التقينا ميشال أوسلو على هامش الدورة 22 لـ«المهرجان الدولي لسينما التحريك بمكناس» وحاورناه مطوّلًا حول مساره الحافل.

ـ كيف جاء اختيارك تقنية قص الورق؟

ـ في البداية، لم أخطط لاستخدام القصاصات الورقية. فرضها عليّ أنّي لم أتمكن من العثور على المال. لكن بمجرد أن بدأت الاشتغال، أحببت القصاصات الورقية، ورغبت في الاشتغال عليها مجدّدًا. أحب العمل اليدوي البسيط البريء الذي يترك أثاره في العمل النهائي ليتعرف عليها الناس. أعتقد أن الجمهور يحبّ أن يرى أثرًا لكيفية صنع الأشياء في العمل النّهائي، وأن الإنسان قام بدفع أشياء صغيرة موجودة فعلا بيديه لتتحرّك وتصنع فيلمًا. في ذلك إنجاز غير هيّن مقارنة بالرسوم المتحركة بالكمبيوتر. حين يحس المشاهد أن بإمكانك القيام بأي شيء بواسطة الكمبيوتر لا يتفاعل معك كثيرًا. على العكس، عندما يرى أنه ورق حقيقي، وأنه يشرع في التحرك، ويمكنك تقطيعه، وتجعيده، وصنع مفارش منه، ثم يصبح حقيقيًا جدًا لدرجة أنه يحترق؛ يؤسس هذا لعلاقة مختلفة تمامًا مع المشاهد.

هل عرفت دوماً أنك ستصبح صانع أفلام؟ وكيف ترى استقبال البعض لأفلامك الأولى باعتبارها موجهة للأطفال؟

في طفولتي كنت نشيطًا على الدّوام. لم أشعر بالملل أبدًا رغم أنّنا لم نكن نتوفّر على تلفاز؛ لأنّي كنت دائم الاشتغال على الأشياء بأصابعي العشرة. قبل أن أحتك بالحياة الواقعية، اعتقدت أنّي سأصبح كاتبًاعظيمًا مثل فيكتور هوغو، ومن ناحية أخرى كان الرسم يثير اهتمامي، وخاصة أعمال وعالم ليوناردو دافنشي. باختصار، كنت أطمح منذ صغري أن أصنع أفلامًا بسيناريو جيد مثل روايات فيكتور هوغو، ورسومات جميلةتيمّنًا بدافنشي. لم أكن أفكر في أي شيء آخر. ولم أفكّر على الإطلاق في التوجّه لجمهور الأطفال.

أول فيلم مستقل لي: «المخترعون الثلاثة» (1980) Les Trois Inventeurs،كان مخصصًا للكبار فقط وتناول موضوعًا فظيعًا: التعصب والعنف، حين يُقتل بعض الناس لمجرد أنهم لا يشبهون الآخرين. اخترت أن أتمثّل فيه صورة ظلية Silhouette لشخصيات مثل لافوازييه. كان لافوازييه كيميائيًا عظيمًا، تعرّف على الأوكسجين وقام بوزن الهواء، وكان أيضًا جابي ضرائب. لكنهم قطعوا رأسه إبان الثورة الفرنسية، مع أنه كان رجلًا أمينًا يحرص على عدم إيذاء الناس في عمله كجابٍ، وعالمًا جليلًا، ساعدته زوجته التي تحسن اللغات القديمة والنقش. عندما حُكم عليه بالإعدام من قبل حمقى الثورة، كان على وشك الانتهاء من تجربة مهمة، فطلب من المحكمة الإذن بإنهائها قبل تنفيذ الحكم عليه، فأجابه القاضي: الجمهورية ليست في حاجة إلى العلماء». هذا النوع من الأشياء يثير حفيظتي. إذًا كل شيء في هذا الفيلم حقيقي، ونهايته كانت متفائلة بشكل مخادع. في الحقيقة هي يأس مطلق. أناس كثيرون ظنوا أن نهايته سعيدة. لا على الإطلاق.

ـ ربما كان صوت الراوي الذي يقول في النهاية:«لم يحدث أي شيء من هذا» هو ما دفع المتلقين ليطنوا أن الفيلم ذو نبرة متفائلة؟

– نعم ربما. في البداية يتولى صوت الراوي سرد الأحداث. ثم يدرك، شيئًا فشيئًا، أن ما يحدث فظيع. يقول:«لا، هذا غير ممكن. لا تصدقوا أي شيء من ذلك،فهو لم يحدث». لكن حتى الأطفال يعلمون جيدًا أنه حدث فعلا.

–  في هذا الإطار، هل تأثرت بأي شيء صُنع من قبل، على سبيل المثال فترة المصور والرسام هنري ماتيس الأخيرة، عندما بدأ في تقطيع الأوراق وتكوين لوحاته انطلاقا منها؟

–  كلّا، لا أدين بأي شيء لهنري ماتيس. اخترعت طريقتي في القص بنفسي، من دون مساعدته (يضحك). لكني بالطبع لم أخترع هذه التقنية، كل ما فعلته هو تقليد الأساتذة. يتعذّر عليّ تسميتهم لكثرتهم. لقد استمتعت بهذا العمل حقًا. وبمجرد أن شعرت بتلك المتعة، تعلّمت يداي تدريجيًا كيف تتصرّفان بحيث تقطّعان بشكل جيد، ولا ينزلق الورق. كان كل شيء يأتي بشكل طبيعي ومُبهج للغاية.

ميشال أوسلو
The Legend of the Poor Hunchback (1982)

ما هي الذكريات التي تحتفظ بها عن فترة إنجاز الأفلام القصيرة؟

– كان فيلم «المخترعون الثلاثة» نعمة مطلقة. لكن من وجهة نظر أخرى، انطوت حياتي قبل صنع «كيريكو والساحرة» Kirikou et la Sorcière(1998) على معاناة كبيرة. كنت شغوفًا في صغري. وعندما كبرت، احتفظت بكثير من هذا الشغف، وكنت مستعدًا دائمًا للعمل من دون حدود. كان بإمكاني أن أمضي في العمل دون أن أتناول الأكل أو أؤجل الوجبات لوقت طويل لأن ما كنت أفعله يثير اهتمامي ويسحرني. ولكنّي قضيت نصف حياتي دون الحصول على الحد الأدنى من المستلزمات الضرورية. هذه مأساة حياتي. أولًا، كانت الأدوات باهظة الثمن عندما بدأت، لأن أجهزة الكمبيوتر لم تكن متوفّرة بعد. ثانيًا، لم أعرف كيف أثير اهتمام الناس. كما أن سينما التّحريك لم تكن موضة. كانت هناك بعض استوديوهات التّحريك في فرنسا، لكنها لم تقبلني. ومن هنا جاءت مأساة قضاء نصف حياتي عاطلًا عن العمل بدلًا من الاشتغال المضني، كما كنت مستعدًا لذلك. لذا كان فيلم «المخترعون الثلاثة» متعة حقيقية، لأنّي أخيرًا حصلت على الحق في العمل المُجهد. أنجزت بعض الأشياء المدهشة. عندما أشاهده اليوم، أقول في نفسي: «يا له من عمل!». لقد صنعته مثل تحفة العمال المبتدئين أو ما يُصطلح عليه بالفرنسية Chef d’œuvre .إنه تقليد يعود إلى العصور الوسطى، حيث كانت هناك جمعيات محترفة، يلجها عمال متمرنون في بداية مسارهم، فيتدرّبون ويتبعون قانونًا خاصًا.بعدها يتنقلون من معلّم إلى آخر ليتعلموا الحرفة من مختلف المهن. وفي مرحلة معينة، يشعرون بأنهم مستعدون للتوقف عن فترة التدريب ويصبحوا بدورهم حرفيين. يستلزم منهم ذلك أن يصنعوا تحفتهم الفنية. التحفة الفنية هي بعبارة أخرى: بداية منجزك الاحترافي في الحياة. أنجزت «المخترعون الثلاثة» بهذه الروح لأُظهر أنّي لم أعد مبتدئًا، بل حرفيًّا جيدًا. وفق التّقاليد دائمًا، بمجرد أن تنتهي من تحفتك، تضعها تحت كرة زجاجية، وتشمّر عن ساعديك لتأخذ في الاشتغال. قلت لنفسي: سأصنع المزيد من التّحف مثل «المخترعون الثلاثة»، لكنّي لم أفعل أبدًا.

اقرأ أيضا: رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو(2): «في طفولتي كنتُ أسود البشرة»

شارك هذا المنشور