فاصلة

حوارات

رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو (4): لا أُظهر احترامًا أخرق لمن جاءوا قبلي

Reading Time: 5 minutes

اليوم نصل إلى المحطة الأخيرة في حوارنا الطويل مع المخرج الفرنسي ميشال أوسلو الذي فتح لفاصلة بابًا واسعًا على تاريخه الشخصي والفني في حوار امتدت على ثلاث حلقات إضافة لحلقتنا الأخيرة هذه. 

تجولنا مع أوسلو بين طفولته في أفريقيا وكيف مهدت لاحقًا لصنع الثلاثية التي فتحت له أبواب النجاح على مصراعيها، ثلاثية كريكيو Kirikio trilogy . واستعدنا معه ما عاناه قبل تلك الثلاثية من قلة فرص العمل. كما حدثنا عن أثر فترة المعاناة المادية والمهنية الأولى في مسيرته مع أفلام التحريك في تطوير قدرته على الابتكار وإيجاد أسلوبه الخاص في التحريك. ثم حدثنا عن نجاحاته بعد كيريكيو وكيف ظلت اهتماماته الشخصية هي المحرك لكل ما يقدمه من فن.

في جلستنا معه في مهرجان سينما التحريك بمكناس في دورته الثانية والعشرين، واصلنا مع ميشال أوسلو استكشاف مسيرته السينمائية الحافلة. 

 

استخدمت في أفلامك تقنية عرائس الظل الصينية. فهل لجأت إليها طلباُ للتجريد؟ 

ـ لا! صنعتُ عرائس الظّلال الصينية لأني لم أكن أتوفّر على خيار آخر. لم يكن لديّ مال. نقطة البداية هي «أنا مفلس!» (يضحك). كل ما قد تراه كأسلوبي هو ردّة فعل على حقيقة واحدة: «هذا شخصٌ مفلس ماديًا». وقد اعتمدت أسلوب الظّلال الصينية لأنها أرخص تقنية على الإطلاق لصناعة التّحريك. لكن عندما مارستها أغرتني، وأدركت كم هي رائعة. لا يمكنك أن تصنع صورة متواضعة باستخدام خيال الظل، خاصة مع الدمى المقطوعة بواسطة ورق ومقص. إنها تقنية دقيقةٌ وصارمة، وفي هذا يكمن جمالها.

– ثمّة انسجام كبير بين الأفلام الطويلة الثلاثة التي استخدمت فيها الظلال الصينية: «الأمراء والأميرات Princes and princesses» (2000) و«حكايات الليل Tales of the night»  (2011) و«إيفان تساريفيتش والأميرة المتغيرة Ivan Tsarevitch and the changing Princess» (2016)

– لأنّي اعتقدت أنها توافق جيدًا حكايات خيالية، وليالٍ سحرية يمكن أن يحدث فيها أي شيء. 

– كما لو أن هناك فترتان في عملك: فترة «كيريكو»، وهي نهارية للغاية مع أضواء أفريقيا الساطعة، والفترة الأوروبية الليلية.

– أو فترة الإفلاس ثمّ فترة الناجحة.

ـ (ضحك) أحاول أن أجعلك تنسى المال، وأنت تعود إليه باستمرار…

– هذا صحيح. كل ما في الأمر أنّي تذوّقت طعم الظلال الصينية مبكّرًا في أفلامي القصيرة، ثم رجعت إليها لاحقًا حين لم تعد لدي مشاكل مالية لأنها جميلة. شيءٌ ما يحدث فينبعث سحر لا تحصل عليه في الصور النهارية.

رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو (4): لا أُُُظهر احترامًا أخرق لما جاءوا قبلي
Tales of the Night (2011)

– هل تفكر في الحفاظ على التراث عندما تختار استلهام قصص شعبية؟ 

– كلا، أنا لا أفكر حقًا في حفظ التّراث. أقول دائمًا للشباب: استخدموا الحكايات، ولكن لا تحترموها. الأمر متروك لكم لتفعلوا ما تريدون بها. أن تقولوا «اليوم، نحن رواة الحكايات». 

إن كان هناك سرّ حول طريقة اشتغالي فهو أنّي لا أحترم الحكايات. أتناول الحكاية مثل وجبة فأغدو مفتول العضلات، وبعدها أفعل ما أريد، وأنسى تمامًا الحكاية الأساسية التي لم يعد لها وجود. لقد هضمت فيتاميناتها وانتهى الأمر. لا أُظهر أي نوع من الاحترام الأخرق لما جاء قبلي. ذلك لأني وريث، ولكنّي وريث قوي. اليوم أنا راوي القصة، اليوم أنا الملك. لهذا السبب لم أقتبس أي حكاية بالمعنى الضّيق للكلمة. استوعبت حكايات كثيرة، فاحتفظت بما أثار اهتمامي، ونسيت الباقي.

– والآن نأتي إلى «دِليلي في باريس Dilili in Paris»، حيث نهجت تقنية جديدة تعتمد على تصميم الديكور انطلاقًا من صور فوتوغرافية. كيف اهتديت إلى هذه الطريقة مرورًا بفكرة الفيلم؟ 

نعم، كان ذلك مهمًا. بالنسبة لهذا الفيلم الجديد، قلت لنفسي مرة أخرى: ما الموضوع الذي يستحق أن أمنحه 6 سنوات من حياتي؟ أردت أن أتحدث عن الفظائع التي يلحقها الرجال بالنساء في جميع أنحاء العالم. 

هناك أماكن يكون فيها هذا الأمر بغيضًا بشكل خاص، ولكنه يحدث بدرجات متفاوتة في كل مكان تقريبًا. يجب أن نعلم أن عدد النساء اللائي يفقدن حياتهن في العنف المؤسس على النوع أكبر من عدد من يموتون في الحروب. كراهية النساء أخطر من الحروب، ولا يحق لنا تجاهلها. 

رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو (4): لا أُُُظهر احترامًا أخرق لما جاءوا قبلي
Dilili in Paris (2018)

فكرت أني أريد أن أعالج هذه المسألة في فيلم. في البداية، فكرت في فيلم فظيع، للكبار فقط، عنوانه «جزيرة الرجال». يحلّ شابٌّ منكوبٌ بجزيرة فيكتشف أن سكانها من الرّجال فقط. ثم يرى قطعانًا من الخراف السوداء تمرّ من بعيد، وشيئًا فشيئًا يكتشف أنهنّ نساء يمشين على أربع تحت حجاب أسود. رغبت أن أظهر كل الفظائع التي يفعلها الرجال بالنساء وفكّرت طبعًا في مقاومة باطنية لهذا الوضع. يستوعب الشاب ما يجري وينحاز للنّساء سرًا. فإلى أي مدى يذهبون في سعيهم؟ كانت لديّ تصوّر كامل، لكنّي لم أستطع تحقيقه وتخلّيت عن القصة. بدلًا من ذلك، قررت أن أصنع فيلم مع قصة خيالية أستحضر فيها تصرّفات وحشية، لكنّي لا أظهرها كثيرًا. بعض الناس يشعرون بالصدمة حين تُظهر الأشياء، رغم أن ما يحدث في الحياة الواقعية أكثر خطورة. في الفترة نفسها، قال لي أحدهم «تسافر دائمًا حول العالم، ألا يمكنك تصوّر فيلم تجري أحداثه في باريس حيث تعيش؟»، فخمّنت «لم لا؟ هذه فكرة جيدة». باريس تستحق أن أن تُمثّل في فيلم. عندها أدركت أن لديّ مشروعان، لكن لا علاقة لهما ببعضهما البعض. ماذا أفعل؟ ففكّرت أن أدمجهما معًا. سيلقي كل منهما ضوءًا على الآخر وسنكون قادرين على التوفيق بين حضارتين، حضارة يدوس نصف سكانها على النّصف الآخر، وحضارة أخرى يمضيان فيها معًا. هكذا أتناول الحضارة الفرنسية التي لها بعض الجوانب البغيضة وبعض الجوانب الجيدة. ومن ناحية أخرى أعرض الفظاعات التي تتعرّض لها النّساء، وأبعث باريس الماضي إلى الحياة.

– ولماذا اخترت بداية القرن العشرين أو «الحقبة الجميلة» La Belle époque بالضبط؟ 

ـ اخترت 1900 لأنها كانت آخر فترة ارتدت فيها النساء فساتين تصل إلى الأرض. السبب هو جمال فساتين النساء، كما أنها كانت فترة نشطة للغاية، وشهدت نهضة المرأة في عدة مجالات. في الواقع، لم تُواجه المرأة في فرنسا أبدًا بنكران تامّ ولا يمكننا أن نتخيل مجتمعًا فرنسيًا بدون نساء. على عكس مجتمعات أخرى لطالما كانت هناك نساء مؤثرات في فرنسا، ولكنهن وُضعن في خانات تفكير ضيّقة، أو نُظر إليهنّ كمواطنات من درجة ثانية، لا يتمتعن بجميع حقوقهن. وفجأة، ظهرت أول أستاذة جامعية، وأول طبيبة، وأول محامية، وأول سائقة تاكسي، وأول عالمة كبيرة في شخص ماري كوري، وأول نجمة عالمية أغرت الكون برمّته هي سارة برنار.. هناك أيضًا لويز ميشيل، أول امرأة انخرطت في السياسة وأخافت السلطات ولم تذعن أبدًا.

رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو (4): لا أُُُظهر احترامًا أخرق لما جاءوا قبلي
Dilili in Paris (2018)

كان كل ذلك استثنائيًا. أن تؤكد المرأة نفسها وتتقدم في كلّ المجالات، وأن يوافقها الرجال على ذلك مثلما احترموا سارة برنار ولم يجادل أحدهم أبدا كونها يهودية، لأنهم وضعوا مسافة معينة ونظروا إليها كإنسان مبدع. ربما كانت يهودية وفخورة بذلك، لكن الجميع كان يعشقها. أردت أيضًا أن أستحضر أشياء حقيقية وُجدت بالفعل نتيجة لحضارة بناها الرجال والنساء معًا.  

كنت أخرج كل صباح لمدة أربع سنوات مع كاميرتي وأصور باريس، وأفكر في تصور ديكور الفيلم الخارجي كما الداخلي. كنت أخمّن: ما دمتُ أعرض حضارة، فلا داعي لأعيد تصميم الديكور، فلأظهر باريس كما هي على طبيعتها اليوم! من دون أي حنين للماضي. قمت فقط بإزالة العلامات المعاصرة، وأعدت القباب الصغيرة للطابق الأول من برج إيفل، لأنها جميلة وكنت بحاجة إليها في مشهد وصول المنطاد إلى قمة البرج إيفل، حين جلس أناس جميلون يتناولون الطعام تحت الأضواء وهم يغنون. 

اشتغلنا على التحريك الاعتيادي والواقعي نسبيًا، لكننا لم نخف حقيقة أن الأمر يتعلق بفيلم تحريك. أي أننا اخترنا تمثّلًا مبتكراَ إلى حد ما لأننا لم نستخدم الضوء والظل على الأقمشة. هذا يساعد في إظهار وجوه الشخصيات التي طبّقنا عليها بعض البروز بواسطة الرسم. من جهة أخرى، «دِليلي في باريس» هو فيلمي الأقل تحقيقًا لمداخيل شباك التذاكر. أعتقد أن الناس نفرت منه قليلًا. بدأ الأمر عندما قال لي المنتج (ديدييه برونر) الذي اعتدت الاشتغال معه: «كلّا، أرفض إنتاج هذا الفيلم». ثم، لسبب أو لآخر، غيّر رأيه بعد فترة. لكنه أسرّ لي رسميًا عندما استضفته في منزلي: «لا أستطيع الدفاع عن هذه القصة، لذا لن أنتجها». فودّعنا بعضنا البعض، بعيون مغرورقة قليلًا، لكن على أن نبقى أصدقاء.

اقرأ أيضا: رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو (3): «بعض من التسامح مفيد للعيش المشترك»

شارك هذا المنشور