في إطار فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الجونة السينمائي، انعقدت جلسة استثنائية احتفالًا بمئوية الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبرسي – FIPRESCI)، حملت عنوان «النقد السينمائي بعد مئة عام: بين العادات والتحولات». شارك في الندوة الناقد المصري أحمد شوقي رئيس الاتحاد، والناقدة الصربية دوبرافكا لاكيتش، والناقدة الفنلندية علا سلوى وأدارها الناقد محمد طارق، المخرج الفني لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
بدأ الحوار بتأكيد مشترك على أن النقد السينمائي ليس مجرد تحليل تقني للأفلام، بل مساحة لفهم الصورة وتقدير الفن ومساءلة الفكرة واللغة البصرية. وأشار الناقد أحمد شوقي في مستهل كلمته إلى أن قيادة اتحاد يضم أكثر من خمسين جمعية وطنية تمثل قارات العالم ليست مهمة سهلة، بل مغامرة فكرية وثقافية كبرى، موضحًا أن الاتحاد كان يضم قبل سنوات خمس عشرة لجنة تحكيم فقط، واليوم وصل إلى ثمانين لجنة في مختلف المهرجانات حول العالم، مع خطة للوصول إلى مئة لجنة قريبًا. وأكد أن هذا التطور هو انعكاس طبيعي لإيمان الاتحاد بدور النقد كجزء من تطور السينما ذاتها.

استعاد شوقي في كلمته روح الاتحاد منذ تأسيسه عام 1925، متوقفًا عند رمزيته واسمه الذي لطالما أثار تساؤلات حول نطقه الصحيح: «هل نقول فيبرِسكي؟ أم فيبرِشاي؟ أم فيبرِسكي؟» ثم أجاب مبتسمًا: «كلها صحيحة، لأن اختلاف النطق هو انعكاس لتنوع الاتحاد نفسه، فالتعدد اللغوي والثقافي هو ما يمنحه هذه الهوية الفريدة.» وأوضح أنه شخصيًا يفضل النطق الفرنسي، لأن الاسم الأصلي كان «Fédération Internationale de la Presse Cinématographique»، قبل أن يتحول إلى التسمية الإنجليزية «The International Federation of Film Critics»، مؤكدًا أن جوهر الاتحاد يظل قائمًا على قيم التفكير، والحرية، والتفرّد.
ثم توقف شوقي عند شخصية كلاوس إيدرز، الأمين العام للاتحاد الذي تولى منصبه عام 1988 واستمر حتى العام الماضي، قائلًا إن ما تحقق خلال تلك العقود يعد إنجازًا فريدًا، موضحًا: «حين بدأ إيدرز كانت لدينا خمس عشرة لجنة، واليوم وصلنا إلى ثمانين، ونحن نعمل جاهدين على بلوغ المئة قريبًا.» وأوضح أن هذا التوسع لم يكن سهلًا، بل جاء نتيجة جهد كبير في اختيار الأعضاء والتنسيق مع المهرجانات الدولية، من كان إلى برلين والجونة والقاهرة.
وانتقل رئيس الاتحاد إلى الحديث عن تحديات المهنة في الوقت الراهن، مؤكدًا أن ممارسة النقد أصبحت أصعب من أي وقت مضى، في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية وارتفاع تكاليف السفر وتراجع المؤسسات الثقافية الداعمة. ومع ذلك يرى أن دور الاتحاد يكمن في تمكين النقاد وإتاحة فرص حقيقية لهم للتفاعل مع المهرجانات والثقافات المختلفة، مضيفًا: «إذا ساعدنا كل عام مجموعة من النقاد على السفر والتعرّف إلى العالم ومشاهدة الأفلام في بيئتها الحقيقية، فهذا في حد ذاته إنجاز يستحق العناء.»
وتطرّق شوقي إلى العلاقة المعقدة بين النقاد وصُنّاع الأفلام، معتبرًا أنها ليست خصومة بل سوء فهم متبادل: «المخرج ليس جمهوري الأساسي، هو قد يقرأ مقالي أو لا، لكنني أكتب أولًا لنفسي، لأن النقد بالنسبة لي فعل تأمل وتحليل ذاتي، ثم أكتب للجمهور الذي يثق بي أو يقرأ بدافع الفضول. حين نفهم ذلك، تزول الحساسية بين الطرفين.» وأوضح أن الناقد لا يهاجم المخرج بل يقدّم قراءة موازية لعمله، تمامًا كما يقدّم المخرج رؤيته للجمهور.

وفي حديثه عن أدوات النقد، شدد شوقي على ضرورة احترام الناقد لأدواته ولغته كما يحترم المخرج أدواته السينمائية، موضحًا: «المخرج يعمل بالصورة والإضاءة والمونتاج، بينما أدوات الناقد أبسط، لكنها لا تقل مسؤولية. لا يمكن أن تنتقد صانع فيلم متقن بينما لغتك مهترئة أو أسلوبك مشتت.» واستشهد بمقولة الأديب يحيى حقي التي كان يرددها خيري شلبي: «صلّح صوتك ليصلح رأيك»، مؤكدًا أن الرأي لا قيمة له إن لم يصدر عن صوت نقي وأداة صحيحة.
وفي مداخلة للناقدة دوبرافكا لاكيتش، أكدت أن النقد مهنة صعبة لأنها «لا تُرضي الجميع»، وقالت: «صنّاع الأفلام لا يحبوننا دائمًا، لكننا نكتب بصدق لأننا نحب السينما بقدر ما يحبونها هم.» بينما روت علا سلوى تجربتها كامرأة في مجال ظل طويلًا حكرًا على الرجال، مشيرة إلى أن دخولها المهنة كان شاقًا في البداية، لكنها استمرت مدفوعة بشغفها بالفن، وأضافت: «لسنا أعداء المخرجين، نحن جزء من المنظومة التي تطوّر السينما.»
وفي ختام الجلسة، أجمع المتحدثون على أن مستقبل النقد السينمائي مرهون بالحفاظ على الصدق والاستقلالية الفكرية في زمن تتسارع فيه المنصات الرقمية وتتغيّر فيه أدوات التلقي. وأكد أحمد شوقي في كلمته الختامية أن «فيبرسي» ليس مجرد اتحادًا للنقاد، بل منظومة فكرية تدافع عن حرية التعبير ومسؤولية الكلمة.