فاصلة

مراجعات

«دراكولا» لرادو جود… فوضى متمردة على السرد والجماليات

Reading Time: 3 minutes

من المفارقات اللافتة أن رومانيا، مهد أسطورة دراكولا التي صاغها البريطاني برام ستوكر، لم تنتج عبر تاريخها السينمائي عملًا جادًا يعيد النظر في هذه الشخصية التي تحوّلت مع الزمن إلى رمز عالمي تجاوز أصوله الجغرافية والتاريخية. غير أن رادو جود، المخرج المتمرّد على كل ما هو مألوف، لا ينوي في فيلمه الجديد «Dracula» – المشارك في الدورة الثامنة والسبعين من مهرجان لوكارنو السينمائي – سد هذا الغياب أو تقديم نسخة «محلية» من الرواية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك… إلى تفكيكها وتمزيقها وتشظيتها إلى حكايات وصور ومواقف عبثية، عبر تجربة بصرية وفكرية منفلتة من كل القيود.

يأتي هذا الفيلم – وهو الثاني لجود هذا العام بعد «Kontinental ’25» – في نحو ثلاث ساعات، متخذًا شكل العمل الفوضوي بل والهجين كذلك عبر جمعه بين الرواية الكلاسيكية والنزعة العبثية ما بعد الحداثية، وبين خشبة المسرح الشعبي وفيديوهات العصر الرقمي وعند الحنين للسينما الصامتة وفي ضجيج مقاطع التيك توك في الوقت ذاته. وفي قلب هذا الخليط، يأتي صوت المخرج نفسه رادو جود في الفيلم ليقوم بدور الذكاء الاصطناعي والذي يتبادل من خلاله السرد مع شخصية مخرج شاب ضمن حكاية تعاد فيها إنتاج أسطورة دراكولا في عشرات من الاحتمالات، وبمواقع وطبقات اجتماعية رومانية مختلفة تصبح الأسطورة فيها ليست إلا قشرة قابلة للخلع وإعادة التشكيل.

«دراكولا» لرادو جود… فوضى متمردة على السرد والجماليات
Dracula (2025)

وكعادته لا يمارس جود السخرية من أجل السخرية، لكنه كما فعل في Bad Luck Banging or Loony Porn يوجّه سهامه إلى صناعة المتعة ذاتها، وإلى السياحة السينمائية، وإلى آلية تحويل الرأسمالية كل أسطورة إلى سلعة، وكل فنان إلى مؤدٍّ مفرغ من جوهره. وهي بالطبع فوضى مقصودة، لأنها جزء من إستراتيجية نقدية صاغها جود في أعماله الأخيرة، تقوم على فكرة «إفساد المتعة» كموقف جمالي، حيث لا يُقصد من المشهد إمتاع العين بقدر ما يُراد منه تفكيك المعنى، وكل تشويش تقني أو إفراط في السخرية، إنما تهدف إلى خلق مسافة بين المتفرّج وما يراه.

فالذكاء الاصطناعي هنا يلعب دور الكيان الدرامي الفاعل في هذه الحكاية، يكرر جود فيه ويولّد صورًا مشوّهة عمدًا تنتمي إلى عالم مزيف من خلال التقديم المسرحي والركيك في الوقت ذاته من خلال آلية التجسيد السينمائي. ومن خلال هذا العبث .. يتكشّف جود عدد من الطبقات السردية العميقة.. فكل محاولة لسرد «قصة» جديدة تنتهي إلى نقطة البداية، وإلى فوضى تعلن بشكل مباشر انهيار فكرة السرد ذاتها في زمن الرقمنة.

يتعمّد جود هنا صياغة فيلمه بلغة مضادة للجماليات التقليدية، عند الكاميرا المهزوزة، والإضاءة الفجّة، والمونتاج المفكك، والمؤثرات البصرية الرديئة. وكل ذلك هو خيار جمالي واعٍ غايته هدم وهم الإيهام والإبقاء على وعي المشاهد الدائم بزيف الصورة وتهافتها. هذه هي سينما رادو جود التي لا تدّعي الكمال، بل تحتفي بالتشظي والركاكة بوصفهما موقفًا مضادًا لماكينة الاستهلاك السردي.

Dracula (2025)
Dracula (2025)

ومع ذلك فإن هذا التمرّد في «دراكولا» ينقلب في كثير من الأحيان إلى فراغ. فالفيلم الذي يثور على الشكل، يقع في فخ التكرار، وعوضًا عن أن يبني بديلًا بعد تفكيك الأسطورة، يترك المعنى يتآكل. وعلى خلاف أفلامه السابقة – كـ«Bad Luck Banging or Loony Porn» الذي بدأ بالإثارة قبل أن ينقلب على ذاته، أو «Kontinental ’25» الذي أخفى التراجيديا تحت قناع العبث – يبدو «دراكولا» عملًا متعبًا ومستنزفًا بالمعنى الحرفي للجملة.

ورغم تلك الومضات الخاطفة التي تتجلى فيها لمسة جود الإنسانية؛ كمشهد دراكولا العجوز وهو يواجه لحظة وعي مؤلمة بأنه لم يعد صالحًا حتى لعروض السياح الرخيصة، أو مشهد عامل النظافة الذي يقصى عن حضور تخرّج ابنته، فإن هذه اللحظات، على ندرتها، لا تملك أن تنتشل الفيلم من إحساس عام بالغرق.. بل تبدو كأنها شظايا تنتمي إلى فيلم آخر.

«دراكولا» لرادو جود… فوضى متمردة على السرد والجماليات
Dracula (2025)

فالفيلم هو أشبه برحلة فكرية وشكلية بلا مرافئ، أو – في صورة أدق – مسودة بصرية معلقة في فضاء الرفض، تعلن قطيعتها مع كل شيء، من دون أن تبتكر ما يمكن البناء عليه.

عمل يفيض بالأفكار والطبقات السردية، لكنه يفتقر إلى النبض الحي؛ وكأن جود، في سعيه إلى تفريغ الأسطورة من مضمونها، قد جرد السينما ذاتها من قدرتها على الإدهاش.

اقرأ أيضا: «مكتوب، حبّي»: خاتمة كشيش المحزنة في لوكارنو

شارك هذا المنشور