مائة عام مرتْ على واحد من أعظم أفلام تشارلي شابلن، وهو فيلم «حُمّى الذهب The Gold Rush»، 1925. الفيلم الذي اعتز به شابلن حد أن يصرح في أواخر حياته عن رغبته في أن يُذكر فنه بهذا الفيلم، أكثر من أي فيلم آخر.
تدور أحداث فيلم «حمى الذهب» حول المتشرد ضئيل الحجم الذي طالما لعبه شابلن في معظم أفلامه. يسافر شابلن إلى جبال ألاسكا الثلجية منقبًا عن الذهب، مثل آلاف المغامرين الذين نراهم في طابور يزداد تمددًا منذ اللقطات الأولى من الفيلم. شارلي يشق طريقه على جرف ثلجي، بمشيته الشهيرة وحذائه الكبير وعصاه وقبعته. يسير على حافة الجرف مطمئنًا بينما يتبعه دب ضخم يختفي ويظهر في شقوق الجبل.
تتناقض رحلة شارلي المرحة عبر الجبال مع الرحلات الاستكشافية القاسية التي يواجهها المغامرون الحقيقيون، وكأنّ البحث عن الثراء يتطلب الجدية، والكثير من العنف والشر. إلا أن شارلي بعزيمة لا تلين، يبحث عن الثراء بتواضع وطيبة وسخرية.

تضرب عاصفة ثلجية أعلى الجبل، فيلجأ تشارلي إلى كوخ خشبي متهالك منعزل. في الكوخ رجل شرير مطلوب للعدالة يُدعى بلاك لارسن. الكوخ الخشبي ببابين متقابلين. يزحف تشارلي من أحد البابين، فيجد عظْمة بها بقايا لحم. يعضعض تشارلي في العظْمة. يدخل الكوخ بلاك لارسن من باب الكوخ المقابل، ويجبر تشارلي بفظاظة على الخروج. وعندما يفتح باب الكوخ؛ يندفع تيار هواء العاصفة الثلجية بين البابين المتقابلين. يحاول تشارلي الخروج عبر تيار الهواء، وكأنه يجري سير متحرك. إن عبقرية تشارلي شابلن تتألق في استخدام عناصر الديكور والطبيعة والإكسسوارات، لإظهار مهاراته الجسدية الكوميدية.

بسبب العاصفة الثلجية يقتحم شخص آخر ضخم يُدعى جيم الكبير الكوخ الخشبي. يحتمي تشارلي في قوة جيم الكبير، فلا يستطيع بلاك لارسن طردهما معًا. لطالما كان الجوع أحد موضوعات الكوميديا المفضلة في أفلام شابلن. المتشرد تشارلي يأخذ من مصباح قديم على المائدة، نصف شمعة، ويتذوقها بأطراف أسنانه، وبرشّة ملح من الملاّحة، يعتدل مذاقها ثم يأكلها راضيًا، فتصيبه الزغطة (الحازوقة).
الجوع يفترس ثلاثي الكوخ الخشبي، إلا أن جوع جيم الكبير مرعب، حتى أن تشارلي يخاف على كلب معهم في الكوخ، عندما يختفي قليلًا، بينما يرى تشارلي جيم الكبير يعبث في أسنانه بإصبعه. يرتاح تشارلي عندما يجد الكلب، ويأخذه بين ساقيه خوفًا عليه من جيم الكبير.
يصنع الثلاثي المتضور جوعًا قرعة بورق الكوتشينة لاختيار مَنْ سيذهب إلى الخارج، للبحث عن الطعام. يسحب بلاك لارسن الرقم الأقل، الخاسر. يذهب لارسن في العاصفة الثلجية، بينما يبقى تشارلي مع الوحش الجائع جيم الكبير. يطبخ تشارلي فردة حذائه اليمنى، ليُسكت جوع جيم الكبير. يتصاعد البخار من فردة الحذاء المسلوقة، ثم يقوم تشارلي بتحضير سرفيس. ومثل شيف محترف، يرفع الحذاء الشهي إلى المائدة.
يفصل تشارلي وجه الحذاء عن نعله المليء بالمسامير، ويضع في طبق جيم الكبير نعل الحذاء، فينظر جيم الكبير بقرف للنعل ويستبدل طبقه فيأخذ وجه الحذاء، لكنه ما زال غير راض. تشارلي المتفائل، خفيف الظل، يقضم نعل الحذاء، وينظر إلى جيم الكبير نظرة استحسان، لتشجيعه على الطعام. بتردد يقضم جيم الكبير قطعة جلد من مقدمة الحذاء، بينما تشارلي يلف رباط الحذاء الاسباجيتي بطرف شوكة الطعام، ويرفع الرباط كالاسباجيتي في الهواء ويلتهمه ويمص المسامير كأنه يمص اللحم عن عظمة دسمة. ينافس مشهد أكل الحذاء في سينما شابلن، مشهد أكل الصواميل الحديدية في فيلمه «العصور الحديثة Modern Times» 1936.

لا تتوقف هلوسة جيم الكبير، فيتخيل تشارلي وقد تحول إلى هيئة دجاجة سمينة بريش كثيف. يشير جيم الكبير بيده للدجاجة الوهمية فيجري منه تشارلي المذعور إلى خارج الكوخ. وفي أثناء المطاردة بينهما، يظهر الدب الذي كان يتبع مسار تشارلي في اللقطات الأولى من الفيلم. يُطلق تشارلي الرصاص على الدب، وتتوفر أخيرًا وجبة لحم حقيقية لجيم الكبير.
يفترق الصديقان، جيم الكبير يواصل البحث والتنقيب عن الذهب، وتشارلي يهبط للمدينة. يتجول تشارلي بلفة القماش الضخمة على قدمه اليمنى، ويشاهد فتاة في قاعة الرقص تؤدي دورها جورجيا هيل، وهي حبيبة شابلن الرومانسية خارج الشاشة، لكن جورجيا لا تفعل شيئًا سوى التلاعب به. تختار جورجيا الرقص مع المتشرد تشارلي على سبيل المزاح، ففكرة رقصها مع أفقر متشرد في القاعة، تُسعد صديقاتها للغاية.

تشارلي يجيد الرقص، إذ تبدو كل مهاراته الجسدية، ومنها الرقص، خارج حدود الدراما. فالرقص مثل قبعته وحذائه الضخم وعصاه، علامات ثابتة وعقد ضمني مُبرم بين المُشاهِد وشابلن في كل أفلامه. يسقط بنطلون تشارلي أثناء رقصه مع جورجيا، فيرفعه برشاقة بهلوان سيرك من الخلف بعقفة عصاه، وبنفس اليد، يرفع يد جورجيا في الرقصة. إن تعقيد مهارات تشارلي شابلن الجسدية سيما في السينما الصامتة، كانت من أسباب نجاحه العظيم.
يتعرّف تشارلي على رجل طيب، يعطف عليه، ويترك له كوخه أثناء رحلته للصيد. يدعو تشارلي جورجيا على عشاء ليلة رأس السنة، ولكن عندما يحين الوقت، لا تحضر لمجرد أنها نسيت أمر هذا الضئيل المضحك. يجلس تشارلي وحيدًا أمام ضوء الشموع والعشاء المُجهز وهدايا رأس السنة التي حصل على ثمنها سابقًا من عمله المؤقت الشاق بإزالة الثلوج المتراكمة من أمام أبواب البيوت. يحلم تشارلي أن جورجيا جاءت مع صديقاتها، وها هو يغرز في حبتي بطاطس، شوكتين. ويُمثّل بهما رقصة ساقين رشيقتين تلبسان حذائين كبيرين. رقصة الشوكتين أصبحت رمزًا من رموز السينما الصامتة.

مع يأس تشارلي في حضور جورجيا، يخرج متجولًا في الشوارع. فجأة تتذكر جورجيا المتشرد المضحك وموعد العشاء، فتذهب إلى كوخه الصغير لكنها لا تجده، تجد فقط العشاء المُعد والهدايا. في تلك الأثناء يتقاتل جيم الكبير مع بلاك لارسن على موقع الذهب الذي وجده جيم الكبير. يموت بلاك لارسن في انهيار ثلجي، ويفقد جيم الكبير ذاكرته بخصوص موقع منجم الذهب.
يجبر جيم الكبير تشارلي على إهمال الرومانسية، والذهاب معه إلى الكوخ القديم الذي كان قريبًا من موقع منجم الذهب، لعل الكوخ القديم يُحفز ذاكرة جيم الكبير، وذاكرة تشارلي. عاصفة أخرى ثلجية تسحب الكوخ الخشبي أثناء نوم جيم الكبير وتشارلي. نصف الكوخ في الهواء، والنصف الآخر على الجبل الثلجي. في الصباح يتأرجح الكوخ الخشبي أرجحة حرجة بحسب ثقل تشارلي وجيم الكبير.

اقترح المصور رولاند توثيرو على شابلن ماكيت الكوخ الخشبي. وبعد سقوط الكوخ الخشبي من على الجرف، ينجو جيم الكبير وشارلي، ويعثران على موقع منجم الذهب. وبعد مرور عام، أصبح جيم الكبير وتشارلي من أصحاب الملايين. وعلى متن سفينة يكتشف تشارلي أنها تحمل جورجيا، حبه الرومانسي. يقرر تشارلي المتشرد ارتداء ملابسه القديمة لالتقاط صورة فوتوغرافية للصحافة تبرز حياة الرجل العصامي الذي صعد من القاع، لكنه يسقط من أعلى سطح السفينة على كومة حبال كبيرة، ليجد نفسه أمام جورجيا التي تعتقد أنه هارب على السفينة، فتدفعه في كومة الحبال خوفًا عليه من شرطة السفينة. يتركها تشارلي قليلًا على اعتقادها، ثم تأتي المفاجأة، وتعرف جورجيا أن تشارلي الصعلوك المتشرد أصبح مليونيرًا. يتعانقان في قبلة أمام عدسة الكاميرا.

حقق فيلم «حمى الذهب» نجاحًا كبيرًا. وصُوِّر في استوديو شابلن بهوليوود، حيث أُنشئت ديكورات ضخمة، لخلق أجواء ألاسكا القاسية، المتجمدة. البداية كانت محاولة التصوير في تراكي بكاليفورنيا، لكن شابلن تخلى عن تلك اللقطات، وعاد إلى الاستوديو الخاص به.
أثناء إنتاج الفيلم، انهار زواج شابلن من ليتا جراي، وسرعان ما بدأ علاقة غرامية مع جورجيا هيل، بطلة فيلم «حمى الذهب». أُعيد إصدار الفيلم لاحقًا عام 1942 مع إضافة تعليق صوتي من شابلن، وتوزيع موسيقي جديد من تأليفه، لكن تبقى نسخة فيلم «حمى الذهب» 1925، هي النسخة الأكثر شهرة وجمالًا.
اقرأ أيضا: المدينة والحداثة في السينما: من شابلن إلى أنطونيوني وجاك تاتي