في الحلقة الأولى من مسلسل «حكاية نرجس»، نشاهد امرأة عادية تشكو من طليقها الذي تزوَّج عليها من دون علمها، ممّا دفعها إلى طلب الطلاق. تبدو نرجس قريبة من نماذج كثيرة، في مظهرها وطبيعة حياتها داخل بيت فقير في منطقة شعبية، وكذلك في نوع الحوارات التي تخوضها مع أسرتها، والتي تدور حول الزواج والإنجاب. لا يظهر ما يدفع إلى تكوين موقف سلبي منها، فعلى العكس، قد يثير وضعها تعاطفًا، خصوصًا أنّ زوجها فضَّل عليها أخرى لعدم قدرتها على الإنجاب. لكن ما يجعل هذه الشخصية لافتة دراميًا؟ ولماذا يحمل المسلسل اسمها؟
رغم هذه الظروف، تنجح نرجس في فرض رأيها والمطالبة بالطلاق، ثم تتزوَّج مجددًا بإرادتها. هنا تظهر أولى ملامح التميُّز في شخصيتها؛ إذ تمتلك جانبًا حاسمًا يُمكّنها من السيطرة على مصيرها في بعض القرارات. ومن هذه النقطة، يبرز السؤال الأساسي: ما الذي دفعها إلى الزواج من شخص سبق أن رفضته؟ وهو سؤال يفتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات التي تعزّز علاقة المشاهد بالعمل.
شيطان أم ضحية؟

تعتمد كثير من مسلسلات التشويق على المفاجآت والالتواءات الدرامية (Twists) للحفاظ على اهتمام الجمهور، لكن «حكاية نرجس» يتبنّى أسلوبًا مختلفًا، يقوم على التأثير النفسي والارتباط بالشخصيات، أكثر من الاعتماد على الحدث نفسه. مع شروع نرجس في خطف طفلها الأول بموافقة زوجها عوني، يبدو في البداية أنها تسعى إلى تحقيق رغبتها في الأمومة، بعدما فشلت تجربة الكفالة. لكن هذا الفعل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول تركيبتها النفسية، خصوصًا في علاقتها بزوجها. فهل ما تقوم به انتقام من مجتمع وصمها بالعقم، أم رغبة حقيقية في أن تصبح أمًا؟ وهل تحب زوجها وتخشى عليه، أم تستخدمه واجهةً لأفعالها؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بشكل مباشر، ولا نُعطى إجاباتها أيضًا، ولكنها تتكشَّف تدريجيًا مع تطور الأحداث.

عند التعرُّف إلى والدة نرجس، تتّضح بعض ملامح تكوينها النفسي. ففي بداية المسلسل، توبّخها والدتها بسبب عدم الإنجاب، وفي إحدى الحلقات المتأخّرة، تُصرّح بأنها كانت مستعدة للتخلّي عن بناتها الثلاث مقابل إنجاب ولد واحد. وهي عقلية موجودة في بعض البيئات، لكن المسلسل لا يكتفي بعرضها، بل يقدّم نتائجها وتأثيرها في التربية.
في أحد المشاهد المعروفة من المسلسل الأميركي «Breaking Bad» (انحراف)، يعترف البطل، الذي كان يُبرّر عمله في تجارة المخدرات برغبته في تأمين مستقبل عائلته، بأنه كان يستمتع بما يفعل، وأنّ الدافع كان شخصيًا. هذا الاعتراف، وإن لم يُقدَّم صراحة على لسان نرجس، يمكن تلمّسه في نظراتها عندما تبتكر وسيلة جديدة للحصول على طفل؛ كأنها تجد ذاتها في تلك المخاطر، بعيدًا عن حياتها التقليدية وعملها الروتيني داخل مؤسّسة حكومية لا يلاحظ فيها أحد وجودها.
وعندما يبلغ العمل هذا المستوى من نقل الإحساس إلى المشاهد، يصبح الحديث أيضًا عن الإخراج ضروريًا.

كلّ شيء في مكانه الصحيح
بعد فوزه بالسعفة الذهبية للفيلم القصير عام 2020 عن فيلمه «ستاشر»، انتظر كثيرون العمل الروائي الطويل الأول للمخرج سامح علاء، قبل أن يفاجئهم بتقديم مسلسل أولًا، وفي موسم رمضان المعروف بشدّة المنافسة. على الورق، بدت التجربة لافتة. ومَن يتابع أفلامه القصيرة يلاحظ عنصرين أساسيين في أسلوبه: الاهتمام بالشخصيات المهمَّشة والقدرة على تكثيف المشاعر.
يظهر الاهتمام بالمهمَّشين بوضوح في المسلسل، الذي تدور أحداثه بالكامل في منطقة شعبية، ويتابع شخصيات تعيش على الهامش. ولتعزيز هذا الإحساس بالعزلة، نادرًا ما نرى أماكن خارج الحارة التي تدور فيها الأحداث. وفي الوقت نفسه، لا يقع العمل في فخّ استغلال الفقر أو استدرار التعاطف بشكل مباشر، وإنما يُقدّم شخصيات واقعية.

أما في ما يتعلق بتكثيف المشاعر، فيتطلَّب ذلك ممثلين قادرين على التعبير بالصمت والنظرات بقدر قدرتهم على الأداء الحركي والحوار. في أفلامه القصيرة، اعتمد سامح علاء على ممثلين غير محترفين، وهو خيار لا يتناسب مع طبيعة «حكاية نرجس»، لكنه استعان هنا بممثلة تمتلك خبرة في منح الشخصيات عمقًا حقيقيًا، وتدرك مفهوم «المشروع» على أنه عمل جماعي وليس بطولة فردية.
تقدّم ريهام عبد الغفور أداءً متماسكًا بعيدًا عن المبالغة في إظهار الشر، ومن دون تقديم ملامح ملائكية غير مبرَّرة. فالأداء قوامه التوازن الدقيق الذي يعكس تعقيد الشخصية وطبيعة العمل. وهذا التوازن كان ضروريًا لاستكمال الحالة التي يطرحها المسلسل حول شخصية نرجس.

ويمتد هذا المستوى من الأداء إلى بقية الممثلين، لا سيما حمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي. كما يشمل العناصر الفنية الأخرى، بدءًا من السيناريو الذي كتبه عمار صبري عن فكرة سامح علاء، وصولًا إلى تصميم المكان والإضاءة التي نفَّذها مدير التصوير عمر حسام. وتُسهم هذه الإضاءة بطابعها القاتم، في خلق مزاج بصري يعكس طبيعة العمل، حتى في المَشاهد التي تحمل لمسة إنسانية، مثل مشهد احتضان عوني لنرجس، الذي يبدو كئيبًا رغم طابعه العاطفي.
تحافظ هذه العناصر مجتمعةً على اتساق العمل، إذ تبدو جميع التفاصيل في موقعها الصحيح. وفي وقت عانت فيه أعمال رمضانية عدّة من تفاوت المستوى أو ضعف بعض الحلقات، ينجح «حكاية نرجس» في الحفاظ على تماسكه من البداية حتى النهاية، ليقدّم تجربة متكاملة تُعدّ من الأفضل رمضانيًا، خصوصًا لأنها تجربة لا تكتفي بعرض الشخصية وإنما تضع المُشاهد في داخلها.
اقرأ أيضا: «شاهد» و«شاشا» و«ثمانية»… سباق جديد في سوق المنصات العربية