في فيلمه القصير الرابع «حفل افتتاح» المشارك في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، يقدم المخرج وكاتب الفيلم حسين المطلق تجربة تبدو حبكتها بسيطة في ظاهرها وسهلة التلقي، تدور أحداثها حول طفل ترسله والدته (آمال الرمضان) عند معرفتها بأنه سيحمل مقص حفل الافتتاح الذي سيستخدمه أحد المسؤولين الكبار لقص الشريط، فتستغل الأم هذه الفرصة وتعطيه رسالة، آمرةً إياه بإيصالها مباشرة إلى يد ذلك المسؤول. هذا باختصار خط الفيلم الدرامي، الذي يتمحور حول محاولة الطفل بإيصال الرسالة والعوائق التي تعترض طريقه. غير أن ما يبدو بسيطًا في ظاهره، يخفي في داخله مهمة ثقيلة وخطيرة إذا ما رأيناها من منظور ونفسية طفل هادئ ومتردد، قدم دوره بجدارة (حسين السعيد). مهمة صعبة تتمثل في الوقوف أمام مسؤول كبير وتسليمه رسالة أوصته بها أمه، لتنكشف لنا حقيقة حجم الرهبة التي تحيط بمهمته، وكأنه في دور فارس صغير يحمل على كتفيه عبء خلاص البلاد ونجاتهم من الظروف السيئة. وتزداد المهمة تعقيدًا حين يواجه الطفل سلسلة من العقبات التي كادت تفشل مهمته. فقد نجح الفيلم بذكاء في خلق عراقيل بسيطة في ظاهرها، لكنها جادة في أثرها على طفل يحاول إتمام مهمة أكبر من عمره. يبدأ الأمر مع تبديل الملابس وحيرته في إيجاد المكان المناسب لإخفاء الرسالة، ثم سقوط الرسالة في الماء وامّحاء حبرها، وصولاً إلى محاولته كتابة رسالة بديلة دون علم المدرس المتزمت (عبدالله أحمد).
إلا أن التحدي الأبرز في هذا النوع من الأفلام التي تدور أحداثها في يوم واحد وضمن فترة زمنية قصيرة نسبيًا، هو بناء التحول الذي يطرأ على شخصية البطل، ونقله من حالة إلى أخرى مختلفة تمامًا دون الوقوع في فخ التسرع أو المصادفات المفاجئة، التي تقع فيها بعض الأفلام، وقد نجح فيلم «حفل افتتاح» في إقناعنا بالتحول الكبير الذي يصل إليه الطفل في النهاية، تحول يستند إلى بيئته الصعبة والفقيرة، ورغبته العميقة في إثبات نفسه أمام والدته، وإصراره على إنجاز المهمة رغم كل ما يعترض طريقه. كلها عوامل تدفعه لاتخاذ قراره الجريء بالوقوف وحده أمام المسؤول الكبير. ويكتمل هذا البناء من خلال الاشتغال الدقيق على تفاصيل الصورة السينمائية للمصور (يعقوب المرزوق، وعلي الشافعي) وملامح المشهد بما تحتويه من صوت وحالة تؤثر على ما سيأتي لاحقاً، حيث تتضح هذه المؤثرات منذ اللحظة الأولى لدخول الطفل مع المدرس إلى مكان الحفل، فتعمل جميعها بتكامل على بناء الصورة الدرامية الكاملة للفيلم، مانحة العمل بعدًا أعمق وفهمًا أوسع لأحداثه.

مع ذلك، تبقى بداية الفيلم غير كافية لرسم ملامح الحاجة والفقر في حياة الطفل، فقد بدت الافتتاحية متسرعة نوعًا ما، وكانت بحاجة إلى بعض اللحظات أو المشاهد الإضافية التي تمنحنا فهماً أعمق لشخصيته، وتوضح لنا جذور القوة التي ستقوده لاحقًا إلى هذا التحول الحاسم. كما أن الفيلم كان بحاجة إلى مزيد من الاشتغال على إبراز خطورة إيصال الرسالة من وجهة نظر الطفل بصورة أكثر دراماتيكية وحدّة، لنعيش فعلًا مشاعره ومخاوفه، ونكون شركاء له وجدانيًا في هذه الرحلة. ولعل هذا يعيد إلى الأذهان، مع اختلاف المهمة والسياق والزمن، بفيلم 1917 (2019) للمخرج سام مينديز، الذي يتمحور كذلك حول رسالة يجب إيصالها إلى الطرف الآخر. إذ يجتمع الفيلمان في فكرة إنجاح المهمة، غير أن فيلم مينديز يتفوق في قدرته على جعلنا نخوض الرحلة ذاتها، كأننا نحن الجنود المكلفون بإيصال الرسالة. وبالتأكيد، المقارنة بين فيلم قصير وآخر طويل قد تكون مجحفة، لكن فيلم «حفل افتتاح» يمتلك بدوره، رغم قصر مدته، إمكانية أن يدفعنا بدورنا لمشاركة بطله شعور الالتزام، وأن نشعر بأن علينا نحن أيضًا إكمال المهمة.

وهنا، قبل الختام، نتوقف سريعاً عند المخرج حسين المطلق، ذلك المنشغل، منذ فيلمه القصير الأول، بالإنسان وبالقصص التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها محبوكة بعناية وعمق، وبالتقاط اللحظات العفوية الهاربة وتحويلها للحظة مؤثرة وذكرى باقية، يذكرنا بأعمال مجيد مجيدي وعباس كياروستامي وأصغر فرهادي. ولعل السؤال الذي سأطرحه الآن، قد سمعه المطلق كثيرًا: متى سنرى فيلمه الطويل الأول؟ ألا ترغب في منح قصصك مساحة أوسع للتحرك والتنفس؟ فالمطلق يمتلك بالفعل قدرة نادرة على تقديم «السهل الممتنع» بجدارة، وبأسلوب مختلف عن معظم صناع الأفلام في السعودية. ولعل هذا الفيلم يكون بمثابة تأكيدًا جديدًا على جاهزيته لطرق باب مختلف في المستقبل، وصناعة تجربة طويلة تتحرك فيها حكايته بحرية، وتتسع لنفس أرحب.
اقرأ أيضا: «فلسطين 36»… تفكيك خيوط النكبة