صباح يوم أحد عادي تمامًا؛ أب برفقة ابنته ذات السنوات الثماني في طريقهما إلى حديقة مفتوحة، يريدان لعب كرة القدم. الفتاة تسبق الأب، ولدقائق تصبح خارج حدود نظره. في تلك الدقائق تشهد حادثة اعتداء جنسي لرجل على سيدة داخل الحديقة، فتنقلب حياة الابنة والأب رأساً على عقب.
هذه الحكاية، التي يختلط فيها الرعب بالدراما النفسية، هي محور الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بيث دي أراخو المتوَّج بجائزتَي لجنة التحكيم والجمهور من مهرجان صاندانس لعام 2026، والذي شهد عرضه الدولي الأول خارج الولايات المتحدة ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي 2026.
كيف يمكن صنع فيلم يجذب مشاهديه عن حكاية بهذه القسوة، وما هو الخطّ الفاصل بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول من رعب يتورَّط فيه الأطفال؟

رعب بلا مقدّمات
تبدأ دي أراخو الحكاية من دون مقدّمات، ورغم أنّ مدة الفيلم طويلة نسبيًا (120 دقيقة)، فإنّ عقدة الحبكة الأهم تصل في أول عشر دقائق، فنشاهد مع جوزيفين حادثة الاغتصاب بالكامل، بالضرب الجسدي والفعل الجنسي، وحينما يتلفت المعتدي نحوها نشعر بالخوف نفسه الذي تشعر به.
تصبح نظرة المعتدي لجوزيفين تيمة الرعب التي تطاردها طوال الفيلم، إذ تجعل دي أراخو من المعتدي شبحًا تراه الطفلة في غرفتها وفي بعض الأحيان أسفل سريرها كلّ ليلة.
يصبح هذا الظهور في الخطّ الفاصل بين أحلام اليقظة والهلاوس، لكن يمكن رؤيته بشكل أكبر مثل ارتجاع فنّي مستمر يراه من يعانون اضطراب ما بعد الصدمة.
تُقرّر دي أراخو رغم ذلك أن تمزج الرعب النفسي بنوع فيلمي آخر يجعل من فيلمها أقرب إلى الجمهور، وهو دراما المحاكمات.
دراما المحاكمات
نقلُ أيّ صراع إلى قاعة محكمة يجعله أكثر إمتاعًا للجمهور، فدراما المحاكمات هي أحد أقدم الأنواع الفيلمية وأكثرها إثارة للتشويق، هذا هو الإناء الذي تضع فيه دي أراخو حكايتها هنا، خصوصًا في فصلَي الحكاية الثاني والثالث، إذ تعتمد على خصائص دراما المحاكمات بالكامل، فنرى الورطة الأخلاقية حين تختفي الضحية وتصبح مسؤولية تحقيق العدالة ملقاة بشكل مُكتمل على شهادة الطفلة.
ونرى الصراع القانوني بين المحامين، والمواجهات القائمة على حوارات طويلة يتبادلون فيها ألعابهم: هل الفعل الجنسي رضائي أو غير رضائي؟ هل يمكن الجزم بذلك رغم غياب الضحية؟ وهل تدرك الطفلة ما رأته؟

غير مناسب للأطفال وغير مناسب للكبار
حكاية الفيلم بالكامل مبنيّة على قصة حقيقية عاشتها المخرجة وهي طفلة، لكنها ظلَّت محتفظة بها في ذاكرتها طوال حياتها، وحين قرَّرت كتابة فيلمها الأول، كتبت هذا السيناريو عام 2014 ثم شاءت الاستمرار في العمل عليه وإخراج فيلم آخر قبله، لتعود بعد ذلك إليه مرة أخرى كأنه لعنة تودُّ التخلُّص منها.
رغم أنه مبنيّ على أحداث حقيقية، أو ربما بسبب ذلك بالتحديد، تصعب مشاهدة الفيلم تمامًا لأيّ مشاهد لديه ابنة أو أخت صغرى. تصعب مشاهدة طفلة تتعرَّض لموقف مثل هذا، وتمرّ برعب لا يمكن وصفه.
يصعب كذلك على مستوى آخر تخيُّل ما مرَّت به الطفلة الموهوبة ماسون ريفيز التي أدَّت شخصية «جوزيفين» بتميُّز، ورغم أنّ المخرجة تؤكد أنّ متخصِّصًا في الصدمات النفسية كان حاضرًا طوال التصوير، فإنّ التأثير النفسي للموضوع نفسه على طفلة لم يتجاوز عمرها ثماني سنوات يبقى غير واضح، وربما لن تدركه ماسون ريفيز إلا بعد سنوات.

تنجح دي أراخو بشكل مكتمل في إدارة ممثليها، فتقدّم أداءات أصيلة وتقليلية من الجميع. نرى تشانينغ تاتوم في أحد أفضل أدواره؛ أبًا يخشى ألا يكون قادرًا على حماية ابنته، ويدرك مع الوقت أنه ربما لن يستطيع حمايتها من كلّ شيء على أيّ حال، كذلك غيما تشان التي تقدّم دور الأم برهافة شديدة، أما الأداء الأفضل والأكثر إثارة للرعب فهو فيليب إيتنجر بدور المعتدي، تقدّمه دي أراخو هنا بنظرات طفولية ووجه لا يكفّ عن الابتسام فيُظهر الشرّ بشكل غير معتاد على الإطلاق.
قد يكون «جوزيفين» رحلة علاج لمخرجته التي تختزل من خلاله نهاية صدمة لم تحظَ بفرصة التعامل معها في الطفولة، لكن ماذا لو سبَّب الفيلم نفسه صدمة جديدة لبطلته أو مشاهديه؟
اقرأ أيضا: «نينا روزا»… هل تشتري المستقبل بالذكريات؟ تساؤلات الهجرة الطوعية في أفضل أفلام برليناله