فاصلة

مقالات

تأمّلات في عالم سعاد حسني

Reading Time: 9 minutes

كان ذلك في أواسط الستينيات، وكنت حينها مساعدًا للمخرج المصري فاروق عجرمة، العائد حديثًا من أمريكا، والعازم على العودة إليها بعد أن خيّبت سنواته المصرية واللبنانية آماله. وكنا نستعد لإنتاج فيلم جديد ضمن صفقة مقاولات مع موزع أردني. ضمت الصفقة نصف دزينة أفلام، يفترض تصويرها وإتمام إنتاجها في لبنان ولكن أبطالها نجوم مصريون، ولم تكن مسألة القصص والسيناريو تهم، فسوف ندبرها كما اتفق. وذات يوم دفع إلي عجرمة بنسخة مطبوعة على الآلة الكاتبة من سيناريو فرنسي لم يقل لي ما عنوانه أو أصله أو كيف جاء به، وطلب مني أن أحوله الى سيناريو تدور أحداثه في لبنان على أن انتهي من السيناريو في ثلاثة أيام، قائلًا لي أن الحوارات ستكون باللهجة المصرية وعليّ أنا أن أعربها مكتوبة بالعربية القياسية «النحوية» فقط.

ما إن قرأت السيناريو حتى أدركت أنه لفيلم «الشياطين Les Diaboliques» المأخوذ عن رواية لبوالو – نارسيجاك ومن إخراج الفرنسي هنري جورج كلوزو. طبعا لم أعبأ بذلك، بل انصرفت إلى العمل بجد وجهد لأنهي السيناريو العربي خلال المهلة المحددة، وتماما مع وصول الكاتب والمفكر مصطفى محمود – واسع الشهرة آنذاك- من مصر لصياغة الحوار باللهجة المصرية. وبعد أن أنجزنا ذلك كله، أخبرنا عجرمة أن سعاد حسني اختيرت للقيام بالدور الرئيسي. دهشنا، ففي ذلك الوقت لم نكن نرى سعاد حسني إلا في أفلام الفتاة «الدلوعة» البسيطة المحبوبة وذات شكل عادي. بينما يتطلب هذا الدور امرأة قوية العزيمة مبهرة الشكل فارعة القوام، أرستقراطية السمات. تساءلنا حول ذلك بنوع من الاستنكار، قال عجرمة إنها مفروضة علينا من قبل الموزّع، وسنرى ماذا يمكننا أن نفعل.

 Les diaboliques (1955)
Les diaboliques (1955)

بعد أيام، وصلت سعاد حسني من القاهرة. وفي أوّل لقاء لنا بها في منزل فاروق عجرمة في منطقة شوران القريبة من الروشة، كانت «صدمتنا» أكبر: بدت سعاد أقصر مما كنا نعتقد وساقاها أسمن، وسماتها أكثر شعبية. أسقط في يدنا، وأعلن عجرمة خيبته. لكن حسن يوسف، شريكها في الفيلم الذي حمل عنوان «نار الحب»، طمأننا. وحدث أن كانت بداية التصوير بعد أيام قليلة، وفي أول أيام التصوير تبخرت خيبة املنا وحلت محلها الدهشة، إذ وصلت سعاد إلى مكان التصوير وقد ارتدت ثياب الدور، ورسمت على وجهها سماته. ذُهِلنا تمامًا إلى درجة أن بعضنا خيّل إليه أن سعاد استبدلت.

بدت متغيّرة كثيرًا.. بدت متغيّرة جذريًّا. وحين راحت تؤدي الحوار الجميل الذي كتبه مصطفى محمود وتمثل لقطاتها، ولدت بالنسبة إلينا في ذلك الحين؛ لیست في صورتها المعروفة كنجمة كبيرة، بل ممثلة من طراز رفيع. فهل علينا أن نلاحظ اليوم، إذ نشاهد «نار الحب»، ونقارن أداء سعاد حسني فيه بأداء سیمون سینیوريه، أن فاتنة سينمانا العربية تبدو متفوّقة فيه – رغم كل عيوب الفيلم العربي- على فاتنة السينما الفرنسية؟ المهم هنا بالنسبة إلينا، هو تلك القدرة التي تجلّت لدى سعاد حسني، ومنذ ذلك الوقت المبكر، على الاندماج الكلّي، شكلًا ومضمونًا في الشخصية التي تؤديها، وأحيانًا – ويا للمعجزة – في أكثر من شخصية تؤدّيها في الفيلم الواحد.

تأمّلات في عالم سعاد حسني
نار الحب (1968)

عندما جاءت سعاد حسني إلى بيروت لتمثيل «نار الحب» كانت لا تزال في سنِي عملها الأولى. كانت بدايتها قبل ذلك بسبع سنوات فقط، مثّلت خلالها نحو عشرين فيلمًا. لكن الأهم أن فيلمها الأول، «حسن ونعيمة» كان الوحيد الذي يُحسب لها فنّيًا. أفلامها الكبيرة ستكون بعد ذلك. فعندما حقّقت سعاد ذلك النجاح الكبير وهي بعد في السابعة عشرة، حين لعبت دور نعيمة في تلك الحكاية الشعبية التي كتبها عبد الرحمن الخميسي، مكتشفها، وأخرجها هنري بركات، وكانت الغاية منها تقديم محرم فؤاد المطرب الصاعد والمطروح لمنافسة عبد الحليم حافظ قي أوجّ ازدهار هذا الأخير. حين حقّقت ذلك النجاح، انهالت عليها العقود لأفلام كلها متشابهة: فكاهية أو ميلودرامية، تحاول أن تستغل دخول سعاد مباشرة أفئدة عشرات ملايين المتفرّجين. وسعاد لم تكن في ذلك الحين من النضج بحيث تحسن الاختيار، لذلك راحت تقبل كل ما يعرض عليها من أدوار، كانت تبدو كمن يركض مصارعًا مصيره. وحتى منذ ذلك الزمن المبكر.

تأمّلات في عالم سعاد حسني
حسن ونعيمة (1959)

والحقيقة أن من كان يتأمل سمات سعاد حسني، المعروفة – شكليًّا – بضحكها ومرحها في ذلك الحين، كان سيلاحظ في نظراتها وفي بعض اضطراب في يديها وشرود مفاجئ لديها، أنها تحمل في أعماقها حسًّا مأساويًا كبيرًا. ولم يكن حادث مقتل شقيقتها الأقرب إليها صباح على طريق إسكندرية – القاهرة، بعيدًا عن ذلك الشعور. وكذلك لم يكن بعيدًا عنه ذلك القسط من البؤس والحزن الذي عاشته سعاد منذ طفولتها، وسط أسرة مفككة كثيرة الإنجاب غير قادرة على القيام بأود أولادها جميعًا.

غير أن في إمكاننا، بالطبع، تجاوز هذا كلّه. للتوقف، بشكل أكثر عمومية، عند تاريخ ارتباط فن سعاد حسني وأدوارها بجزء من تاريخ مصر الحديثة، وبجزء من التاريخ الذهني للمرأة العربية خلال ما لا يقل عن ثلاثة عقود من السنين. ومن المؤكد أن تقلبات هذا التاريخ انعكست دائمًا على شخصية سعاد حسني، تمامًا كما أن الأدوار التي لعبتها سعاد – في أكثر من نصف الأفلام التي مثّلت فيها على الأقل- انعكست بدورها على ذلك التاريخ الذهني، بحيث يصح أن نتحدث هنا عن علاقة جدلية بين مسيرة سعاد ومسيرة المرأة العربية، وربّما التاريخ العربي المعاصر بشكل عام. وهذا بالطبع، انطلاقًا من نظرة ترى إلى تاريخ الذهنيات والتاريخ الثقافي كجزء أساسي وفاعل من التاريخ العام.

حين اختار عبد الرحمن الخميسي سعاد حسني، كانت بعد صبية، يعرف أسرتها ویتنبّأ لها بمستقبل كبير إذ أدخلها فرقة أنصار التمثيل، ورغب إليها أن تقوم بدور أوفيليا في إعداد كان يحضّره لمسرحية «هاملت». أراد الخميسي العثور على وجه مصري السمات، وكان يريد لذلك الدور أن يكون من نصيب شكل أنثوي جديد، إذ، قبل سعاد حسني، كانت نجمات السينما موزّعات إما على أشكال أنيقة لنساء فارعات الطول ذوات سمات أرستقراطية (ليلى فوزي، مديحة يسري، مريم فخر الدين)، وإما على أشكال مصرية لكنها في سماتها تحمل إذعانًا أكدت عليه الأدوار التي يمثلنها (فاتن حمامة، ماجدة). وحتى حين دخلت الميدان نجمات جديدات في ذلك الحين، غلبت عليهن سمات تجعلهن أقرب إلى الشكل الغربي منهن إلى الشكل العربي (لبنى عبد العزيز، نادية لطفي، زبيدة ثروت ولاحقًا ميرفت أمين)، كان من الواضح أن هؤلاء الفنانات يناسبن تمامًا تلك المرأة البورجوازية الصغيرة، الغارقة في ذاتيتها وفي مشكلاتها الوجودية وسط مجتمع يتغيّر، تلك الشخصية التي كان إحسان عبد القدّوس يبرع في تصويرها. 

تأمّلات في عالم سعاد حسني
نار الحب (1968)

عبد الرحمن الخميسي المثقف والمبدع اليساري، كان يريد امرأة أخرى، نجمة آتية من صفوف الشعب، لها سمات ابنة الشعب ونظرات ابنة الشعب وقوّة ابنة الشعب. والحال أن سعاد حسني بدت مستجيبة تمامًا لهذا الطلب.

وهكذا مع ولادة نعيمة، ومع ظهور قوّة هذه الأنثى المكافحة التي تناضل بنفسها للحصول على حقّها في الحب، دون أن يمثل ذلك الحق نوعًا من توافق طبقي (كما في «لن أبكي أبدًا»). أو تدخّل للأقدار، أو تمرّد على قواعد طبقية معيّنة. مع تلك الولادة وذلك الظهور، ولدت ليس فقط النجمة الآتية من عادية الناس وأحلامهم البسيطة، بل أيضًا المرأة المصرية الجديدة، تلك التي كان «الباب المفتوح» المأخوذ عن رواية لطيفة الزيات، يدعو لولادتها.

كانت الظروف السياسية القومية تساعد على ذلك: في ذلك الوقت في أواخر الخمسينيات. إذ كان هناك المد القومي والتغيرات الاجتماعية العميقة، والأحلام التقدمية التي أنتجتها الثورة ودولتها في مصر بينما تحاول تلك الدولة دفع المجتمع كله خطوات كبيرة إلى الأمام. وكان فنّ السينما في حدّ ذاته، قد مهّد لهذا، ولا سيّما حين كان يعطي النساء/النجمات، بين الحين والآخر أدوارًا تشكل إرهاصات حقيقية على طريق التقدم والتحرر. إذن جاءت سعاد حسني/نعيمة، في زمن كان يعد بها. 

الملفت هنا هو أنها دخلت القلوب بسرعة عجيبة، إن لم يكن في «حسن ونعيمة» ففي فیلم تال له، من الغريب أن دورها فيه كان ثانويًّا هو «البنات والصيف». في هذا الفيلم لم تكن سعاد بطلة أية من الحكايات الفيلم الثلاث، بل لعبت دور أخت عبد الحليم حافظ، وفي يقيننا أن هذا الواقع لعب دورًا كبيرًا في تركيب العلاقة المعقدة والمدهشة التي قامت دائمًا بين سعاد حسني وجمهورها، وسنبيّن هذا بشكل فيه بعض المواربة.

تأمّلات في عالم سعاد حسني
البنات والصيف (1960)

من الواضح، استنادًا إلى المفكر الفرنسي إدغار موران في كتابه «نجوم السينما» الذي نقله كاتب هذه السطور إلى العربية، أن العلاقة/الأساس التي قامت دائمًا بين المتفرج والنجم، وخلقت ماهية الاثنين معًا، كعابد ومعبود، كانت علاقة التماهي من ناحية، والاشتهاء غير المستجاب له من ناحية ثانية. هذه العلاقة المزدوجة كانت على الدوام عنصرًا أساسيًّا في اجتذاب الجمهور إلى صالات السينما؛ وفي ذلك الزخم الذي عرفه نجاح السينما على مدى ما يقارب ثلاثة أرباع القرن. كان على النجمة بالنسبة إلى المتفرجين الذكور (أو العكس بالعكس، بالنسبة إلى النجم تجاه المتفرّجات الإناث) أن تكون مشتهاة، وكان عليها أن تكون موضوع التماهي بالنسبة إلى بنات جنسها. وبالنسبة إلى النجمات ذوات السمات البعيدة عن السمات المحلية، كان هذا الاشتهاء يتضح جليًا، إذ يبدو تحقيقه مستحيلًا؛ وإنما يسفر عن نوع من الإحباط يزيد من إشعال رغبة المتفرّج، تلك الرغبة التي تنفس في نهاية الفيلم السعيدة.

مع سعاد حسني صارت الأمور مختلفة بعض الشيء، صارت العلاقة أكثر عقلانية، وذلك لأسباب ثلاثة متداخلة فيما بينها: السبب الأول هو أن سعاد كانت تبدو قريبة المنال. فبسماتها المحلية ولهجتها القريبة، كانت تبدو وكأنها في انتظار كل واحد من جمهورها. السبب الثاني هو أنها تشبه ابنة الجيران أو الأخت المحرّمة، ما يستبعد الاشتهاء على الفور، ويبرّر للمتفرّج عدم حصوله عليها على رغم أنها قريبة المنال نظريًّا. والسبب الثالث هو أنه نادرًا ما كان للأفلام – الجدية على الأقل – التي مثّلتها سعاد، نهاية سعيدة حقيقية. فالحال أن التجديد الذي كان طرأ على مواضيع السينما المصرية في الستينيات، حتّم أن يوضع مبدأ النهاية السعيدة خارج الحسابات. لاحقًا وفي أفلام مثل «خلّي بالك من زوزو» و«أميرة حبّي أنا»، سوف تعود تلك النهايات، ولكن ضمن منظور مختلف تمامًا، وفي وقت كانت لعبة التماهي نفسها قد أضحت من ذكريات الماضي.

أهل القمة (1981)
أهل القمة (1981)

إذا كانت نعيمة قد تمكنت من تحقيق إرادتها بالزواج من حبيبها حسن في «حسن ونعيمة» (1959) فإن سعاد حسني بطلة «أهل القمّة» حقّقت إرادتها هي الأخرى في العام 1981، وتزوّجت من حبيبها (نور الشریف). لكن الفارق بين الحالتين كبير. ولعل هذا الفارق هو الكفيل – أمام نظرة مدقّقة- بأن يضعنا على تماس مباشر مع ما حدث في مصر خلال الفترة الفاصلة بين زمنين. فإذا كان العام 1959 هو عام الذروة في الحلم التقدمي والمدّ القومي، والتغيير الجذري سیاسیًّا واجتماعيًّا، وبالتالي فنيًّا؛ فإن العام 1981 كان العام الذي انكشفت فيه «الحقيقة» كلها، وأعلن عن هزيمة الحلم. وما «أهل القمة» سوى الاعتراف بتلك الهزيمة، ولكن ليس «أهل القمة» وحده، بل تیّار متكامل من أفلام سجلت الهزيمة الكبرى، ولعل أهمها «الكرنك» الذي مثلته سعاد حسني أيضًا، وحمل الجواب الحاسم والمرير على السؤال القلق حول ما سوف يحدث في «أهل القمة»: إن زینب (الكرنك) هي نفسها نعيمة (حسن ونعيمة) وسهام (أهل القمة). ولعل ما حدث لزینب قادر على أن يفسّر لنا حقًّا كيف تحوّلت نعيمة إلى سهام (بطلة اهل القمة).

ولعل دورًا لم تلعبه سعاد في «سوبر ماركت» لمحمد خان قادر على أن يكشف لنا، حتى حقيقة بنت الجيران والأخت المشتهاة، التي إذا قاوم المرء رغبته فيهما طويلًا، فوجئ ذات يوم بالانفتاح – الذي هو النتيجة الطبيعية لأخطاء الثورة الناصرية وخطاياها – وقد حوّلها إلى امرأة تبيع نفسها لمن هو قادر على أن يدفع الثمن في «سوبر ماركت».

تأمّلات في عالم سعاد حسني
المشبوه (1981)

غير أن التغيير لم يحدث بشكل مفاجئ. فتحوّل نعيمة إلى سهام وإلى زینب، لم يأتِ إلّا بعد سلسلة من الانمساخات. فهل يمكننا أن نقول هنا، أن الازدواجية التي عاشتها سعاد حسني بين كونها ممثّلة كبيرة، وكونها نجمة عليها أن تراعي مقوّمات النجومية، تلك الازدواجية التي اشتغلت عليها جدّيًّا قد أوصلتها إلى أزمة تعبيرية خانقة؟

لقد مثّلت سعاد أدوارًا عديدة بدت فيها إمّا مزدوجة الشخصية «بئر الحرمان»، أو ذات دورين متناقضين «نادية»، أو بشكل يقل فنيّة لكنه ذو دلالة؛ لعبت دور فتاة تلعب دورًا للحصول على حبيب «صغيرة على الحب». 

هذه الازدواجية المتكررة، أتت – عن وعي أو دون وعي- معبّرة عن الازدواجية التي عاشتها المرأة المصرية والعربية في شكل عام طوال العقود التي فصلت بين لحظة استرداد الحلم ولحظة انهياره. ويقينًا أنه إذا كانت سعاد حسني أبدعت حين مثّلت – كنجمة استثنائية- دورها الذي لا يُنسي في فيلم يحب كثيرون نسيانه «خلّى بالك من زوزو»، فما هذا إلّا لأن هذا الفيلم كان الأكثر إبداعًا في رمي الأقنعة والتعبير عن هشاشة الحلم. فزينب هنا تكفّ ذات لحظة عن الرغبة في أن تعيش من خلف قناع. إنها تريد الصعود الطبقي لكنها لم تعد قادرة على الكذب على نفسها وعلى الآخرين. إنها تواجه مصيرها كفتاه آتية من «القعر» – حسب التصنيف الاجتماعي – وراغبة في الوصول إلى القمة. والغريب أنها تنجح. وذلك بكل بساطة، ليس لأن الرومانسية – كما خيّل إلى البعض- لا زالت قادرة على فرض حضورها؛ بل لأن مجتمع أوائل السبعينات صار على درجة من الخلط والفوضى بات معها كل شيء متاح، بما في ذلك الأشياء الجميلة.

القاهرة 30 (1966)
القاهرة 30 (1966)

هنا، إذا كان على زینب أن «تقرّر» إسقاط القناع للفوز، وصار بعيدًا ذلك الزمن الذي تضع فيه القناع مشمئزة لكي تعيش، حين لا تجابه زوجها (محجوب عبد الدايم) إذ تكتشف أنه تحوّل إلى قوّاد وحوّلها إلى عاهرة لتحقيق الصعود الطبقي والنجاح الاجتماعي، فلا تجابهه إلا بنظرة فيها من الشّفقة بقدر ما فيها من الاحتقار. هذا الدور الذي لعبته سعاد حسني في «القاهرة 30» المأخوذ عن رواية «القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ. ومن الأمور ذات الدلالة أن الرقابة أجبرت أصحاب الفيلم على تغيير العنوان للإيحاء بأن ما يحدث هنا ينتمي إلى ماضٍ كريه، ماضي «ما قبل الثورة».

حسنًا، كانت سعاد حسني ابنة الثورة. ولا شك أنها لم تنزعج كثيرًا حين تغيّر عنوان الفيلم. فهي التي أشاعت فينا التفاؤل دائمًا، وارتبطت بالنهوض الاجتماعي والقومي، وما كان لها في ذلك الوقت المبكر أن تضرب «الثورة» بالخنجر في ظهرها، لكنها عادت وفعلت في «الكرنك»، ولكن ليس تمامًا على رغم الظواهر الشكلية التي تقول العكس. بالأحرى في النهايات غير السعيدة – منها الموت – التي كانت النصيب المرعب لمعظم أفلامها، من «شفيقة ومتولّي» إلى «غروب وشروق» ومن «بئر الحرمان» إلى «الحب الذي كان» و«أهل القمة»، على رغم تحقق الآمال (ولكن بأي ثمن؟!)، مرورًا بـ«زوجتي والكلب» و«الخوف»، أي الفيلمين اللذين حملا من الشك في كل ما حدث ويحدث قدرًا يبدو كافيًا لتدمير نجمة وممثلة وامرأة عاشت حياتها حلمًا لذيذًا، تعرف هي أنه كان كاذبًا، وأن عليها ذات يوم، أن تدفع الثمن.

سعاد حسني
الكرنك (1975)

 ويقينًا أن سعاد حسني دفعت الثمن غاليًا. ويقينًا أنها حين قرّرت أن تضع حدًّا لذلك منذ اختارت نهايتها البطيئة؛ إنما فعلت هذا في لحظة تأمّلت خلالها صورتها على مرآة شاشة «الراعي والنساء» وتساءلت، فيما تهرب إلى اللامكان ومن اللاشيء في المشهد الأخير من الفيلم. أظنها تساءلت: ترى من هو ذاك الذي وأد حلم نعيمة؟ من هو ذاك الذي زوّجها من لصّ الانفتاح في «أهل القمّة»؟ ومن ذاك الذي حوّل الجارة الأخت المشتهاة في «سوبر ماركت» إلى عاهرة؟ ويقينًا أن الجواب القاتل أتاها من خلال نظرة زينب إلى إسماعيل في واحدة من آخر لقطات «الكرنك».

اقرأ أيضا: من كواليس «أرض الاحلام».. سيدة الشاشة العربية تتحدث عن اختياراتها الفنية

شارك هذا المنشور