لا تزال الأساطير والملاحم القديمة مادة خصبة للأدب والسينما، ومنذ سناها المبكرة، عنت السينما بتقديم الأساطير والتراث الديني في أفلام ضخمة الإنتاج، فادت من معين الماورائيات لتقدم إنتاجات سينمائية فائقة الإبهار، في عمقها تروي حكايات البشر وقيمهم التي ولدت مع ميلاد الحضارات ولا تزال قائمة يتردد صداها إلى يومنا هذا، كالحب والشجاعة والخيانة والوفاء.
لم يكتف صناع السينما بإعادة حكي الأساطير والميثولوجيا الدينية كما هي بل أعادوا تشكيلها لخلق ملاحم ممتعة ذات عوالم فريدة دراميًا وبصريًا، خاصة وأن السينما كفن بصري تأتي بعد آلاف السنين من تجسيد تلك الملاحم والأساطير في فنون بصرية كالنحت والتصوير وقبلهم المسرح التي تحكي تلك الحكايات وتختزن شحناتها العاطفية والفنية في لقطة يراها الفنان معبرة عن جوهر تلك الميثولوجيا.

تجاوز بعض الفنانين الصيغة الموروثة لتلك الأساطير والملاحم وأعادوا تجسيدها في ثيمات معاصره بعيدًا عن عوالمها ذات الصبغة التاريخية، فجعلوا آلهتها في صورة أشخاص أو أنظمة أو جماعات، وأبطالها بشر عاديون محملون بهموم إنسان العصر، يستطيع المتلقي أن يرى فيه نفسه أو شخصًا يعرفه. لكن القصة وأجواءها ما هي إلا انعكاس لرؤية الفنان لما تحمله تلك الأسطورة من دراما بداخلها، فيمنطق أسباب شخوصها ويجعل دوافعهم أكثر إنسانية منسابة بداخل نسيج الحياة البشرية الطبيعية.
ومنذ أن أستطاع الإنسان صياغة ما يعتريه من مخاوف وهواجس تطارده، ومشاعر يحاول صياغتها فيسكبها في قوالب قصصية لعله يستطيع فهمها أكثر، أو – على الأقل- إزاحتها من على صدره، كانت الخيانة وما تحمله من ألم لمن غُدِر به، وما تحمله من ندم للخائن، من أكثر ما شغل عقل الإنسان. خاصة أن الخيانة ثابت يستطيع أن يلمسه في حياته اليومية وبكثرة. وكانت خيانة يهوذا للمسيح الأكثر شهرة والأكبر زخمًا لكونها تمثل نقطة مفصلية للديانة المسيحية، ولما تحمله من طابع درامي يمكن تفسيره من عدة أوجه. ليس وفقًا للمورثات الدينية فقط، بل وفق رؤى إنسانية أيضًا.

في كتابة «دموع وقديسين Tears and saints» كتب الفيلسوف الروماني إيميل سيوران: «وهكذا صرت أقدّر يهوذا، لأنه أبى أن يظل مخلصًا دون أن يكون مُقدّرًا، فسعى لأن يُفرِّد نفسه بالخيانة. لم يكن دافعه الجشع -كما أحببتُ أن أعتقد- بل الطموح هو ما دفعه لتسليم يسوع. لقد حلم بأن يعادله، بل وينازعه في الشر؛ أما في الخير، فمع وجود منافس كهذا، لم يكن ليهوذا أي سبيل ليميز نفسه. كل أفكاري تبعته في طريقه إلى تلك المشنقة. حسدته على أفعاله الشنيعة، وعلى الشجاعة التي تطلّبتها رغبته في أن يكون ممقوتًا. يا له من عذاب أن تكون شخصًا عاديًا، مجرد رجل بين الرجال!».

سار على نهج سيوران عديدون، فهذه الفكرة طالما تكررت بل لم يخلو منها أدبنا المعاصر حيث جسدها نجيب محفوظ في روايته أولاد حارتنا التي أعاد فيها خلق الحكايات المؤسسة في الديانات الإبراهيمية منذ أدم والخروج من الجنة وحتى عصرنا الحالي، فدمج يهوذا ومارية المجدلية في شخصية واحدة وهي «ياسمينة» التي سلَّمت رفاعة (المسيح) لأعدائه، ليس من أجل ثلاثين قطعة من الفضة، بل بدافع الحب والشهوة نحو فتوة الحارة «بيومي». كسى محفوظ فعل الخيانة بعدًا إنسانيًا منطقيًا، وهو ما فعلته عدة أعمال سينمائية سنتناول ثلاث منها، يتنوع تأويل شخصية يهوذا بينهم، بين الحاقد والخائف والمنفذ لكلمة قومه فوق أي اعتبار، ولكن جمعهم في النهاية ألم خيانة العهد، والندم لكن بعد فوات الأوان.
The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford
في فيلم «اغتيال جيسي جيمس بيد الجبان روبرت فورد The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford» لأندرو دومينيك. لا يكتفي الكاتب والمخرج بإعادة خلق يهوذا في صورة أكثر إنسانية، بل يعيد إحياء المسيح في صورة زعيم عصابة قطاع طرق، يدرك مسبقًا خيانة تابعه، ولكنه يذهب إلى مصيره طواعية. يقف ويدير ظهره للخائن بعد أن تجرد من سلاحه لأول مرة في حياته، يرى فوهة المسدس منعكسة على زجاج البرواز الذي أمامه ولا يحرك ساكنًا، أملًا أن تنهي الخيانة عذاباته.
فرغم أن جيسي جيمس قاطع طريق يقتل من يشك في أمره بدم بارد، إلا أنه يمتلك قلبًا مازال ينبض بالرحمة. رحمة لا تمنعه من فعل الشر، ولكنها تسمح له بالبكاء ندمًا على ارتكابه، فيبكي لضربه صبي، ونرى عينيه ممتلئتان بالدموع عند حديثه على إعدامه أحد أصدقاءه. يود جيمس للحياة أن تتوقف، يعي موته ويذهب إليه، لا كمسيح مخلِّص للبشرية كما يقطع النص الديني المسيحي بأن المسيح كان يعي مسبقًا أن صاحبه سيخونه، وصاحبه الآخر سينكره ثلاث مرات قبل صياح الديك، لكنه تركهما وترك الخيانة تمضي في طريقها كي يفدي بروحه أثام البشر وخطاياهم. لكن هنا جيسي يفتدي نفسه وينقذ روحه من عذابها بسبب ما اقترفته بأيديها.

بينما روبرت فورد هو رحلة يهوذية بامتياز، حيث ينظر روبرت إلي جيسي كالمعلم والقدوة، يحلم بأن يسير على خطاه، وأن يكون نديمًا ورفيقًا له في صولاته وجولاته بكل مكان. يحاول الفتى التودد لجيمس وحين يقبله كفرد في مجموعته نرى البسمة تزين وجهه ولا تنقطع إلا حينما يبدأ فتيل الكراهية في الاشتعال، حيث يتحول فورد إلى أضحوكة أمام جيسي الذي يشارك في السخرية منه والحط من شأنه. ثم يختار جيسي أخو روبرت ليرافقه. هنا تنفجر براكين الغضب وتتحول الكراهية إلى حقد وطمع في المكانة التي أكتسبها جيسي جيمس، حيث كان قاطع طريق أسطوري تتحدث البلاد كافة عنه، في أحد مشاهد الفيلم يوجه جيسي سؤالًا لروبرت: «لا أستطيع فهمك! أتود أن تسير على خطاي، أم تود أن تكون مكاني؟»

يتماشى هذا مع تفسير سيوران للخيانة بأنها تحمل دافعًا إنسانيًا، وهي الطمع في المكانة. ربما ود يهوذا أن يكون هو السيد، فإن لم يستطيع فلا أحد يجب أن يبقى سيدًا.
ولكن في النهاية ما حصل عليه فورد هو النبذ المجتمعي، فلاحقته وصمة الخيانة أينما أرتحل، فلا حصل على مكانته المنشودة ولا أرتاح قلبه، وظل ألم الخيانة والندم يحرقاه على ما جنت يداه.
إبراهيم الأبيض
يعد إبراهيم الأبيض أحد أيقونات السينما المصرية الحديثة رغم ما عيوب الفيلم الواضحة، ابتداءً من صوت الراوي غير المبرر دراميًا، أو العيوب الخاصة بالإيقاع المتسارع والذي لا يتعلق بسرعة القطع أو حركة الكاميرا، بل يفوق ذلك إلى تجاوز خطوط درامية والقفز على مصائر شخصيات، مما أضعف الفيلم دراميًا. لا ينسب ذلك إلى السيناريو حيث من الواضح من حديث أحد أبطال الفيلم -باسم سمره- وسخطه بسبب حذف جزء كبير من دوره، أن المخرج مروان حامد لجأ لتقليص مدة عرض الفيلم، مما أسفر عن كل تلك القفزات والفجوات في البناء.
لكن يظل الفيلم ملحمة تشبه الملاحم الأسطورية عن الصداقة والخيانة، منطلقة من أجواء الحارة الشعبية التي منحها مصمم الإنتاج المخضرم أنسي أبو سيف رونقًا وبريقًا سينمائيا مبهرًا، برزت فيه مشاهد المعارك والمطاردات المنفذة بدقة، وغلفته موسيقى ملحمية بدت مرثية للصداقة المغدورة في صورة شاعرية أخاذة.
ولكن ما يحمل الفيلم على عاتقه هو أداء الممثل الراحل محمود عبد العزيز لشخصية عبد الملك زرزور، والأداء الخالد لعمرو واكد في شخصية عشري موضع حديثنا هنا.

عشري هو يهوذا آخر، سلَّم صديقة وأكثر من يحب. عشري هو إعادة خلق جديدة ليهوذا في صورة أكثر إنسانية، يغمرها الخوف من مكاشفة في عين الصديق، فيسلم رقبة صديقه نفسه خشية أن يعيش صاحبه فيعلم بخيانته. ربما الخوف من موت محقق لو علم إبراهيم بفعلته كان دافع عشري ظاهريًا للخيانة، لكن السبب الكامن وراء الخيانة هو الخوف من أن يعي إبراهيم خيانة عشري فلا يستطيع الأخير أن ينظر في عيني صاحبه.
لم تجسد صورة عشري كيهوذا الذي انتحر ندمًا بعد موت المسيح، بل مات عشري قبل إبراهيم لدلالة عن أن لحظة الموت الحقيقية هي لحظة الخيانة نفسها، أن تمحى صورتك المجسدة خليلاً وفيًا في عين رفيقك.
قتل يهوذا نفسه لعدم قدرته على التعايش مع خيانته للمسيح، وهو ما سعى عشري إليه محاولًا الانتحار قبل فعل التسليم، ثم في مشهد تتجلى فيه صوره العشاء الأخير حين سلم يهوذا المسيح دالًا عليه بقبلة، تنعكس تلك المشهدية لكن في حارة شعبية وعلى طاولة بسيطة تحمل كوبي شاي في قهوة، ينظر عشري إلى إبراهيم كنظرة أخيرة للوفاء تحمل جوهر تلك الملحمة التي يصبح فيها ألم الخيانة أشد وأثقل وطأة من الموت.
The Irishman
ظل سكورسيزي يطارد الثيمات الإيمانية في أفلامه، منها ما تناوله صريحة كما في فيلم «الإغواء الأخير للمسيح The Last Temptation of Christ» أو «الصمت Silence»، وأخرى تغلغلت في نسيجها لتثمر في النهاية أفلامًا عن الغواية والخطيئة وضعف الإنسان ومحاولات التوبة، والتضحية والمغفرة والبحث عن معنى في عالم قاس يغمره صمت الإله، وأخيرًا الخيانة كما في حديثنا هنا.

ملحمة عصابات جديدة لكن بداخلها يهوذا آخر تجسده شخصية فرانك شيران (روبرت دي نيرو) الذي يقتل صديقه جيمي هوفا (آل باتشينو). ليس كرهًا أو خوفًا أو طمعًا في مكانته أو حتى نظير بعض المال، ولكن لأن هكذا كان دائمًا جندي ينفذ، ينتمي إلى عائلة واحدة وهي المافيا، فقط يولي لها ولأفرادها الولاء والطاعة وهي التي بدورها تحميه هو وعائلته، وهي صوره يمكن اسقاطها ببساطة على يهوذا الذي رأى أن قومه أهم من وفائه لمعلمه.
ولكن هذا لم يمنع الندم بأن يتسلل إلى قلبه، وان ينعكس سواء في نظراته لهوفا وهو يعلم أنه ذاهب معه إلى حتفه بعد أن تعانقا وتبادل التحايا والابتسامات، أو بعد قتله لصاحبه حيث تتحول النصف ساعة الأخيرة من الفيلم إلى بكائية عن الندم والألم وخسارة كل شيء.
إن مشهد النهاية في الفيلم يمكن أن نطلق عليه تورية سينمائية، لا يمكن تصنفيه كنص مواز (SUBTEXT) فالشخصيات غير واعية حقيقة لما تقول، المعنى الضمني موجه لنا كمشاهدين. لاوعي الشخصية هو من يتحدث ليخبرنا عن طريق الحوار بما تشعر به، بدون أن تقصد الشخصية أن تنقل ما بداخلها. فيطلب فرانك شيران من القس ألا يغلق الباب بالكامل وأن يتركه مفتوحا قليلا. وكأن فرانك يريد أن يؤمن أن باب التوبة مفتوح ولو مواربة رغم كل ما فعله، لا يريد من الإله -المتمثل في القس- أن يغلق الباب في وجهه، في وجه خيانته التي أثقلت كاهله.
اقرأ أيضا: سكورسيزي.. المسيح بعيدًا عن التبشير