شهد مهرجان نيويورك السينمائي لحظة نادرة من الدفء الإنساني والاحترام المتبادل، حين اعتلى المخرجان الأمريكي مارتن سكورسيزي والإيراني جعفر بناهي، خشبة مسرح والتر ريد في مركز لينكولن، بعد تأجيل جلستهما الحوارية لأيام بسبب تأخر صدور تأشيرة المخرج الإيراني. جلس المبدعان وجهًا لوجه، في ندوة كانت بمثابة حوار مفتوح بين نيويورك وطهران، بين السينما كفعل مقاومة، وكفنّ يعاند الرقابة والمنفى.

عودة بعد 25 عامًا من الغياب
جعفر بناهي عاد إلى مهرجان نيويورك السينمائي في دورته الـ63 بعد ربع قرن من الغياب، مقدمًا فيلمه الجديد «مجرد حادث» (It Was Just an Accident)، الفائز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان. الفيلم، الذي صُوِّر سرًّا في إيران، يستلهم تجربة المخرج خلال فترة سجنه، ويروي قصة ميكانيكي يلتقي مصادفة بالضابط الذي عذّبه في الماضي، لتبدأ رحلة انتقامٍ يتخللها شكّ أخلاقي في العدالة والمعنى.
خلال الجلسة التي حضرها المدير الفني للمهرجان دينيس لِم، عبّر لِم عن امتنانه لعودة المخرج، قائلًا إن «بناهي أظهر لنا معنى أن تكون فنانًا يُدرك لحظته، خصوصًا في زمن تتزايد فيه التهديدات لحرية التعبير حول العالم».
السينما كفعل مقاومة لا كمهنة
تحدث جعفر بناهي بصدقٍ عن سنوات المنع والرقابة والسجن، وعن تجربته بعد الإفراج عنه عام 2023، مؤكدًا أنه لا ينوي مغادرة بلاده رغم القيود القاسية، قائلًا: «ليس لديّ الشجاعة ولا القدرة على مغادرة بلدي. سأبقى هناك وأواصل العمل.»
وأضاف أن هناك جيلًا جديدًا من المخرجين الإيرانيين الذين «يصنعون اليوم أفضل أفلام السينما الإيرانية» ويرفضون الرقابة تمامًا، قائلًا: «باتت السينما السرّية في إيران واقعًا معترفًا به، ولم تعد هامشية كما كانت في السابق. هؤلاء الشباب يصنعون أفلامًا في الخفاء، لكنّ لم يعد يتجاهلهم أحدًا بعد اليوم.

المنفى… والذاكرة المفقودة
توقف بناهي بأسى عند موجات الهجرة القسرية التي أبعدت العديد من المبدعين الإيرانيين عن وطنهم، قائلًا: «كل أعمدة السينما الإيرانية تقريبًا في الخارج. أفتقد تلك الأفلام التي لم تُصنع قط داخل إيران.»
وأضاف: «حين يُمنع المخرج من العمل أو يُجبر على الرحيل، نخسر ليس فقط صوته، بل أيضًا ذاكرة جماعية كان يمكن للسينما أن تحفظها.»
المخرج الذي كاد أن يصبح سائق تاكسي!
في حديثه استعاد بناهي ذكريات المنع الأولى بعد الحكم عليه عام 2010 بالحرمان من صناعة الأفلام لمدة 20 عامًا، حيث قال: حين قالوا لي إنني ممنوع من التصوير والكتابة وحتى المغادرة، شعرت بالصدمة. فكرت أن أعمل كسائق تاكسي، لكنني واصلت صناعة الأفلام رغم كل شيء.»

وأضاف بابتسامة مريرة: «عندما تصنع فيلمًا في ظروف كهذه، 50% من طاقتك تُستهلك في إيجاد طريقة للتصوير، وتبقى لك 50% فقط للإبداع.»
أشار بناهي إلى فترة سجن أخرى لا ينساها وهي أثناء عرض فيلمه «لا دببة» (No Bears) في فينيسيا عام 2022، حيث كان في السجن، لكن في الخارج كانت الثورة الاجتماعية تتشكل، على حد تعبيره، موضحًا: «حينها بدأت حركة «المرأة، الحياة، الحرية». لم ندرك حينها حجمها، لكن بعد الإفراج عنا، اكتشفنا أن وجه المدينة تغيّر تمامًا. النساء قاومن بشجاعة وتجاوزن خطًا أحمر لم يكن يمكن تخيله. في رأيي، تاريخ الجمهورية الإسلامية انقسم إلى ما قبل وما بعد تلك اللحظة. وبالطبع، أثّر ذلك في السينما، حتى إن بعض ممثلاتي رفضن ارتداء الحجاب.»
«كان مجرد حادث»… ماذا بعد؟!
وعن فيلمه الأحدث بناهي «مجرد حادث» الفائز بسعفة كان الذهبية، وممثل فرنسا في الأوسكار قال بناهي: «صُنع هذا الفيلم لمرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية. علينا أن نفكر بما سيأتي لاحقًا: هل سنواصل العنف؟ أم سنقول في لحظة ما… كفى؟»
الفيلم يتناول قصة رجل يظن أنه وجد السجّان الذي عذّبه في السجن، فيختطفه ويسعى لدفنه حيًا في الصحراء، لكنه يبدأ في الشكّ بأنه قبض على الشخص الخطأ، فيبحث عن زملائه القدامى لتأكيد هويته دون جدوى.

المنصات… توافر المساحة وغياب الرؤية
من جانبه، تطرق المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي في اللقاء إلى ثورة من نوع آخر، ففي بداية حديثه أعرب عن إعجابه العميق بشجاعة بناهي، ثم وجّه سهام الانتقادات إلى منصات البث التي، بحسب وصفه، «تملك المساحة لكنها تفتقر للرؤية». حيث قال: «هناك الكثير من المساحة على المنصات، لكنها تُملأ بأعمال ضعيفة. لماذا لا تعرض أفلام بناهي والجيل الجديد؟ يجب أن تدعم المنصات الشهيرة هذه الأصوات!»، ودعا سكورسيزي هذه المنصات إلى تبنّي الأفلام الإيرانية والعربية والعالمية المهمشة، منتقدًا آلية العرض العشوائي التي تتبعها.

وأضاف: «المنصات تمتلك ما يكفي من القدرة لتمنح هذه الأفلام مكانًا حقيقيًا، لا مجرد مربّع صغير على الشاشة. يجب أن تُنسّق وتُقدَّم بعناية حتى يعرف المشاهد ما يبحث عنه.»، مؤكدًا أن السينما لا تقتصر على الترفيه، بل هي أداة لاستعادة الذاكرة والهوية.
واستطرد سكورسيزي قائلًا: «السينما قادرة على أن تُعيد روح الأمة كما فعلت الواقعية الجديدة في إيطاليا بعد الحرب. إنها تضيء للناس قلوبهم من جديد.»
لحظة تصفيق واحتفاء بالحرية
اختُتم اللقاء بعناق طويل بين سكورسيزي وبناهي، في مشهدٍ امتزج فيه الامتنان بالاحترام، تلاه تصفيق حار من الحضور وقفوا خلاله تكريمًا لرمزين كبيرين في السينما العالمية، جمعتهما روح الحرية رغم المسافات.