شهد المؤتمر الصحافي لفيلم «بيت الحسّ»، الذي أُقيم في ثاني أيام مهرجان برلين السينمائي، حضورًا لافتًا، بوصفه الفيلم العربي الوحيد ضمن المسابقة الرسمية للدورة السادسة والسبعين من المهرجان، وسط اهتمام نقدي وإعلامي واسع بالعمل الذي تضع فيه المخرجة التونسية ليلى بوزيد قضية العلاقات المثلية في تونس داخل حكاية عائلية حميمة.
الفيلم، وهو الروائي الطويل الثالث في مسيرة بوزيد بعد «على حلّة عيني» الصادر عام 2015، و«مجنون فرح» الصادر عام 2021، عُرض صباحًا أمام قاعة مكتملة العدد، في إشارة واضحة إلى الفضول الذي أثاره منذ الإعلان عن مشاركته. وتدور أحداثه حول ليليا، التي تعود من باريس إلى تونس لحضور جنازة خالها، لتجد نفسها في مواجهة أسرار عائلية مدفونة داخل بيت تعيش فيه ثلاثة أجيال من النساء، فيما تخفي هي الأخرى سرًا يتعلَّق بعلاقتها العاطفية.

خلال المؤتمر، وُجّه سؤال إلى الفنانة هيام عباس عمّا إذا كان العيش خارج بلد عربي قد منحها حرّية أكبر لتقبُّل أدوار جريئة أو مختلفة، مثل هذا الفيلم. جاء ردّها حاسمًا: «لا أعتقد أنّ العيش في العالم الغربي غيَّر قيمي. من يعرف ماضيَّ يُدرك أنني كنت دائمًا شخصًا يطرح الأسئلة ويُشكّك في القواعد». وأوضحت أن تمرّدها لم يكن بدافع الصدام، إذ انطلق من رغبة عميقة في تحقيق ذاتها، مشيرةً إلى أنها شعرت دائمًا بأنّ عليها تحدّي بعض البُنى والقيود لتصبح الشخص الذي حلمت أن تكونه.
وأكدت عباس أنّ هذا المسار ربما بدا قاسيًا في نظر البعض، غير أنها سلكته بدافع داخلي صادق وبقدر من الرقّة، مشدّدةً على تمسّكها بجذورها، إذ قالت: «أحبّ جذوري. أحبّ عائلتي، وقريتي، وفلسطين، وهويتي العربية». وأضافت أنها ربما بدت أكثر راديكالية في بعض اللحظات، «لأنك أحيانًا تحتاج إلى ذلك كي يُسمع صوتك»، مؤكدةً في الوقت نفسه أن بوصلتها القيمية لم تتغيَّر، أينما كانت. وختمت بالقول إنّ اختياراتها الفنّية تنبع من هذه القناعة: «أنا لا أخاف من قول ما أفكر به… أستطيع أن أبرّره وأدافع عنه. ولهذا أختار هذه الأفلام».

من جهتها، تطرَّقت ليلى بوزيد إلى مسألة عرض الفيلم في مهرجانات عربية، وإمكان استقباله في بيئات قد تتحفَّظ على موضوعه. وأكدت أنها ستدافع عنه أينما عُرض، معتبرةً أنّ ما يقدمه لا ينطلق من رغبة في الاستفزاز، وإنما من سعي إلى تمثيل واقع قائم. بالنسبة إليها، لا تُشكّل السينما منبرًا للوعظ، بل مساحة لالتقاط ما يحدث فعلًا داخل المجتمع، حتى وإن كان ذلك مؤلمًا أو مسكوتًا عنه.
وحرصت بوزيد على التأكيد أنّ عملها ينطلق أولًا من الحكاية والشخصيات، لا من الشعارات. فالعلاقة بين ليليا وحبيبتها أليس، والبحث في ماضي الخال الراحل، يتقاطعان مع أسئلة أوسع تتّصل بأدوار النساء، وضغط العائلة، ونظرة المجتمع إلى العائدين من الغربة.

الفيلم من بطولة آية بوترعة، في أول أدوارها الرئيسية، إلى جانب هيام عباس، ماريون باربو، فريال شمّاري، سلمى بكّار، كريم الرمادي، ولسعد الجمّوسي، وآخرين. وقد أشاد عدد من النقاد الدوليين بالعمل، معتبرين أنه يُشكّل خطوة متقدّمة في مسيرة بوزيد، ليس فقط على مستوى الموضوع، بل أيضًا لجهتَي نضج اللغة البصرية وبناء الإيقاع.
اقرأ أيضا: «بيّت الحسّ» لليلى بوزيد… فيلمان في واحد