منذ أن فتحتُ عينيَّ على السينما بوصفها فنًا، أو كما يُعبّر عنها السينمائي الفرنسي روبير بريسون، «السينماتوغراف»، وأنا أسمع وأقرأ عن مخرج مجري يُدعى بيلا تار. مخرج مثَّل وعرَّف وطنه في ذهني، مثل حال كثير من المخرجين الذين ارتبط اسمهم ببلدانهم، مثل ارتباط برغمان بالسويد، وأنجيلوبولس باليونان، وخودوروفسكي بتشيلي. خطّطتُ مرارًا وتكرارًا للتعرُّف إلى سينماه من خلال فيلمه الأبرز، «تانغو الشيطان»، الذي تزيد مدته على سبع ساعات. لم تكن تتوفّر في ذلك الوقت نسخة مرمَّمة من الفيلم الذي عُرض للمرة الأولى أمام الجمهور العالمي في فبراير 1994 ضمن مهرجان برلين السينمائي الدولي، بعد شهر من عرضه المحلّي في مهرجان السينما المجرية في بودابست. وإنما حرصي على مشاهدته دفعةً واحدةً أخَّر مُشاهدتي له سنوات، حتى شاءت الأقدار أن أحضر فعاليات الدورة التاسعة والستين من مهرجان برلين السينمائي، والتي تضمَّن برنامجها العرض الأول للنسخة المرمَّمة من ذلك الفيلم الذي لطالما أجَّلت مشاهدته منتظرًا اللحظة المناسبة، وأي لحظة أنسب من مشاهدة فيلم مثل هذا على الشاشة الكبيرة ذاتها التي عُرض عليها قبل خمسة وعشرين عامًا، وبحضور المخرج شخصيًا لتقديم الفيلم وخوض جلسة سين وجيم مع الجمهور بعد العرض!

كانت تلك التجربة بالنسبة إليّ فتحًا سينمائيًا عظيمًا. لم أشاهد عملًا سينمائيًا مثل هذا من قبل. شعرتُ، بعد خروجي من الصالة التي دخلتها في الثانية بعد الظهر ولم أخرج منها حتى قبيل منتصف الليل، وأنا أمشي وحيدًا في الشوارع المظلمة عائدًا إلى الفندق، بأنني شاهدتُ للتو عملًا وصل إلى أقصى ما يمكن للسينما أن تصل إليه. من هنا بدأت رحلتي الفعلية في دراسة فلسفة تار السينمائية التي قادته إلى إنجاز هذا الفيلم.
لطالما قُرن اسم بيلا تار بسمتين أساسيتين: أولاهما انتماء أسلوبه السينمائي إلى ما يُسمّى «السينما البطيئة» (Slow Cinema)، والثانية تضمُّن أفلامه ما يُعرف بـ«اللقطات الطويلة» (Long Takes) وهو توصيف مقيت لا يُنبّئ عن شيء سوى ضحالة في التفكير وقلّة في الوعي الفني عمومًا، والسينمائي خصوصًا. فمسألة البطء والسرعة نسبية محضة، وما قد يجده عمرو إيقاعًا بطيئًا قد يجده زيد أسرع من اللازم. لكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هوليوود هي التي وضعت للمُشاهدين «قواعد اللعبة»، وهي التي فرضت علينا ما تراه مناسبًا وغير مناسب، وما هو ممتع وما هو ممل، وما هو جيد وما هو سيئ. لذلك يُوصم أي عمل لا يتماشى مع قواعد هوليوود بأنه ينتمي إلى «حركة» ما. هنا نجد أنّ السينما التي يقدّمها تار موصومة بالبطء، ولا يمكن قياس هذا الوصف إلا من خلال مقارنته بما يمكن تسميته «السينما غير البطيئة»، أي السينما الهوليوودية.

ينسحب الأمر نفسه على طول اللقطة السينمائية، إذ تفترض الفلسفة الهوليوودية أنّ اللقطة يجب ألا تمتد أكثر من ثوانٍ، وإلا شَعَر المُشاهد بالملل مباشرة، وهو ما لا تريده هوليوود، لأنّ السينما بالنسبة إليها وسيلة للترفيه، وفي عالم الترفيه أهم عنصر هو ألا يشعر المتلقّي بالملل. لكن هل للشعور بالملل علاقة فعلًا بطول اللقطة؟ يُعد فيلم ألفريد هيتشكوك الشهير «حبل» (Rope – 1948) أحد أهم أفلام الإثارة في تاريخ السينما الأميركية، وقد أوحى فيه مُخرجه بأنه صُوّر دفعة واحدة من دون قطع، رغم احتوائه على عشرة قطعات مخفية (Hidden Cuts)لأنّ التقنيات في ذلك الوقت لم تكن تسمح بتصوير فيلم مدته ثمانون دقيقة دفعة واحدة من دون تغيير البكرة الفيلمية. كان قرار هيتشكوك الفنّي أن يجعل المتفرّج مُقحمًا داخل تلك الشقة، فيشعر بأقصى درجات التوتر، فيما تحوم الشخصيات حول مكان الجثة الذي يعرفه المتفرّج جيدًا ولا تعرفه معظم شخصيات الفيلم. في المقابل، وضع هيتشكوك نفسه في مشهد الدوش من فيلمه الآخر «سايكو» (1960) اثنين وخمسين قطعًا خلال مشهد لم تتجاوز مدته خمسًا وأربعين ثانية. هذا يؤكد ألا علاقة مباشرة بين طول اللقطة أو قصرها وعدد القطعات في مسألة الإيقاع وسرعته.

القطع في فلسفة تار السينمائية لا يأتي إلا عن حاجة حسّية شعورية. إن لم تفرض الحاجة القطع، فلا يحدث. كما أنّ اللقطة في سينماه ليست جامدة أو ميتة، فالكاميرا في حركة دائمة: إما إلى الأمام لملاحقة الشخصيات، كما في مشهد السير في العاصفة من «تانغو الشيطان»، أو إلى الخلف لتلاحقها الشخصيات، كما في مشهد المشي ليلًا من «تناغمات فركمايستر»، أو في حركة دائرية لمراقبة الشخصيات، كما في مشهد الأكل من «حصان تورينو»، أو عبر الانتقال من اليسار إلى اليمين أو العكس، كما في مشهد الاحتماء من المطر في «اللعنة»، من خلال أشكال حركة حرة تتنقل بين شخصيات متعدّدة داخل المشهد. لا يتسلّى تار، كما يدّعي البعض، بإطالة اللقطات لأطول مدة ممكنة، ولا بمحاولة جعل الفيلم بطيئًا إلى أقصى حد.
يصف كثيرون أعمال تار بأنها كئيبة، وهو توصيف ناقشه المخرج المجري في أكثر من مناسبة مع جمهوره. قال: «من السهل القول إنها كئيبة أو قاتمة، لكن الأمر لا يتعلّق بذلك. البشر كائنات معقّدة جدًا، وعندما تصنع فيلمًا أو أي نوع من الفنون، عليك أن تحاول التعاطف مع الناس. السؤال الأهم هو، كيف تشعر عندما تغادر قاعة السينما؟ هل تشعر أنك أقوى أم أضعف؟ أشعر أنّ الناس يصبحون أقوى. إذا شاهدت شيئًا مظلمًا أو حزينًا وواجهته وفهمته، فإنك تصبح أقوى. هذا هو منهجي».

الأمر الآخر الذي قُرن بسينما تار هو استخدامه الأبيض والأسود في جلّ أفلامه، وهو ما قد يراه البعض نوعًا من التزمُّت، إذ أصبح تصوير فيلم كامل بالأبيض والأسود خيارًا فنيًا بعدما كان ضرورة تقنية لعقود. حين سُئل عن سبب عدم استخدامه الألوان، أجاب: «قمتُ ببعض الأعمال الملوّنة، وكان لديَّ شعور بأنني أستطيع قول شيء ما من خلال الألوان، كما في فيلم (تقويم الخريف – (Almanac of Fall لكن منذ عشرين أو خمسة وعشرين عامًا شعرت بأنّ من الأفضل استخدام الأبيض والأسود. أستطيع إخفاء المزيد في السواد، وتسليط الضوء على البياض، واستخدام التدرُّج الرمادي. بالنسبة إليّ، هذا أكثر تلونًا من الألوان. هناك مشكلة أخرى في الأفلام الملوّنة اليوم. منذ منتصف الثمانينات تغيَّرت مادة الفيلم من السليلويد إلى البوليستر، فصارت الألوان بلاستيكية: الأزرق أزرق أكثر من اللازم، والأحمر أحمر أكثر من اللازم، والأخضر أخضر أكثر من اللازم. تبدو طبيعية من جهة، لكنها اصطناعية من جهة أخرى. لا أشعر بالارتياح، لأنّ هذا ليس أسلوبي. أستطيع الرسم بشكل أفضل بالأبيض والأسود، وعندما ترى فيلمًا بالأبيض والأسود تشعر فورًا أنّ هذا شيء صنعه أحدهم. لا أريد أن أُظهر أنّ ما يراه المشاهد حقيقي».
هذا الكلام يستدعي استحضار رأي المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي، الذي رأى أنّ دخول تقنية التصوير بالألوان لم يخدم السينما.

في نظر تار، لا يكتسب المونتاج أهمية كبيرة في عملية الخلق السينمائي، لأنّ أعماله تتكوَّن غالبًا من عدد محدود من اللقطات. على سبيل المثال، يتكوَّن فيلم «تناغمات فركمايستر» (2000) من تسع وثلاثين لقطة فقط، في فيلم يمتدّ نحو ساعتين ونصف الساعة. لذلك لا مجال للتعبير عن المشهد إلا بالطريقة التي صُوّر بها، ولا فرصة للعبث بروحيته في المونتاج. يحمل كلّ مشهد في أعمال تار، بشكل أو بآخر، بداية ونهاية تشعرك بأنه يمكن أن يكون فيلمًا مستقلًا بذاته.

أعلن تار اعتزاله صناعة الأفلام بعد «حصان تورينو» (2011)، معلّقًا آنذاك بأنه قال كلّ ما يمكن قوله عبر السينما. وإنما الاعتزال بالنسبة إليه لم يكن ابتعادًا عن عالم السينما أو انعزالًا عنه، وإنما اقتراب منها بشكل آخر. بعد عامين فقط، أسَّس برنامجًا لتعليم الفنّ السينمائي في «أكاديمية سراييفو السينمائية» بأسلوب خاص أطلق عليه «المصنع السينمائي» (Film Factory)، وخرَّج ثلاث دفعات من طلبة السينما بين عامَي 2013 و2016. كما كرَّس وقته لإعطاء دورات مكثَّفة في مؤسّسات سينمائية عدة حول العالم، وتقديم ماستر كلاس في مهرجانات ومحافل سينمائية مختلفة، وكان يجيب عن أسئلة الأجيال الجديدة من المخرجين، ويشاهد أعمالهم قيد الإنجاز، ويُبدي ملاحظاته عليها. ظلَّ تار يُقدّم كلّ ما لديه من أجل السينما والسينمائيين، حتى في خضمّ صراعه مع المرض، إذ كان يهرب من المستشفى لحضور فعالية سينمائية في أقصى الأرض، قبل أن يُعاد إليه بعد أسابيع بسبب تدهور حالته الصحية.
استمر بيلا تار حتى أيام حياته الأخيرة في تمرير كلّ ما يعرفه عن السينما والحياة، وقد قال مازحًا يومًا إنه عاش مائة وثلاثين عامًا فيها. مات المخرج المجري جسدًا، لكنه باقٍ، ليس فقط عبر إرثه السينمائي، وإنما في وجدان آلاف الفنانين الذين ألهمهم وأسهم في تشكيل مستقبل المشهد السينمائي العالمي، وتوريث المعرفة لمَن يأتي بعدهم.
اقرأ أيضا: يوم سألتُ بيلا تار متى سيعود إلى السينما