يشق فيلم «معركة تلو الأخرى One Battle After Another» طريقه بقوة نحو تسيُّد موسم الجوائز، وسط توقعات بأن يكون المرشح الأبرز لجوائز الأوسكار المقبلة، بعد أن حظي بإشادات نقدية متحمسة منذ عرضه الأول في احتفاليات خاصة للنقاد والمراسلين. ويتصدر الفيلم منذ أيام النقاشات السينمائية، بصفته واحدًا من أكثر الأعمال طموحًا لمخرجه بول توماس أندرسون، ورهانه الثامن على أوسكار جديد.
الفيلم، الذي صُوِّر باستخدام تقنية VistaVision نادرة الاستخدام واليت يعود تاريخها إلى ستينيات القرن الماضي، يُقدَّم كعمل ملحمي عن الثورة والهوس والعائلة، مزج فيه أندرسون بين الحركة الواقعية، والدراما العائلية الرقيقة، والكوميديا السوداء.
قصة العمل مستوحاة من خيوط روائية تراكمت لدى المخرج على مدار 20 عامًا، حيث يستلهم أجزاء من رواية “أرض الكروم Vineland” لتوماس بينشون، ويعيد صياغتها ضمن سياق يلتقي فيه الماضي الثوري بالحاضر المشوش.
تدور أحداث الفيلم حول بوب فيرغسون (ليوناردو دي كابريو)، الثوري السابق المختبئ مع ابنته المراهقة ويلا (تشيس إنفينيتي) بعد تفكك مجموعته الثورية، لكن الماضي لا يلبث أن يعود لمطاردته في صورة العقيد ستيفن ج. لوكجو (شون بن)، عدو بوب اللدود الذي يظهر بعد 16 عامًا. ومع اختفاء ويلا الغامض، ينطلق بوب في رحلة محفوفة بالعنف والانتقام والخلاص.
يشارك في بطولة الفيلم أيضًا بينيثيو ديل تورو، ريجينا هول، وتيانا تايلور. وتخطت ميزانية إنتاجه 130 مليون دولار، ليُعد الأضخم في مسيرة أندرسون.

رحلة كتابة تخطت عشرين عامًا
في مؤتمر صحفي جمعه وأبطال فيلمه، كشف المخرج بول توماس أندرسون أنه بدأ العمل على قصة الفيلم قبل عقدين من الزمن. قائلًا: «بدأت أكتب هذه القصة قبل 20 عامًا. كنت أرغب في فيلم حركة قائم على مطاردات السيارات، وكنت أعود إليها كل بضع سنوات. وفي الوقت نفسه، فكرت في اقتباس رواية Vineland لتوماس بينشون، لكنني وجدت صعوبة في ذلك. لذا أخذت الأجزاء التي أثرت فيَّ ودمجتها مع أفكار أخرى عن شخصية ثورية نسائية. بشكل أو بآخر، لم تفارقني هذه الخيوط طوال عشرين عامًا، ومع الوقت وجدت أنها تنسج عملًا واحدًا».

وذلك قبل أن يشير ضاحكًا إلى السرعة التي يمكن أن يتغير بها الفيلم، حيث قال: «على الرغم من تلك المدة الطويلة، جاء بينيثيو ديل تورو لتصوير مشاهده، فكتبنا أفضل مشهد في الفيلم خلال يوم وليلة على طاولة العشاء. حقًا! الأمر دائم التطور».
وعن تصوير الفيلم بتقنية VistaVision قال أندرسون أنها تمنح المشاهدين تجربة أقرب إلى الأفلام ثلاثية الابعاد «3D» من دون نظارات، وتسمح بالغوص في وجوه الشخصيات والانغماس في مشاهد الحركة. لافتًا إلى أن هيتشكوك لجأ إليها في فيلمه الشهير «سراب Vertigo» واستخدمها جون فورد أيضًا في «الباحثون The Searchers». معلقًا: «من الرائع أن نعيدها في عمل ضخم كهذا.. فلم يكن ينبغي لها أن تختفي».
وعن الموسيقى التصويرية، أشار أندرسون إلى أن شريكه الدائم جوني غرينوود بدأ صياغة الألحان منذ المراحل الأولى للتصوير، ما جعل فريق العمل بأكمله يتشبع بجو الفيلم حتى أثناء تصوير اللقطات اليومية.

ليوناردو دي كابريو وشباك التذاكر
بطل العمل ليوناردو دي كابريو، الذي تجاوزت إيرادات أفلامه العالمية سبع مليارات دولار، أكد أن نجاح شباك التذاكر يبقى معيارًا حاسمًا لتقييم الأفلام. وقال في حوار مع موقع Variety: «أعتقد أن هناك فيضًا هائلًا من المحتوى والإنتاج هذه الأيام، وهذا أمر جيد. لكن شباك التذاكر مهم لأنه يعني أن الناس يذهبون فعلًا إلى قاعات السينما، ليعيشوا التجربة الجماعية».
وأضاف: «بول صوّر الفيلم بكاميرات VistaVision ليمنح الناس تجربة غامرة، وفيلم حركة ملموس وواقعي، ومختلف عمّا اعتدنا عليه. ومن هذه الناحية، فإن شباك التذاكر بالغ الأهمية لتعويض تلك التكاليف من جهة، ومن أخرى لتجربة المشاهدة الاستثنائية على شاشة العرض الكبيرة».
دي كابريو، الذي يجسد شخصية بوب، أوضح أن البطولة الحقيقية للشخصية تكمن في «إصراره على المضي قدمًا لحماية ابنته، حتى وهو أب فاشل ومنفصل عنها». وختم بالقول: «أتمنى أن يذهب الناس لمشاهدته في القاعات كما صُمّم أن يُشاهَد».
بالنسبة لدي كابريو، كانت التناقضات في سيناريو أندرسون لا تُقاوم. وقال في المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالمخرج وشركائه في العمل: «إنسانية الشخصية [تظهر في] الخيارات غير المتوقعة. تتوقع أنه سيكون بطلًا يستطيع أن ينهض ويستعيد أدواته من ماضيه الثوري؛ لكن بطولته الحقيقية تكمن في أنه يواصل المضي قدمًا بلا توقف لحماية ابنته».
وأضاف: «أحببت فكرة أنك تتوقع أيضًا أن هذه الشخصية ستستخدم مهارات تجسسية ضخمة، لكنه لا يستطيع تذكر كلمة المرور. إنها مقدمة عبقرية لبطولة معيبة جدًا ابتكرها أندرسون. وكان من الممتع للغاية أن نصنع هذا الفيلم. لقد كانت رحلة عظيمة أن نكتشفه ونحن نمضي فيه».
واسترجع ليوناردو ذكرياته مع أندرسون في التسعينات حيث رفض المشاركة في فيلم «ليالي صاخبة Boogie Nights»، واصفًا ذلك بأنه «القرار الأكثر خطأً في حياته المهنية».

شون بن وضحكات «معركة تلو الأخرى»
في المؤتمر الصحفي نفسه أشاد شون بن بالمخرج بول توماس أندرسون، واصفًا إياه بـ«عبقري السينما». وقال: «أحيانًا تُستخدم كلمات مثل عبقري أو عظيم بسهولة، لكنني أعتقد حقًا أن بول عبقري. لديه رؤية واضحة، لكنه يمنحك الحرية لتقديم أفكارك وكأن لديه سرًا يعرف أنك ستكتشفه مع الشخصية».

وعن مشاهدته للفيلم، أوضح: «شاهدت الفيلم عدة مرات، وهو ليس كوميديا بالمعنى الحرفي، لكنه كائن مستقل بذاته. حتى في أكثر اللحظات إيلامًا، أجد نفسي أضحك لأنه يقدّم رؤية عبر عقل أصيل. أظن أننا لا نرى ما يكفي من ذلك في السينما».
كما أشار بن إلى أنه يرفض فكرة «التسويق المفرط» للفيلم، مضيفًا: «هذا الفيلم يتحدث عن نفسه. إنه فرصة نادرة للجمهور، ولا يحتاج إلى ترويج تقليدي».
اقرأ أيضا: «F For Fake»… كيف تكذب السينما بصدق؟