في زيارتي الأولى لمهرجان فينيسيا سنة 2023، حضرت العرض العالمي الأول لـ«أشياء مسكينة Poor things». وقتها كنت أعرف أن يورغوس لانثيموس قد صور بالفعل ثلاثة أفلام بنفس الممثلين وطاقم العمل والتصوير في إيرلندا ولصالح نفس المنتجين، كنت أتشوق وقتها إلى مشاهدة تلك الأفلام الثلاثة. شاهدت أولهم «أشياء مسكينة» في فينيسيا وثانيهم «أنواع الطيبة Kinds of kindness» في كان، وثالثهم «بوغونيا Bugonia» شاهدته منذ أيام في الدورة الـثانية والثمانين لمهرجان فينيسيا الذي بدأت منه تلك الثلاثية.
«بوغونيا Bugonia» هو الفيلم الأحدث للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس الذي استطاع إدخال دم جديد إلى هوليوود، وقاد شراكة إبداعية ناجحة مع إيما ستون تحديدًا، فنقلها هو إلى مصاف الممثلات المذهلات ومنحها أدوارًا ستخلد في ذاكرة السينما – في علاقة أشبه بعلاقة ستانلي كوبريك ونيكول كيدمان- ومنحته هي شهرة تؤهله لخوض سباقات أوسكار ومكاسب أكبر في شبابيك التذاكر وعلى المنصات الإلكترونية. تلك الشراكة لم تكن هي الوحيدة للانثيموس المتعاون سابقًا مع ممثلين كبار بحجم كولين فاريل وريتشل فايز وويليام دافو، لكنها ربما كانت الأنجح في صعوده من بداياته كمخرج أفلام فنية للغاية مثل «سن الكلب Dog tooth» مرورًا بـ«قتل غزال مقدس The killing of a sacred deer» و«المفضلة The Favorite» ووصولًا إلى ثلاثيته غير المتصلة وأشهرها «أشياء مسكينة».

هذه المرة، مع «بوغونيا»، أصبحت تلك الشراكة شبه معلنة للجميع، فلا ذكر لأي من الاثنين دون ذكر الآخر، ويبدو أن هذا التعاون قد يستمر لسنوات، ستون هي الوجه التجاري لأفلام يفترض بها أنها غاية في التعقيد، لكن وجودها إلى جانب ممثلين مشهورين آخرين وبضع تعديلات في النصوص، تزيد جماهيريتها. ورغم أن محبي لانثيموس القدامى، وأنا منهم، ربما يفضلون أعماله الأقدم الأكثر جرأة وتعقيدًا وتجريدًا، إلا أنه لا يمكن إنكار أن خلطته لحالية هي الصيغة الذهبية لوصول السينما الفنية للجماهير، ومن ثم تغيير وضع السوق التجاري بشكل ما، ما يخلق فرصًا جديدة لمخرجين آتين من خارج هوليوود أن يحظوا بجماهيرية عالمية واسعة التأثير. ويؤثر في خلق أذواق متعددة في صناعة هي محكومة بمصالح كثيرة ولا يمكن التأثير على معطياتها بسهولة.

لكن ما معنى بوغونيا؟ وعم يدور هذا الفيلم؟ الكلمة ذات أصل يوناني قديم وتعبر عن معتقد قديم مفاده أنه يمكن للنحل أن يتولد من الجثث الميتة. أي ميلاد الحياة من الموت.
في الفيلم نبدأ مع تيدي (جيسي بليمونز)، مُربِّي النحل والذي يعيش مع صديقه الذي يشاركه الهوس بنظريات المؤامرة. يحمل تيدي شخصية عصابية، فهو قلق من العالم، وينقل خوفه وشكه المرضي إلى صديقه المخلص له، ليقنعه بنظرية مؤامرة تتعلق بميشيل المديرة الشابة لشركة كبرى، إذ يقنع تيدي صديقه أنها كائنة فضائية يجب أن يخلِّصا البشرية من مخططاتها الشريرة.
الإحالات هنا ربما توحي بترابط بين تلك الشخصيات وأنواعها وبين عالمنا، ميشيل تشبه ربما إيلون ماسك ومارك زوكربرج وغيرهم من «الأحرار الجدد» الداعين لإلغاء الضرائب وأي نوع من القيود في سبيل منافسة حرة تمامًا تخدم توسعهم بشكل لا نهائي، يحلمون بالسفر إلى الفضاء والسيطرة عليه وامتلاكه بمنطق استعماري بحت، يشبه كل حملات الغزو والاستيطان التي حدثت ولا تزال تحدث في عالمنا.

على الجانب الآخر فإن تيدي هو المهووس بالصراع مع ميشيل ومن شابهها، يُحضِّر جيدًا مع صديقه لعملية الاختطاف. صديقه متواضع الذكاء شديد الإخلاص، ربما يشبه الشعوب التي لا تفهم شيئا من هذا الصراع على الإطلاق، لكنها تصدق في طرف من الطرفين في أمل زائف بتغيير وضعها. هذه هي الشخصيات التي نراها بشكل أساسي طوال الفيلم في مواقع تصوير ليست بالكثيرة، وإلى جانبهم نرى والدة تيدي المريضة وضابط الشرطة الذي يحقق في اختفاء ميشيل كشخصيات فرعية.

لا تختلف الصورة وشريط الصوت كثيرًا عن أفلام لانثيموس السابقة، إلا أنه لا يستخدم أي نوع من الإبهار البصري الضخم كما في حال «أشياء مسكينة» ولا حكايات متعددة كما في «أنواع الطيبة». ولكن ربما يعود كما ذكرنا من قبل إلى دراما «سن الكلب» و«قتل غزال مقدس» في تقليل الشخصيات والأماكن والاعتماد على الحوار الغريب، مع بعض لحظات من العنف أو القسوة المخلوطة بالكوميديا العبثية. وهو هنا ربما يحظى الآن بمساحة حرية فنية أكبر، بعدما أصبح واحدًا من المخرجين النجوم الذين ينتظر العالم أعمالهم.

لا يقدم لانثيموس أي شيء غريب على عالمه الذي صنعه منذ فيلمه الطويل الاول، لكنه يبقى في وسط معظم إنتاجات السينما العالمية، واحدًا من أكثر المخرجين الذين تحفز أعمالهم عقول المشاهدين للتفكر في ما يحدث في العالم، لكن دون خسارة صوته السينمائي الخاص.
ويمكننا القول إن لانثيموس، الذي صنع فيلمه الروائي الطويل الأول عام 2005، استلزمه الأمر 20 عامًا من تجربة خلطات فنية مختلفة، ليصنع أفلامًا لا يشبه فيها غيره، ولكن بتأثير وبجماهيرية أكبر بكثير، فأصبح واحدًا من أهم معاصري السينما الفنية الذين لم يرضوا بمكان على هامش الصناعة.
اقرأ أيضا: رحلة عابرة للثقافات وأداء مبهر… ماذا قال النقاد عن فيلم «هجرة»؟