فاصلة

مقالات

«بلاد آرتو»: فيلم مهذّب عن وطن ممزّق

Reading Time: 5 minutes

«لم أعد أعيش في أرمينيا، لكنها تطاردني كطرف مبتور، تسكنني كطيف. لماذا أعود إليها مرارًا؟ ولماذا هذا التوق العارم لتصويرها مرةً بعد مرة؟ هناك قلق يدفعني، وتساؤلات لا تهدأ…». 

هكذا تعبّر المخرجة الأرمنية تامارا ستيبانيان عن علاقتها المعقّدة بوطنها الأم، في سياق حديثها عن فيلمها الروائي الطويل الأول، «بلاد آرتو»، الذي افتتح الدورة الثامنة والسبعين من مهرجان لوكارنو السينمائي (6 – 16 آب).

في بضع جمل مكثّفة، تختصر ستيبانيان (43 عامًا) إحساسها تجاه بلد وُلدت فيه وعاشت حتى طفولتها، قبل أن تغادره إلى لبنان، حيث أمضت جزءًا من شبابها، لتكمل لاحقًا دراستها في الدانمارك، فتستقر في فرنسا. هذا المسار المتشظّي، بكلّ ما فيه من انتقالات وانقطاعات، يمنح صوتها صدى مزدوجًا بين الانتماء والاغتراب، ويجعل من أرمينيا، بلد الأجداد، ليس مجرد خلفية جغرافية، إنما مادة سياسية وبصرية ونفسية يصعب النظر إليها بمعزل عن عملية تشكيل الهوية، تحديدًا لمن نشأت هويتهم بين ثقافات متعددة، وأُجبروا على العيش بعيدًا من مسقطهم.

بعد سلسلة من الأفلام الوثائقية التي خاضت فيها ستيبانيان الواقع المباشر، يأتي «بلاد آرتو» بوصفه منعطفًا جديدًا في مسيرتها. فيلم روائي طويل، لكنه يحمل في نسيجه عناصر من التجربة الذاتية، ورغبة واضحة في التنقيب في مكان لا يزال مثقلًا بالجراح.

«بلاد آرتو»: فيلم مهذّب عن وطن ممزّق
In the Land of Arto (2025)

تدور أحداث الفيلم في عام 2021، مع وصول سيدة فرنسية تُدعى سيلين (كاميّ كوتان) فقدت زوجها حديثًا، إلى العاصمة الأرمنية. لقطة بعد لقطة، نكتشف أنها جاءت لاستكمال إجراءات إدارية تتيح لولديها الحصول على جنسية «وطن» كان هو غادرها إلى باريس حيث تعرّف إلى أمهما في مطلع الألفية.

في البداية، يبدو هدفها بسيطًا: البحث عن اسم الزوج في السجلات الرسمية. لكن زيارتها لإحدى الدوائر الحكومية تكشف عن مفاجأة: الرجل مسجّل باسم آخر. من هنا، يبدأ التوتّر في التصاعد. هل كان يخفي عنها شيئًا جوهريًا طوال سنوات زواجهما؟ هل عاش بوجهين: أحدهما مات مقاتلًا في الحرب مع أذربيجان في الثمانينات، وآخر أعيدت ولادته في فرنسا تحت هوية جديدة واسم جديد؟ 

تدفع هذه الأسئلة السيدة إلى التوغّل، من دون تخطيط مسبق، في مستويات من التاريخ الشخصي والجماعي، في محاولة لفهم بلد جريح ومجتمع مثقل بالتاريخ المحفور في الأجساد والوثائق والخرائط. رحلتها التي بدأت كإجراء إداري عادي، سرعان ما تتحوّل إلى ارتطام مباشر بحقائق الحرب والهوية والذاكرة والإصرار على البقاء.

لفهم السياق الأوسع، لا بدّ من الإشارة إلى أن آخر حرب كبرى اندلعت بين أرمينيا وأذربيجان وقعت في خريف عام 2020، واستمرت 44 يوماً، وعُرفت بحرب مرتفعات قره باغ الثانية، استعادت أذربيجان، بدعم عسكري وسياسي من تركيا، أجزاء من هذا الإقليم والمناطق المحيطة به، كانت تحت السيطرة الأرمنية.

من أجل أن تقول شيئًا عن بلد معقّد، تختار المخرجة وجهًا خارجيًا عن الصراع والثقافة والمكان. إذ أن السيدة الفرنسية تدخل إلى أرمينيا من دون أن تكون على دراية حقيقية بما يجري في البلاد. «جهلها» هذا يُجبر فتاة تلتقيها (زار أمير إبراهيمي)، في أحد المشاهد، على أن ترسم لها خريطة الوطن، موضحةً ما صودر من أراضيه وما تغيّر من ملامحه بفعل الحروب. هذه الفرنسية تمثّل، بشكل رمزي، المُشاهد الغربي الذي لا يملك معرفة كافية بما يحدث في القوقاز. فالصراع الأرمني الأذري لا يحتل موقعًا متقدّمًا في أجندة الإعلام الدولي، وليس له وزن رمزي أو سياسي مشابه للقضية الفلسطينية مثلًا، ما يتركه في هامش الاهتمام العالمي على غرار ما يحدث في السودان.

«بلاد آرتو»: فيلم مهذّب عن وطن ممزّق
In the Land of Arto (2025)

تبدو سيلين كأنها «الضمير الصامت» أمام مأساة غير مرئية، وتُمثّل في الوقت ذاته مجتمعًا لا يعنيه ما لا يهدّد مصالحه. هذه الفكرة غير منطوقة في الفيلم (لحسن حظّنا)، لكنها محسوسة باستمرار، من خلال امرأة عاشت سنوات مع رجل لم يشاركها ماضيه، معتّمًا على جزء من هويته.

اختيار المخرجة لهذا المنظور ليس من دون مجازفة. فالسرد يبدو أحيانًا وكأنه موجّه الى هذه السيدة وحدها، أو مفصَّل وفق وعيها المحدود، كأن الأحداث تُقدَّم لها على نحو تفسيري أو توضيحي. وقد يكون التعاون الإنتاجي الأرمني – الفرنسي هو ما فرض هذه الصيغة في الكتابة والبناء الدرامي.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذه الشخصية، كامرأة وأم وأرملة، تتعامل مع ما تكتشفه بصدق وتردّد وعفوية، محافظةً على مسافة بينها وبين ما تراه في البداية، قبل أن تجد نفسها منخرطة بالكامل في واقع لا يمكن التراجع عنه. يتم ابتلاعها داخله، لا بفعل التزام مسبق، إنما انطلاقًا من حاجتها إلى الفهم، الفهم المتأخّر لما أُخفي عنها طويلًا، ولما بات يشكّل جوهر ما تبقى من حياتها.

وإذا كان البعد الوجداني للفيلم حاضرًا بوضوح، فإن المستوى السينمائي لا يرقى إلى التوقّعات، ذلك أن الفيلم يعاني من علل عدة تمنعه من تحقيق اكتمال فنّي. يسود في النصّ السينمائي مزاج من الكآبة والوجودية، لكنه مزاج معزول لا يُنتج أثراً ملموساً، ولا يتحوّل إلى تجربة متماسكة. ولعلّ أكثر ما يثير الانزعاج هو الحوارات المصطنعة التي تبدو في أحيان كثيرة كأنها سلسلة شكاوى متواصلة، أقرب إلى خطاب عاطفي منها إلى تعبير طبيعي عن شعور أو موقف.

«بلاد آرتو»: فيلم مهذّب عن وطن ممزّق
In the Land of Arto (2025)

عندما تتحدّث زار أمير إبراهيمي، فإنها لا تتحدّث، بل تتوسّل انفعالًا لا يأتي، كأنها تبكي من الداخل بلا دموع، في أداء يسعى باستمرار لانتزاع تعاطف المُشاهد، لكنه يفشل لسبب جوهري: نحن، ببساطة، لا نصدّق.

التمثيل، في العديد من المشاهد، لا يقتصر على الضعف والبهتان، بل يخطئ الهدف بالكامل. الأداء لا يجد صدى لدى المتلقّي، ولا يثير تجاوبًا، بل يتردّد في فراغ سمعي بصري تام. هذا الفشل في الإقناع يُسقط الفيلم في هوّة عميقة، إذ يبدأ تدريجيًا في التبخّر من الذاكرة فور ظهور أسماء التتر. الأثر محدود للغاية، والانفعال، حتى ذلك المتنامي ببطء، يبقى غائبًا، وكأن الفيلم لا يسعى أصلاً لبثّه.

نحن أمام مجموعة لقطات مستقلّة، مكتفية في ذاتها، تنظر إلى انعكاسها في المرآة. يتنقل المشاهد طوال ساعة ونصف ساعة تقريباً بلا اتجاه واضح، من دون أن يتعلّم الكثير عن الصراع، وهنا لا نعني فقط غياب «المعلومة»، بل غياب الشعور الأعمق، والانخراط الوجداني والبصري الذي يتيح للمُشاهد أن يفهم العالم من منظور السينما.

بضع نوتات غيتار على مَشاهد للطبيعة الملتقطة من سيارة لا تصنع تأثيرًا، خصوصًا عندما تفتقر إلى أي بُعد ثقافي يربطها بأرمينيا وتاريخها. الفيلم، في نهاية المطاف، يفشل في التقاط ما هو جوهري عن الواقع الأرمني، عن بلد يعيش في ظلّ حرب باردة دائمة مع جار لا يمكن الوثوق به. بدلًا من ذلك، نقضي وقتًا طويلًا في مشاهد انتقالية، معظمها داخل سيارة، لا تؤدّي وظيفة درامية واضحة، ولا تُراكم أي غاية تُذكر.

«بلاد آرتو»: فيلم مهذّب عن وطن ممزّق
In the Land of Arto (2025)

أفكار الفيلم تظلّ في طور المسودة. بعضها يُطرَح ولا يُستكمَل، وبعضها الآخر يُقطَع قبل أن يجد امتداده الطبيعي، كالمشهد الجوي الملتقط بالدرون الذي ينتهي قبل أن يمنحنا لحظة تأمّل. لا وحدة حقيقية تجمع بين المشاهد، إنما اختلال واضح في البنية وغياب للتناغم وارتباك في الإيقاع.

هذا الارتباك ينسحب حتى على منطق الشخصيات. فهل يُعقل أن تنخرط سيدة مثل سيلين بهذا الطبع المتحفّظ في مغامرة الذهاب إلى الجبهة وبكلّ هذه البساطة؟ هناك نوع من التساهل أو الاستخفاف في معالجة هذا الخيار الدرامي، يفاقمه الإخراج الذي يتعامل مع المواقف بسطحية. كلّ شيء يبدو مفصّلًا للكاميرا أكثر ممّا هو نابع من الحاجة السردية، حتى حركة الكاميرا نفسها، تبدو غالبًا كأنها مجرد زينة.

يخرج المُشاهد من «بلاد آرتو» بانطباع أن تامارا ستيبانيان لم تملك الكثير لتقوله سوى الجملتين التي افتتحتُ بهما هذا المقال عن علاقتها المتوترة بوطنها. في النهاية، نحن أمام نصّ سينمائي مهذّب، لا يسيء إلى أحد، لكنه أيضًا لا يخدم شيئًا. بلا أفكار كبيرة، بلا تأثير عميق، مجرّد عمل لطيف. وهو دليل إضافي على أن ارتباط المخرج الوجداني بموضوعه لا يكفي، في ذاته، لصنع فيلم كبير.

اقرأ أيضا: مهرجان لوكارنو: حين تنطق الشاشة بأكثر من لغة

شارك هذا المنشور