هل يمكن إقامة مهرجان سينمائي كبير، في حجم برلين أو كانّ أو البندقية، من دون هوليوود، ومن دون نجوم السجّادة الحمراء والقامات الوازنة التي طالما صنعت «القيمة المهرجانية» وأعطتها بريقها العالمي؟
هذا هو السؤال الأول الذي قد يخطر في بال مَن يطالع برنامج الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي (البرليناله)، المنعقدة هذا العام بين 12 و22 فبراير.

في دورة ثانية تتولاها البريطانية الأميركية تريشا توتل، يبدو المهرجان غارقًا تحت كمّ من الأفلام التي قد توهم المتصفّح لوهلة بأنه أمام برنامج أقرب إلى روتردام أو لوكارنو منه إلى إحدى أهم ثلاث تظاهرات سينمائية. وكأن هناك توجّهًا واعيًا لإعادة حصر «البرليناله» داخل إطار واحد: سينما المؤلف، المحمولة على الظهر، الحميمية، ذات الموقف الأخلاقي الواضح من العالم، الملتزمة فكريًا وجماليًا، تلك التي مطلوب منها أن تقول شيئًا، دائمًا وفي كلّ لحظة.

كلّ المآخذ التي وُجّهت إلى المدير الفنّي السابق كارلو شاتريان، ها هي توتل، عن قصد أو من دونه، تُكرّسها وتدفع بها خطوة إضافية إلى الأمام. مع ذلك، لا بد من الاعتراف — وللمرة الألف تكرارًا لا ترفًا — بأن الاطلاع على عناوين الأفلام وأسماء مخرجيها لا يكفي للحكم على دورة كاملة. فقد تكون هذه النسخة من المهرجان دقيقة في خياراتها، متماسكة في مشروعها الثقافي، واضحة في توجهاتها، حتى وإن بدت على الورق أحادية النبرة. الدليل الأوضح على «خطورة» الأحكام المسبقة، هو ما شهدناه في الدورة الماضية من مهرجان البندقية، التي جمعت نخبة من ألمع الأسماء، لكنها خرجت مخيبة في المحصلة.
لكن لا بأس بذلك. فالتوقّعات المسبقة جزء لا يتجزأ من اللعبة السينيفيلية، بل تحوّلت مع الوقت إلى طقس مواز للمهرجانات نفسها، نتمسّك به رغم إدراكنا فجوة شبه دائمة بين ما ننتظره على الورق، وما نكتشفه فعليًا حين تُطفأ الأنوار وتبدأ الأفلام في الكلام.
خسرت «البرليناله» الكثير خلال السنوات الماضية، حين تحوّلت تدريجًا إلى ما يشبه ساحة لصراع سياسي، ولا سيما في ما يتّصل بالنزاع الدائر في الشرق الأوسط. ويبدو اليوم أن الوقت قد حان لإجراء إصلاحات ضرورية في هذا النهج، بعدما أفضى في الدورتين الأخيرتين إلى كوارث يصعب تبريرها أو احتمالها.
فالمهرجان الذي لم يُخفِ يومًا كونه مُسيَّسًا — بل مُسيَّسًا إلى حد بعيد — يظهر هذا العام مؤشّرات خجولة الى نوع من الضبط أو الشدّ الضروريين لمساره. إذ إن السياسة، في ممارستها المباشرة والخطابية، ليست من صميم وظيفة مهرجان سينمائي. نحن لسنا في برلمان أو حزب، للتصويت على قرارات أو إطلاق بيانات، حتى وإن كان كلّ شيء في نهاية المطاف سياسة ومرتبطًا بها.
لا حاجة لاستعراض المواقف السياسية بمعزل عن الأفلام، ولا معنى لفصل الخطاب عن اللغة الوحيدة التي يُفترض أن نتخاطب بها هنا: لغة السينما. وإلا لكان الأجدى كتابة مقالات رأي، أو المشاركة في تظاهرات — وهي ممارسات مشروعة وضرورية في أي حياة ديموقراطية — لكنها ليست ما يُفترض أن يقوم عليه مهرجان سينمائي دولي.
هذا الخلط الفادح بين الأدوار بالإضافة إلى الدس المستمر لأفلام «ووكية»، أساءا إلى «البرليناله» ووضعاها في أسوأ موقع لها منذ عقود، إلى درجة بات معها من الصعب العثور على أكثر من عدد محدود جدًا من الأفلام الجيدة في كلّ دورة، بعدما كانت احدى المنصّات لانطلاق كبار السينمائيين، وحاضنة لأسماء صنعت تاريخ السينما الحديثة ونالت «دببة» برلين، من بينهم روبرت ألتمان وترنس ماليك.
***
آلاف القادمين من مختلف أنحاء العالم يحجّون إلى برلين كلّ عام للمشاركة في مهرجانها السينمائي. غير أن «البرليناله» تتميّز عن سواها أيضًا بكونها مهرجانًا شعبيًا يستقطب في كلّ دورة عشرات الآلاف من المتفرجين، ذلك أن حضورها لا يقتصر على النقّاد والمهنيين وحدهم.
ما نراه نحن النقّاد، أو ما نقرأه في البرامج والاختيارات، لا يمثّل في الضرورة الصورة الكاملة ولا الحقيقة المطلقة. فإدارة المهرجان تنظر إلى الحدث من زوايا أخرى، تحكمها اعتبارات متعدّدة: من تنشيط سوق الفيلم الأوروبي ودعم السينما الألمانية التي كثيرًا ما تبقى «محلية» إلى إعادة إحياء منطقة بوتسدامر التي عاشت فترة من الركود — وهو ما تجلّى مثلًا في إنشاء صالة «بلوماكس» العام الماضي لعرض أفلام قسم «برسبكتيف perspective » — وصولًا إلى توفير فضاء حيّ وجذّاب للسينيفيليين كي يمارسوا شغفهم وهوياتهم الثقافية المفضّلة… واللائحة طويلة.
المصالح هنا متعدّدة، وقد تتقاطع أحيانًا، لكنها لا تتطابق. فالمهرجان، في نظر الناقد أو المُشاهد الشغوف، يُختصر في أفلام جميلة تُشاهَد أو نجوم يُصفَّق لهم. نأتي بعد انتهاء كلّ شيء لنطلق أحكامنا. أما بالنسبة للإدارة، فهي شبكة معقّدة من التفاصيل، يجب أن تخدم عشرات الاعتبارات المتوازية، من بينها إتاحة المجال لجهات من مختلف أنحاء العالم كي تتواصل في ما بينها، خدمةً لصناعة السينما التي لا تزال تُعامَل باعتبارها قدس الأقداس.

ورغم اختلاف الثقافات وتباين الرؤى في مقاربة العالم، تبقى السينما نقطة التقاء. وبرلين مدينة ثقافية متاهية، فيها المتن والهامش: من حركات الأندرغراوند إلى المجموعات البديلة، ومن التجارب الطليعية إلى أشكال التعبير الخارجة على السائد. هذا الزخم المستمر يجعل أي حدث ثقافي، مهما بلغت عراقته، مهدَّدًا بأن يبدو قديمًا أو بائدًا في أعين الأجيال الجديدة، التي تميل في طبيعتها إلى نبذ ما تنتمي إليه الأجيال السابقة.
من هنا، يعمل المهرجان أيضًا على استقطاب هؤلاء الشباب، حتى وإن بدت المهمّة أصعب فأصعب، خصوصًا في بلد يشهد تراجعًا ملحوظًا في الإقبال على صالات السينما. ومع ذلك، قد تشكّل مبادرات مثل تخصيص تذاكر بأسعار منخفضة (ستة أورو) خطوة في الاتجاه الصحيح، تساهم في ضخ دم جديد في جسد المهرجان، وتؤمّن له استمراريته ومستقبله.

تضم المسابقة هذا العام 22 فيلمًا، تغطّي ليس فقط مناطق معتبرة من العالم، بل أيضًا مفاهيم سينمائية وأساليب معالجة متعدّدة. صحيح أننا سنأسف دائمًا لغياب مخرجين مثل ترنس ماليك أو بدرو ألمودوفار، الذين يشبه حضورهم حضور الملاك الحارس على الفنّ السابع، لكن لا بأس، كلّ ما نتمنّاه أن تكون هذه الأفلام نتاج إرادة المبرمجين، لا مجرد ما استطاعوا الوصول إليه.
في هذه المجموعة المتنوعة، التي ستشغلنا صباحًا وظهرًا ومساءً على مدار 12 يومًا (المجتهدون يصلون إلى برلين عشية الافتتاح)، نجد كلّ شيء تقريبًا: من التونسية ليلى بوزيد، إلى السنغالي آلان غوميس، وصولًا إلى الألمانية أنغيلا شانلك والتركي أمين ألبر. أما المواضيع، فتتكشّف تباعًا مع المشاهدة، علمًا أن طيف الأمومة هو الذي سيطر على برنامج «البرليناله» العام الماضي.
لكن المهرجان ليس محصورَا في المسابقة وحدها. فهناك برامج موازية مثل بانوراما، برسبكتيف، أجيال، فوروم، وغيرها، تستحق التوغّل فيها، خصوصًا إذا كان المرء مدفوعًا بحس الفضول والمغامرة واستكشاف سينما خارج المألوف.
***

ثماني سنوات بعد تولّي الألماني توم تيكفر رئاسة لجنة التحكيم، يتسلّم مواطنه فيم فندرز هذا المنصب. وبعد دورات عدة أُسنِدت فيها رئاسة لجنة التحكيم إلى أسماء لا تملك التجربة الكافية، أصبح من الجائز القول: لا يصح إلا الصحيح. فصاحب فيلم «باريس تكساس» هو سينمائي كبير، من روّاد السينما الألمانية الجديدة، وواحد من أولئك الذين اكتشفوا السينما في باريس، حين كان يرتاد سينماتيكها الشهير.
فندرز، المغامر السينمائي الذي جاب العالم، عاشق أوزو، عاش الحلم الأميركي بحلوه ومره، وتنقل ببراعة بين الوثائقي والروائي، حتى أنه شارك قبل ثلاث سنوات في مهرجان كانّ بفيلمين، كلّ منهما ينافس الآخر من حيث الجمال والروعة. اليوم، يقف هذا المخرج الثمانيني، ليصبح سادس ألماني يتولّى رئاسة لجنة التحكيم في مهرجان لم تكن علاقته بالسينمائيين الألمان دائمًا على ما يرام، خصوصًا في عهد ديتر كوسليك.

في المقابل، أحاول جاهداً أن أفهم سبب التكريم الموجّه إلى الماليزية ميشال يو. صحيح أنها ممثلّة بارعة، لكن إذا افترضنا أن التكريم يخضع لمنطق الأولويات، فهناك العديد ممّن يستحقون رد الاعتبار أكثر منها، وممّن قد لا يسعفهم الوقت لفرصة تكريمية أخرى. ومع ذلك، مرة جديدة، لا نطلع على ما يدور في خلد المنظّمين، لعلّهم يعرفون ما لا نعرفه نحن.
مع ساندانس وروتردام، يُعدّ برلين من بين المهرجانات التي تختار موسم الشتاء توقيتًا لها. ومن هنا، تعلن «البرليناله» انطلاق العام السينمائي، الذي يتزامن أيضًا مع ما يُعرَف بموسم الجوائز.
صحيح أن درجات الحرارة لم تعد كما كانت قبل 15 أو 20 عامًا، حين كان المنظّمون يخشون أصغر شعاع للشمس، خوفًا من أن يتوزّع المشاهدون على المقاهي المجاورة والمساحات الخارجية، إلا أن برلين لا تزال مهرجان الصوف والمعطف الثقيل والشمسية والكفوف، والعتمة التي تخرج فيها صباحًا (إذا ما سكنتَ بعيدًا من مقر المهرجان)، والهواء الذي يعصف بوجهك ليلًا وأنت عائد إلى الفندق بعد آخر فيلم. هناك مَن يرتاح في هذا الجو. صحيح أن البرد أفضل للتفكير.
كلّ هذا يمد المهرجان بطابعه الخاص، المحصور في المشاهدة والكتابة، وبعض اللقاءات الحميمة التي تجري دائمًا في مساحات دافئة، بعد سقوط الليل، مع الأصدقاء والزملاء وأناس نعرفهم ولا نعرفهم. ولأن السينما من أفضل وسائل السفر، أكان معنويًا أو جسديًا، فهيّا بنا إلى برلين، لنتسلل إلى عوالمها، ونكتشف ماذا ينتظرنا في شتائها الثقافي.
اقرأ أيضا: السينما العربية في برلينالة 76: أسئلة الهوية بألف صيغة