ما الذي يمكن أن يمثله مهرجان سينمائي عريق ومهم مثل برلين بالنسبة لصناعة الأفلام في السعودية ونهوض مرحلة جديدة وقوية من الحضور السينمائي داخل المملكة وخارجها؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة نحو عشر سنوات إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 2016، عند لحظة اللقاء الأولى. حينها شارك المخرج والمؤلف محمود صباغ في مهرجان برلين ضمن قسم «الفيلم الأول» بفيلمه «بركة يقابل بركة»، وتمكن من حصد جائزة لجنة التحكيم المسكونية (Ecumenical Jury)، مناصفةً مع الوثائقي الدنماركي «الذين يقفزون».

كان ذلك، ولا يزال، إنجازًا سعوديًا فريدًا في تاريخ سينما حديث العهد، إلى درجة تثير الدهشة حين نقارن حجم الإنجاز بقصر التجربة.
وعلى المستوى الشخصي، أعود خطوة إلى الوراء، إلى ما قبل هذه المشاركة ببضعة أشهر، حين وصلتني دعوة خاصة من المخرج محمود صباغ لحضور العرض الأول للفيلم في دبي، وذلك قبل افتتاح صالات السينما في السعودية عام 2017. في ذلك الوقت، كنت أعرفه ككاتب مثقف، وباحث معتبر، يمتلك وعيًا فنيًا وهمًّا ثقافيًا واضحًا، وصاحب اهتمامات سينمائية ودرامية متعددة. وكنت، بدوري، قد قطعت شوطًا طويلًا في الكتابة السينمائية والنقد الفني، ما جعل مثل هذه الدعوات متوقعة، لكنها في الوقت نفسه محرِجة بعض الشيء؛ إذ تضعك أمام اختبار المجاملة المهنية، حين يتعيّن عليك أن تكون لطيفًا ومهذبًا في عبارات الثناء، أو أن تحاول التهرّب بعد المشاهدة، حتى لا تُضطر إلى الإفصاح عن رأيك الصريح.

اليوم، وبعد مرور عشر سنوات على تلك اللحظة، وبعد أن قدّم الصديق والمخرج الجميل محمود صباغ فيلمين آخرين عقب «بركة يقابل بركة»، أحدهما كان جيدًا، وهو «عمرة والعرس الثاني»، والآخر أعدّه من بين أفضل الأفلام السعودية، إن لم يكن الأفضل، «آخر سهرة على طريق ر»، يمكنني القول بارتياح إن «بركة يقابل بركة» لم يعجبني بقدر فرحتي بمشاركته العالمية وتسجيل حضوره الناجح.
ولا يعني ذلك، بأي حال، أن الفيلم يفتقر إلى جماليات سينمائية أو إلى معانٍ مهمّة؛ غير أنني، في حينه، رأيت قدرًا من بساطة المعالجة وافتعال المعنى، بما لا ينسجم تمامًا مع قوة محمود وعمقه الفكري المعروفين، إلى جانب نزعة تنفيذية أقرب إلى التقليدية. وهي أمور استطاع محمود أن يتجاوزها سريعًا وبذكاء، عبر عمق أوضح ونضج فني لافت في فيلميه اللاحقين.
ومع ذلك، سيكون هذا التقييم مجحفًا إذا ما نظرنا إلى الفيلم خارج سياقه التاريخي. فعند استحضار تلك اللحظة، ندرك أننا أمام واحد من أفضل الإنتاجات السعودية الطويلة في ذلك الوقت. إذ يحفل الفيلم بقدر غير قليل من جماليات التصوير وتنفيذ المشاهد، كما أن فكرته جاءت ضمن سياق اجتماعي مختلف عمّا نعيشه اليوم، قبل أن يتّسع فضاء الحرية العامة ويصبح المجتمع أكثر تقبّلًا للعديد من الممارسات الاجتماعية البريئة والعفوية.

في ذلك الوقت، كان الفيلم يعكس واقعًا اجتماعيًا حادًا يتعلق بالمرأة والقيود والعلاقات، من خلال قصة بسيطة وطريفة في آن. شاب بسيط يُدعى بركة (هشام فقيه)، يعمل في وظيفة عادية للغاية كموظف في البلدية، يتعرّف، بطريقة ما، على فتاة تبدو أكثر عصرية وتنتمي إلى طبقة مختلفة، اسمها أيضًا بركة (فاطمة البنوي). تنشأ بينهما علاقة عاطفية خجولة، لا تعيقها سوى مشكلة واحدة: كيف يمكن أن يلتقيا؟

ومن خلال محاولات متكررة للقاء في المطاعم والحدائق، وعلى كورنيش البحر، وحتى في الفعاليات الرسمية، تتولد سلسلة من المواقف الكوميدية والطريفة. يتناول المخرج هذه القصة الرومانسية اللطيفة بأسلوب ساخر وخفيف، ليبني عبرها إسقاطات اجتماعية وثقافية كان التعبير عنها في ذلك الوقت ينطوي على قدر من الجرأة والتحدي. وهو ما يمنح الفيلم قيمة تاريخية خاصة، وأهمية تتجاوز سياقه الفني الخالص.
حين استجبتُ آنذاك لدعوة المخرج الصديق محمود صباغ، وسافرت إلى دبي لحضور العرض، كنتُ منتشيًا بهذه اللحظة، مستندًا إلى متابعتي الطويلة للسينما السعودية وكتابتي المتواصلة عنها، وحضوري المتواصل لمناسباتها عبر سنوات ممتدة. كانت فكرة واحدة تسيطر عليّ: «هنا قفزة مهمة في تاريخ الأفلام السعودية». ومن المؤكد أننا لا ينبغي أن ننسى القفزات والخطوات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، وإلى ما نطمح أن نكونه.

فعند العودة قليلًا إلى الوراء، سنجد محطات مفصلية لا يمكن تجاوزها: بدءًا من أول فيلم سعودي طويل عام 2006، «ظلال الصمت»، للمخرج عبد الله المحيسن، مرورًا بفيلم «مناحي» عام 2008 كأول فيلم سعودي يُعرض جماهيريًا، ولو بشكل محدود، وسط ظروف مضطربة آنذاك، وصولًا إلى القفزة الكبرى مع فيلم هيفاء المنصور «وجدة» عام 2012، الذي حقق حضورًا عالميًا لافتًا في فينيسيا ولندن، وترشّح لفئة أفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية في جوائز البافتا، كما اختير لتمثيل السعودية في ترشيحات الأوسكار. في هذا السياق، جاء «بركة يقابل بركة» كخطوة جديدة تعزز شغف السينمائيين السعوديين وإصرارهم على إيصال أصواتهم وتقديم رؤاهم، فضلًا عن كونه فيلمًا مشبعًا بروح نقدية واضحة وتميّز فني قياسًا بما سبقه.

وأتذكر في تلك المناسبة الفريدة أنني التقيت بالعديد من الأسماء التي تشكّل اليوم موجة شبابية مؤثرة في صناعة الأفلام السعودية. وأستحضر على وجه الخصوص شابًا في بداية العشرينات، كان لافتًا وممتعًا في صناعته للمحتوى عبر الإنترنت، وفي غرائبية أفلامه القصيرة، قبل أن يقدّم عام 2023 أحد أفضل الأفلام السعودية في السنوات الأخيرة، «ناقة»، ويكرّس اسمه، مشعل الجاسر، كمخرج يُعوَّل عليه وتُنتظر أعماله.
وما أرمي إليه من خلال هذه الذكريات هو الإشارة إلى مستوى الأثر الخفي الذي يمكن أن تصنعه أسبقية أفلام مثل «بركة يقابل بركة»، في تعزيز الطموح والرغبة في الوصول والنجاح. وهو أثر بات اليوم أكثر وضوحًا وقوة، مدفوعًا بالدعم الكبير الذي تقدّمه الدولة السعودية، عبر جهاتها المعنية بالثقافة والفنون، لصناعة السينما السعودية.
اقرأ أيضا: السينما العربية في برلين 76: حضور يتجاوز العدد إلى الأسئلة