فاصلة

مراجعات

«بابا والقذافي»… هل يمكن لرجل أن يتبخر؟

Reading Time: 4 minutes

دبلوماسي ليبي وناشط حقوق إنسان يختفي فجأة من فندق بالعاصمة المصرية القاهرة، أثناء حضوره لفعاليات مؤتمر تابع للجامعة العربية، ابنته التي لم يكن عمرها قد تجاوز الست سنوات في ذلك التوقيت، تعيد تركيب قطع الأحجية لتحكي حكاية الأب، وتحكي معها حكايتها. 

هذا ما نتتبعه في الفيلم الوثائقي «بابا والقذافي»، للمخرجة جيهان الكيخيا، عن قصة والدها منصور الكيخيا، الرجل الذي يعتبره كثيرون قائد المعارضة السلمية في زمن القذافي. حظي الفيلم بعرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا لعام 2025 ثم حظي بعرض عربي ضمن فعاليات مهرجان الدوحة في شتاء نفس العام. 

كيف تصبح حكاية الكيخيا مرآة لزمن الأحلام الكبرى والجرائم الكبرى والأهم كيف تصبح في النهاية رغم حميميتها الشديدة جزءًا من صورة أكبر لسؤال الهوية؟ 

زمن الأحلام الكبرى

يعتمد الفيلم في جزء كبير على لقطات أرشيفية نتتبع من خلالها ما يمكن وصفه بأنه زمن الأحلام الكبرى في المنطقة العربية، زمن التحرر من الاستعمار: رحلات الأب منصور الكيخيا في أوروبا، صعود القذافي السريع للسلطة، وعلاقته بجمال عبد الناصر. 

تبدو الحكاية في فصلها الأول كأنها علاقة مثالية بين رجلين يكمل كلٌّ منهما الآخر: الكيخيا دبلوماسي وخطيب بارع بالعربية والإنجليزية والفرنسية، مفكر سياسي محنّك ومؤمن بالتحرر الوطني والقومية العربية. أمّا القذافي، فرجل عسكري مولع بجمال عبد الناصر وحلم القومية العربية، يمتلك الحضور والقوة.

عمل الكيخيا بالفعل كوزير للخارجية، دافع عن نظام القذافي في بداية فترة حكمه، نرى هنا القذافي كشاب في العشرينيات يصرح بأنه مجرد جندي في جيش ناصر، والكيخيا يعد بأن النظام الجديد سيرسي مبادئ العدالة الاجتماعية في ليبيا. 

لكن زمن الأحلام الكبرى لم يستمر طويلا. 

بابا والقذافي (2025)
بابا والقذافي (2025)

واقع الجرائم الكبرى 

لا يؤجل الفيلم جريمة اختطاف منصور الكيخيا ليسردها كمفاجأة، بل يخبرنا بها من البداية، ترك الرجل أسرته في فرنسا وذهب لمؤتمر في القاهرة عام 1993 ثم اختفي هناك، نعود لندرك علاقة الكيخيا والقذافي كفلاش باك طويل في الثلث الأول من الفيلم، ثم نعود لتفاصيل الجريمة وسريالية الاختفاء في الفصل الثاني من الفيلم.

يتتبع الفيلم من خلال لقطات أرشيفية كيف تحول القذافي من شاب حالم لرجل ممتلئ بجنون السلطة، نرى مشاهد لعمليات تصفية وإعدام المعارضين لحكمه، ثم نرى كيف انفصل منصور الكيخيا عن النظام الليبي وبدأ حياة جديدة كمعارض سلمي من الخارج، كيف عاش مع زوجته الفنانة التشكيلية السورية بهاء العمري في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم كيف غادر إلى فرنسا رفضًا منه لأن يكون أداة في يد النظام الأمريكي للضغط على القذافي، ثم مرة أخرى كيف حدثت حادثة اختفائه من القاهرة بغرائبية شديدة. 

كل هذا كان يمكن أن نشاهده ضمن تقرير إخباري مطول، لكن كيف تحولت هذه الحكاية إلى فيلم سينمائي تسجيلي؟

بابا والقذافي (2025)
بابا والقذافي (2025)

مزيج أرشيفي تسجيلي 

تعتمد جيهان على مونتاج متداخل بين اللقطات الأرشيفية من المحطات الإخبارية والأرشيف الشخصي الخاص بعائلتها، تتداخل تقرير رسمية حول أبيها، حول القذافي، حوارات أبيها مع قنوات إخبارية، وبين لقطات فيديو أسرية وحميمية لها ولأسرتها داخل بيوتهم في أمريكا وفرنسا، تتحول الفيديوهات الشخصية التي كانت تصورها والدتها لها كتوثيق لطفولتها، وكرسائل من الأسرة للقذافي لاستعطافه لإظهار منصور الكيخيا وإعادته لأهله وأطفاله إلى مادة فيلميه تقوم بدور البطولة الشاعرية داخل هذه السردية الفيلمية. 

العنصر الثالث الذي تضيفه جيهان هنا هي مقابلات مع والدتها، عائلة والدها وأصدقائه، ثم أخيها في نهاية الفيلم، وبعض ممن تظن أنهم ربما يملكون معلومات عن ما حدث لأبيها.  يختلط أسلوب هذه المقابلات بين التوثيقي الكلاسيكي بأسلوب الرؤوس المتكلمة، للشخصي الذي يجمع المخرج نفسها أمام الكاميرا بمن تحدثه، بالاستقصائي حين نسمع الصوت دون أن نرى المتحدث الذي قرر أن يبقى مجهولًا خوفًا على سلامته. 

يعمل الفيلم هكذا كعمل تسجيلي ممتع، يوفر قدر من التشويق ولحظات التكشف التاريخية لمشاهديه، لكن قيمته الأهم تأتي من خارج الحبكة. 

بابا والقذافي (2025)
بابا والقذافي (2025)

أنا وأبي أو من أنا ومن أبي؟

ما يسرده الفيلم بشكل مباشر هو حكاية اختفاء منصور الكيخيا، علاقته بالقذافي، محاولات البحث عنه، ذهاب ابنته للقاهرة لمحاولة فك طلاسم يوم اختفاءه، مقابلة زوجته للقذافي نفسه في خيمة داخل الصحراء لسؤاله عن زوجها المفقود، رحلة الأسرة للبحث عنه داخل ليبيا بعد موافقة القذافي على ذلك، كشف تفاصيل الجريمة في النهاية بعد سقوط القذافي ومعرفة تورطه هو وجهازه الأمني في اختطاف وقتل منصور الكيخيا. كل هذا تصحبنا فيه جيهان التي تسرد الفيلم صوتيا لنا من البداية للنهاية. 

لكن ما يسرده الفيلم بشكل غير مباشر هو أمر أكثر عمقًا، حكاية الأب الذي يفتخر في لحظة عابرة داخل الفيلم بأن ابنه يتحدث العربية بطلاقة رغم حياته في المهجر، وحكاية الابنة التي تتحدث بالإنجليزية وبلكنة أمريكية واضحة حتى لو كانت تجيب على أسئلة تطرحها والدتها بالعربية، الأب المؤمن بحلم القومية العربية، والابنة التي تحولت لمراهقة ثم شابة أمريكية، تحتفل بعيد الشكر حتى لو كانت العائلة تسخر منه، حينما ينتهي الفيلم بمونتاج متوازي بين لقطة لجيهان كطفلة وهي تلتفت لأبيها وبين لقطة لها الآن وهي تلتفت لنا، يصبح السؤال ليس عن اختفاء جسد الأب، ولكن عن ما فعلته سنين الغياب في هوية الابنة، لا يمكن لجسد أن يتبخر، لكن هل يمكن لهوية أن تختفي؟

اقرأ أيضا: «بابا والقذافي»… غياب الأب يوقظ سيرة وطن

شارك هذا المنشور