سياسي ليبي، عُرف بنزاهة يده (المعارض والناشط الحقوقي منصور الكيخيا)، اختطفه العقيد معمر القذافي في القاهرة أثناء حضوره مؤتمرًا لحقوق الإنسان، ولم يخرج من سجون الطاغية الليبي حيًا. اغتيل بصمت، كما اغتيل كثير من الأصوات الحرة في ظلال الاستبداد الذي ساد في دول عربية لعقود.
بعد سنوات من الغموض والصمت، تعود ابنته، جيهان الكيخيا، لتنكأ الجراح وتستعيد الذاكرة في محاولة للبحث عن الحقيقة من خلال فيلم وثائقي عذب، صادق، ومشغول بحرفية: «بابا والقذافي»، أول فيلم ليبي يُعرض في مهرجان البندقية السينمائي (٢٧ اغسطس- ٦ سبتمبر) ويشارك في قسم خارج المسابقة. فيلم حافل بالتقاطعات بين العام والخاص، يستعيد سيرة شخصية مأسوية، بقدر ما يرسم خريطة موجعة لتاريخ ليبيا الحديث، ولتجربة العروبة وأحلامها التي طمحت في البداية إلى تحرير الإنسان وانتهت بالقمع والبطش والخذلان.
يجمع كثيرون على أن منصور الكيخيا كان وطنياً نزيهًا، قوميًا عروبيًا، ناصري الهوى، يؤمن بالوحدة بين شعوب المنطقة ويقف في وجه الاستعمار والإمبريالية. تقلد منصب وزير الخارجية لعامين في عهد «ملك ملوك أفريقيا»، لكنه انشق عن النظام حين أدرك أنه لا يستطيع أن يكون إلا ضد تيار الطغيان، فأسّس جمعية لحقوق الإنسان، واصطفّ مع المعارضة في الخارج، ليدفع ثمن قناعته بالاختفاء القسري، ثم الإخفاء، فالقتل. ظلّ اختفاؤه لغزًا لسنوات ولم يعترف أحد عن مسؤوليته في هذا الشأن تاركاً أفراد عائلته في ضياع تام.
كأي عمل سينمائي طموح، يبدأ الفيلم عن الكيخيا لكن لا ينتهي به، معرجًا على فكرة الحلم حين يتعرض للتنكيل. عن وطن يأكل أبناءه (احساس يتشاركه كثر)، وعن أفكار سامية التهمتها الطموحات الفردية والاستبداد. لقد كان الكيخيا ضحية طوباويته، تماماً كما كان ضحية ديكتاتور عزز أسوأ ما في شعبه من غرائز قبلية، ولعب على التناقضات، وابتاع الذمم بالثروة، ليبقى في الحكم اثنين وأربعين عامًا.

جيهان كانت في السادسة حين اختفى والدها الذي حُرمت منه. لا تتذكّر منه سوى ومضات، مشاهد لم تكتمل. ولذلك، اختارت أن تبقى خلف الكاميرا معظم الوقت، تاركةً مهمة السرد والاطلالة لوالدتها، المرأة التي تحولت إلى سيف في الدفاع عن ذكرى زوجها، بصدق لا يُخطئه أحد. على وجهها تُقرأ سنوات من الانتظار والخذلان والألم. نراها وهي تروي القصة، بما فيها من تفاصيل ولقاءات، منها ذلك اللقاء العبثي مع القذافي، حيث أنكر الأخير الجريمة كلياً، تماماً كما أنكر في السابق مسؤوليته عن اختفاء الإمام موسى الصدر، مع فارق أن جثة الكيخيا عُثر عليها، بينما لا يزال مصير الصدر مجهولًا.
تقول جيهان بصراحة: «أنا أعتمد على ذاكرة الآخرين لأستعيد والدي». هكذا، تصبح أمها مرآة للذاكرة، والبوابة التي تعبر منها الابنة لـ«تلتقي» بالأب. ومن خلال لقاءات متعددة مع شخصيات من الصفين، المؤيد السابق والمعارض للقذافي، تتشكّل صورة الطاغية كما لم تُرَ من قبل: صورة قبيحة لرجل لا يرحم، قد تُفاجئ مَن لم يعرف (وهم قلّة)، لكن لا جديدًا لمَن عاصره وشهد ماذا فعل بليبيا وأهلها.
لم تدخر جيهان وسعًا. وضعت يدها على كل ما من شأنه أن يساهم في بناء جدارية تعيد الاعتبار إلى والدها: صور أرشيفية، فيديوهات منزلية، مقابلات تلفزيونية، قصاصات صحف… لا يهم ما إذا كانت المواد «جميلة» أو «صالحة للعرض»، بل المهم هو صدقها. الجمال لا يُقاس بدقّة الصورة، إنما بقدرتها على حمل بعض من الحقيقة. كلّ لقطة، سواء التُقِطت بكاميرا فائقة الدقّة أو بشريط VHS مهترئ، تساهم في خلق لحظة تعبير وصدق، هي أثمن ما يمكن أن يقدّمه فيلم.

وربما، في النهاية، ليس الفيلم عن اختفاء رجل وإرهاب دولة تجاهه، إنما عن الحداد المؤجل، عن إنسان لا يرتاح وجرح لا يُغلق ما لم يُعرف مصير الضحية وتُعرف تفاصيل ما حلّ به. كل مأساة تحتاج إلى جثمان، إلى دليل قاطع، إلى لحظة وداع، إلى قبر نرثي فيه الراحل. وحين تُحرم العائلة من ذلك، يتحول الحزن إلى عذاب مفتوح، فتغدو الذاكرة ساحة معركة. حتى التقرير الذي أصدرته السلطات الأميركية، مؤكّداً بنسبة 97 في المئة أنه ميت، لن يبدّد قلق الزوجة. فكل ما يشغلها هو الثلاثة في المئة المتبقية.
ومع أن الابن تمكن في النهاية من لمس يد والده المسجّى في ثلاجة الموتى، مستعيداً شيئاً من هذا الرابط الأبوي، إلا أن جيهان لم يُتح لها ذلك لأسباب دينية. لكنها استعادت العلاقة بطريقتها، عبر إعادة تركيب صورة الأب على الشاشة، صورة قد تبقى حية لأطول زمن ممكن. أولاد المآسي يتشابهون، وسيفهمون جيهان أكثر من غيرهم.
للفيلم الوثائقي الذي يتحوّل إلى مساحة للاعتراف العائلي والعلاج الجماعي دورٌ متعاظم في العالم العربي، حيث تغيب مؤسسات العدالة والإنصاف، فيتحمّل الفيلم عبء البوح والمكاشفة. ومع تنامي هذا النوع السينمائي، يظل من الصعب تقييم براعة المخرج حين يكون الموضوع متشابكاً حد التماهي مع ذاته؛ إذ قد يُخفق في تقديم قضايا لا تجمعه بها تلك العلاقة العاطفية الحميمة التي شكّلت قوة العمل وضعفه في آنٍ واحد. وهذا رهان آخر لا يقل أهميةً عن رهان جيهان ك. في إنجاز هذا الفيلم.
اقرأ أيضا: رحلة عابرة للثقافات وأداء مبهر… ماذا قال النقاد عن فيلم «هجرة»؟