فاصلة

مراجعات

انغلاق سرديّ يكبّل فيلم القيد!

Reading Time: 3 minutes

«فيلم القيد، تحفة فنية سعودية تُعرض قريبا في السينما» تواترت مثل هذه المواد الصحفية التسويقية في الأشهر القريبة السابقة لعرض فيلم القيد في دور السينما، الأمر الذي أدى إلى رفع سقف التوقعات ومستوى الترقب لدى الجمهور، وتأطير التلقّي بأوصاف وعبارات من مثل (قصة انتقام ملحمية، سينما المغامرات) حاملة في طياتها وعدًا بأن يعيد الفيلم «إحياء الدراما البدوية بأسلوب بصري معاصر يمزج بين الشكل التقليدي وإعادة تشكيل المضمون بطريقة حديثة وجذابة».

تشكل الحملات التسويقية والتقديمات الصحافية عنصرًا أساسًا من عناصر أفق التوقع، بالإضافة إلى النوع/ الجانرا والخبرة السابقة للمتلقي بالسياق الثقافي والاجتماعي الذي يتنزل فيه الفيلم، ومعرفته بتاريخ طاقم العمل وقدراتهم وغير ذلك الكثير، وقد شكّل هذا الأفق المرسوم من كل هذه المكونات قيدًا للفيلم، إما أن يكسره أو ينكسر به!

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

يولّد كسر أفق التوقع قيمة جمالية عالية تتحقق عندما يخاتلك الفيلم ويخالف توقعاتك، أو يوسّعها ويثريها ويأخذها إلى مسارات فنية لم تخطر ببالك، ما يولّد دهشةً أو انفتاحًا على آفاق جمالية وتأويلية، أما حين يحدث العكس، ويغرق الفيلم في الرتابة والضعف والمحدودية، فإن ذلك أسوأ ما يمكن أن يحدث للعمل.

لا يمكنك أن تصنع فيلمًا قويًا إذا لم تكن لديك قصة مؤثرة، ولن تكون القصة مؤثرة ما لم تقدَّم في بنية سردية محكمة وذكية. وللأسف فقد كان فيلم القيد ضحية ضعف القصة وهشاشتها ومحدودية إمكاناتها السردية ومستوياتها النفسية والعاطفية والحكائية!

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

قصة الثأر التي وُصفت – مبالغةً – بالملحمية جاءت رتيبة متوقعة، خالية من المفاجآت أو الانعطافات المثيرة، (سعود) ثائر شاب يلاحق قاتل ابنة عمه المتمرد على أعراف قبيلته وبيئته (رمّاح)، الذي نرى فيه ظلالًا أو ربما امتدادا – بمستوى أدائي أقل بكثير – لشخصية رشاش التي أداها الفنان ذاته (يعقوب الفرحان) شخصية الخارج على الأعراف والقوانين، الجامح الذي لا يتورع عن قتل أي أحد لأي سبب حتى العجائز والأطفال وحتى الربع والأصدقاء!

لقد ألقت القصة المحدودة بظلالها على كافة العناصر الفيلمية الأخرى؛ فجاء الفيلم رتيبًا ومقيّدًا في كل شيء؛ فلم يظهر للبيئة الصحراوية تأثيرها السردي، ولم تلعب دورها الواضح المعتاد في الدراما البدوية أو الصحراوية، واقتصر حضورها – في الغالب – على لقطات بصرية بديعة، تفوقت في استعراض مكونات البيئة الصحراوية بزوايا ومساحات متعددة، ولحظات الصمت التي طالت بعض الشيء، تحفّ بها موسيقى تعد من أجمل التجارب الموسيقية في الأفلام السعودية، أقول الموسيقية وليس الصوتية، لأن الصوت لم يخلُ من خلل وتفاوت في بعض الأحيان.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

ومع أن الفيلم حشد عددًا من النجوم والفنانين المميزين، إلا أن سطحية القصة قيّدت الشخصيات وكبّلت إبداعها؛ إذ تشكّل القصة الفضاء البنيوي الذي يمنح الشخصيات مساحة مواتية لتقديم طاقاتها الفنية في الأداء وتجسيد الصراعات الداخلية والخارجية، لكن معظم شخصيات الفيلم جاءت وظيفية مفرغة من الحياة، وضعت بمثابة تروس جامدة تقوم بدفع الأحداث وخدمة الشخصيتين الرئيستين وصراعهما الفردي، بحيث يمكن الاستغناء عن عدد من الشخصيات دون أن يتأثر الفيلم! ابتداء من شيخ القبيلة وابنه وفريقه، إلى عصابة الحنشل وأعضائها ومعظم الشخصيات، شخصيات لا تعلق بذاكرتك بعد مغادرة قاعة السينما، لأنها غير مؤثثة ولا تحمل أبعادا نفسية ولا خلفيات واضحة، بما فيها الشخصيات الرئيسة (رماح وسعود)!

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

لقد حملَنا أفق التوقع إلى مساحات هائلة تمنينا أن يجسدها هذا الفيلم على الشاشة، من السلوم والعادات والصراعات التي تحفل بها الصحراء قبل مئة عام. وردت مفردة الغزو أكثر من مرة في الفيلم، لكننا لم نشاهد غزوات ولا معارك، ومفردة الفروسية ولم نجد الفرسان، لا شيء تتذكره أو يعلق بذاكرتك من هذا الفيلم، كل ما هنالك كمائن وغدرات وسلسلة من المصادفات وحوارات وشخصيات مسطحة، وجماجم تتكور على الأرض، ونهاية متوقعة بصراع فردي بين ثائرين، سعود الثأر ورماح الثورة، في قيدٍ كسرهما معًا!

انغلاق سردي، وتفريغ للشخصيات، وفقدان للدهشة، وكل ذلك عائد إلى قصة ضعيفة خالية من الاتساع الدرامي، خنقت الجوانب الإبداعية الأخرى، التي حاول الفيلم إنقاذها عبر الصورة والموسيقى وشيء من المؤثرات. لكن الجمهور – بحسب روبرت مكي- قد ينسى حوارًا أو مشهدًا بصريًا، لكنه لا ينسى أبدًا قصةً محكمةً تُمسك بعقله وقلبه.

اقرأ أيضا: «القيد»… تجربة طموحة تواجه تحديات الإيقاع والمضمون

شارك هذا المنشور