في خضمّ الحراك الإعلامي الذي تشهده المملكة ضمن رؤية 2030، برزت مبادرة «كنوز السعودية» كواحدة من أبرز مشاريع المحتوى الوطني التي تسعى إلى سرد حكاية المملكة بلغة بصرية آسرة. وقد أطلقتها وزارة الإعلام السعودية مطلع عام 2023، لتكون نافذة تعكس التحولات العميقة التي تمر بها البلاد، وهي تحولات لا تقتصر على الاقتصاد والتنمية فحسب، بل تمتد لتشمل الإنسان، والأرض، والتاريخ. ومنذ انطلاقها، سجلت المبادرة حضورًا لافتًا عبر إنتاج أفلام وثائقية مميزة تُعرّف العالم بوجه السعودية المتجدد.
ومن بين أبرز إنتاجاتها الحديثة، يأتي فيلم «الوجهة»، الفيلم لا يقدّم فقط سردًا للتحول، بل يصوغ هوية جديدة للمملكة من خلال أسلوب بصري متقاطع، يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ويغوص في عمق التجربة السعودية بعيون من عاشوها. إنه ليس فيلمًا يكتفي بعرض الأرقام أو سرد إنجازات جامدة، بل يحكي قصة وطن اتجه نحو المستقبل بإرادة لا تعرف التردد.
يعرض الفيلم – المتاح على منصات «شاهد» و«STC TV» والقنوات السعودية – نماذج سعودية من مختلف المناطق والتخصصات، ويجسّد المفهوم الرمزي العميق الذي يحمله اسمه. «الوجهة» هنا ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي حالة طموح، وتحول اجتماعي واقتصادي وثقافي، جعل من السعودية نقطة جذب إقليمية وعالمية.
تميز إنتاج الفيلم بمشاركة أكثر من 80 شركة وطنية، وأكثر من 2600 موهبة سعودية في مجالات التقنية، التصوير، والإبداع البصري، مما يعكس حرص وزارة الإعلام على الاستثمار في الطاقات المحلية وتطوير صناعة المحتوى. كما أن الإعلان عن الفيلم تم على هامش معرض «Impaq» لصُنّاع التأثير، في تأكيد على دور هذه المبادرة في تقديم محتوى لا يكتفي بالتوثيق، بل يسهم في صياغة الوعي العام.
وتكاملت فيه جهود مجموعة من الأسماء البارزة لتنفيذه بجودة عالية، مثل المخرج عبادة الحمامي، والمنتج التنفيذي عبدالله الأحمري، ومنتج منفذ معاذ الحمامي، ومنتج مشارك يزيد البدر، بجانب المنتج حسين علي، ومدير الإضاءة والتصوير عمرو العماري، منتج المحتوى، صنيتان وافي، والإنتاج التنفيذي لأوج ستديوز.
واستغرق أكثر من 165 يوم عمل، و1850 ساعة من التخطيط والتنفيذ، و850 لقطة أرشيفية، و25 مقطوعة موسيقية، نفذها فريق عمل تجاوز 135 شخصًا، و11 ضيفًا رئيسيًا، ومحتوى ثري تم استخلاصه من 350 خبرًا موثقًا، ليخرج الفيلم في صورته النهائية كأحد أهم مشاريع «كنوز السعودية». من كتابة الفكرة حتى إخراجها، مرورًا بالتنفيذ والإنتاج والمونتاج – الذي تجاوزت مدته 10 دقائق بجانب 4 دقائق لفيديو الأغنية –.
ويُبرز الفيلم بوضوح كيف أصبحت رؤية 2030 إطارًا جامعًا يُعيد تشكيل المشهد السعودي على كل المستويات. في السياسة، يسلط الضوء على الحضور الدولي المتزايد للمملكة، وفي الاقتصاد يرصد المشاريع العملاقة التي تعيد تعريف التنمية. أما في الثقافة والرياضة، فيستعرض التحولات التي جعلت من السعودية مركزًا للأحداث الكبرى.
ليست هذه التجربة الأولى للمبادرة، فقد سبقتها أفلام وثائقية مثل «هورايزن» و«المحطة 7»، اللذان قدّما رؤية مبتكرة في تناول مواضيع التنمية والتحول. كما قدمت «كنوز السعودية» مجموعة من الأعمال الأخرى مثل «مرحلة صعبة»، «نورس العرب»، و«أطلس السعودية»، التي تنوعت في مواضيعها بين البيئة، التاريخ، المطبخ، والمجتمع، واستطاعت أن تحجز لنفسها مكانة بين أبرز المبادرات الإعلامية في المنطقة.
تعمل «كنوز السعودية» ضمن فلسفة واضحة: أن تكون الكاميرا أداة لفهم الواقع وتحفيز الخيال. لذلك فإن «الوجهة» لا يكتفي بعرض صور مبهرة، بل يدمج اللقطات الحية بشهادات واقعية من مختصين وقيادات وأشخاص عاديين، جميعهم ينسجون معًا صورة متكاملة عن وطن يركض في اتجاه المستقبل.
يعكس الفيلم أيضًا طموح المملكة في بناء هوية إعلامية جديدة، لا تكتفي بالتسويق للمنجز، بل تُعمّق حضورها الثقافي عالميًا، وتقدّم سردية سعودية أصيلة لا تتكئ على الخطاب التقليدي، بل على جمالية الصورة، وقوة القصة، وصدق التجربة.
من خلال فيلم «الوجهة»، تؤكد مبادرة «كنوز السعودية» أن السرد البصري لم يعد ترفًا إعلاميًا، بل هو جزء أصيل من أدوات التأثير في عالم اليوم. وأن السعودية، وهي تخطو بثقة نحو مستقبلها، تملك الآن القدرة على رواية قصتها بنفسها، بلغة تليق بها، وبصورة تُدهش من يشاهد، وتُقنع من يُحلّل، وتُلهم من يبحث عن المعنى في تحولات العالم.
بهذا الفيلم، كما بأعمالها السابقة، ترسّخ المبادرة مفهوم أن الإعلام ليس مجرد ناقل، بل شريك في البناء، ومحرّك للوعي، ومرآة لوطن قرّر أن يجعل من كل خطوة يخطوها، مادة ملهمة لفيلم جديد.