فاصلة

أخبار وتقارير

الناقدة يانكا باركوتسي: الأرشيف السينمائي جسر بين الذاكرة والهوية

Reading Time: 3 minutes

شهد مؤتمر النقد السينمائي الدولي في نسخته الثالثة يومًا حافلًا بالنقاشات الثرية والمداخلات الفكرية المتنوعة، ضمن فعالياته التي انطلقت أمس الجمعة في قصر الثقافة بحيّ السفارات بالرياض. ليختتم المؤتمر جولاته التي بدأت من منطقة عسير مرورًا بـ القطيف، وصولًا إلى العاصمة الرياض، في محطة أخيرة تهدف إلى تعزيز الحوار السينمائي محليًا ودوليًا، وتوسيع دائرة التبادل الثقافي والمعرفي في مجال صناعة الأفلام.

ويركّز المؤتمر في نسخته الثالثة على العلاقة بين السينما والمكان، بوصف المكان عنصرًا أساسيًا في السرد البصري وركيزة للهوية الثقافية في التجربة السينمائية، حيث يسعى المشاركون إلى استكشاف أبعاد المكان في تكوين الصورة السينمائية، وكيف يسهم في بناء الذاكرة الجماعية وتمثيل التحولات الاجتماعية.

الناقدة والباحثة الهنغارية يانكا باركوتسي، قدّمت جلسة هامة ضمن فعاليات اليوم الأول، حملت عنوان «الأرشيف: حيث تنتهي الأفلام وتولد من جديد»، والتي تناولت خلالها العلاقة الوثيقة بين النقد السينمائي والأرشفة، مؤكدة أهمية حفظ الذاكرة البصرية في تاريخ السينما بوصفها جزءًا لا يتجزأ من فهم تطور الفن السابع واستمراريته.

الناقدة يانكا باركوتسي
الناقدة يانكا باركوتسي

أكدت باركوتسي خلال الجلسة أن العلاقة بين النقد والأرشفة علاقة تكاملية، مشيرة إلى أن فكرة الأرشيف ترتبط بالنقد أكثر مما يظن الكثيرون، فهو يعمل على حفظ الأعمال التي يعتبرها النقاد ذات قيمة أو تستحق الاكتشاف. وكشفت أن تجربتها كناقدة تولّت مسؤولية أرشفة مجموعات الأفلام في بودابست جعلتها تدرك أن كلا العملين – التفكير النقدي وحفظ الأفلام – لا ينفصلان عن بعضهما أبدًا.
وعن مفهوم «الأرشيف كمكان»، قالت إنه ليس مجرد موقع مادي لتخزين الأفلام، بل «مكان للذاكرة والتاريخ والتواصل». وتطرّقت بعد ذلك إلى نشأة مفهوم الأرشفة السينمائية منذ أواخر القرن التاسع عشر، مشيرةً إلى المصوّر البولندي بولسواف ماتوشيفسكي الذي كان من أوائل الداعين إلى حفظ الأفلام بوصفها وثائق تاريخية ذات قيمة معرفية. فقد أدرك مبكرًا أهميتها بعد أن ساهمت إحدى صوره في تصحيح وقائع سياسية جرت عام 1897، ما عزز الوعي بدور الصورة كأداةٍ لتوثيق الحقيقة وحفظ الذاكرة.

وأوضحت أن الموجة الأولى من جهود الأرشفة السينمائية، التي امتدت بين تسعينيات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، جاءت مدفوعةً بدوافع علمية وتعليمية، مستشهدة بتجربة المصرفي الفرنسي ألبرت كاهن الذي أطلق مشروعه الطموح «أرشيف الكوكب» لتوثيق مظاهر الحياة في أكثر من خمسين دولة حول العالم. ورأت أن هذه المبادرة مثّلت الانطلاقة الأولى لفكرة الأرشيف بوصفه مشروعًا إنسانيًا هدفه حفظ الذاكرة البصرية للبشرية.

وأضافت أن الأرشيف السينمائي شهد تحولًا نوعيًا في ثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأ يتخذ شكل مؤسسات متخصصة تمتلك مباني ومرافق مكرّسة لحفظ الأفلام، وترافق ذلك مع نقاشات واسعة حول كيفية الموازنة بين حماية المواد الفيلمية وإتاحتها للجمهور. وأشارت في هذا السياق إلى الخلاف الشهير بين إرنست ليندغرين، الذي دعا إلى الحفظ في بيئة مغلقة تضمن سلامة النسخ الأصلية، وهنري لانغلويس، مؤسس السينماتيك الفرنسية، الذي رأى أن العرض المستمر للأفلام هو السبيل الحقيقي لحفظها في ذاكرة الناس.

الناقدة يانكا باركوتسي
الناقدة يانكا باركوتسي

تطرّقت باركوتسي إلى تجربة الناقدة الأمريكية إيريس بيري، التي كانت من أوائل من نظروا إلى الأفلام بوصفها أعمالًا فنية تستحق الحفظ لقيمتها الجمالية، مؤكدة أن هذا التوجّه أسهم في تأسيس الاتحاد الدولي لأرشيفات الأفلام «FIAF» عام 1938، الذي جمع أرشيفات العالم في شبكة تعاون مؤسساتي تهدف إلى صون التراث السينمائي. واستعرضت مثالًا حيًا على أهمية الأرشفة من خلال قصة الفيلم الصامت «الفجر الأخير» للمخرج الهنغاري ميهالي كيرتس (الذي عُرف لاحقًا باسم مايكل كورتيز)، إذ ظل الفيلم مفقودًا نحو قرنٍ من الزمان قبل العثور على أجزاء منه في النمسا وهولندا وإعادة ترميمه عام 2023، ليُعرض مجددًا في مهرجان «إل سينما ريتروفاتو» بمدينة بولونيا الإيطالية.

وقالت باركوتسي إن هذه القصة تجسّد كيف يمكن للأرشيف أن يعيد الحياة إلى أفلامٍ ظُنّت مفقودة بالكامل، مشيرةً إلى أن الأرشيف السينمائي «ليس متحفًا ولا مكتبة، بل مؤسسة للذاكرة». وأوضحت أن إدراج الصور المتحركة ضمن التراث الثقافي العالمي لم يتحقق إلا في أواخر السبعينيات، عندما أصدرت اليونسكو توصية تعترف بالأفلام كجزء من الهوية الثقافية للشعوب، مؤكدة أن الفيلم يجمع بين نوعين من التراث: ماديّ يتمثل في وسائطه الأصلية، وغير ماديّ في معناه الفني والثقافي.

كما تناولت البعد الفلسفي للأرشفة، مستحضرة أفكار الفيلسوف جاك دريدا حول تشابه الأرشيف مع الذاكرة البشرية، قائلة: «حين نحفظ في الأرشيف، فإننا نحمي الشيء من الضياع، لكننا في الوقت نفسه نعزله عن التداول، فيبقى محفوظًا لكنه غائب».

واختتمت بالتأكيد على أن «الأرشفة ليست مجرد حفظ، بل فعل مسؤولية وتأويل»، فدور الأرشيفيين والنقاد لا يقتصر على حماية المواد القديمة، بل يشمل إعادة تقديمها وإدماجها في السياق الثقافي المعاصر، سواء عبر المهرجانات أو الدراسات أو إعادة التوظيف الفني.

وختمت كلمتها بالقول إن «الحفاظ على التراث السينمائي هو جسرٌ يربط بين صنّاع الأفلام والنقاد والجمهور»، لأنه في جوهره حفاظ على الذاكرة والهوية والتاريخ المشترك للسينما.

شارك هذا المنشور