يبدأ فيلم «يوم أن تُحصى السنون.. المومياء»، للمخرج الكبير الراحل شادي عبد السلام، بوجه ممزق لتابوت عثر عليه ثيودور ديفيس في مقبرة الملكة تيي إذ يتبقى في قناعها الجنائزي عين واحدة. والعيون تستحوذ طوال الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى سنة 1969، على اهتمام شادي عبد السلام.
يصاحب الوجه الممزق عبارة من كتاب الموتى: «يا مَنْ تذهب ستعود، يا مَنْ تنام سوف تنهض، يا مَنْ تمضي سوف تُبعث». تصاحب العبارة موسيقى ماريو ناسيمبيني التي تنساب من أوتار وأبواقٍ مكتومة. ونرى الممثل جابي كراز في دور عالم الآثار جاستون ماسبيرو أمين المتحف المصري، يُحادث الممثل أحمد خيري في دور أحمد كمال أول مصري يدير مصلحة الآثار (في تاريخ لاحق على تاريخ الفترة التي يدور فيها الفيلم). يكلفه ماسبيرو بالتحري، هو وقوة حرّاس الجبل الحكومية المحدودة، عن سرقة آثار الأسرة الحادية والعشرين في الدير البحري. والمتهمون بالسرقة هم قبيلة الحربات التي تسكن الجبل، وهي في عداء أبدي مع الأفندية كما تُطلق عليهم، وهم الممثلون الشرعيون للدولة المصرية.

منذ اللقطات الأولى في فيلم «المومياء»، يؤسس شادي عبد السلام عزلة جمالية، مفرداتها حصر مشاهد الفيلم في زمان ومكان بعيدين. هناك عناية فائقة بالملابس والديكورات القليلة، النطق بلغة عربية فصحى هادئة، يرجع جمالها للأديب علاء الديب الذي كتب الحوار مع شادي، والغريب أن معرفة شادي عبد السلام باللغة الإنجليزية كانت أعمق من معرفته باللغة العربية، إلا أن حدسه الفني هداه إلى خفض النبرات العالية التقليدية التي تواجهنا في الأفلام التاريخية، وكأننا نسمع الصفاء للمرة الأولى في السينما، يحملنا مع سلاسة اللغة العربية النثرية التي تنسجم مع أجواء الفيلم الجنائزية الغامضة. أخذ شادي عبد السلام وقتاً في اختيار اللغة المناسبة للفيلم، ووقع اختياره أخيراً على نثر العربية الفصحى، لأنها حسب قوله تُعبّر عن الخلود، بينما كانت اللهجة الصعيدية العامية، ستُضفي على الفيلم طابعاً واقعياً مُفرطاً، نظراً لانفعالها وعلو نبرتها.

قال مارتن سكورسيزي عن فيلم «المومياء»: له نبرة غير عادية، مهيبة، شاعرية، مع إدراك قوي للزمن، وحتميته المصيرية. بينما كان تعليق إدوارد سعيد على فيلم “المومياء” في مقال بعنوان «شعائر مصرية» ضمن كتابه «تأملات في المنفي» مخيباً للآمال، إذ قرأ سعيد الفيلم قراءة سياسية وتجاهل جدران العزل الجمالي، فربط الفيلم بفترة حكم جمال عبد الناصر، والصعوبات البيروقراطية التي واجهها شادي أثناء صناعة الفيلم، والدولة المركزية التي قيدت الفنون. وعلى الرغم من ألمعية إدوارد سعيد في الكتابة عن الموسيقى والآداب والتاريخ، إلا أنه في مجال السينما كان محدوداً، فقراءته أيضاً لفيلم «ممر إلى الهند A passage to India»، في كتابه «الثقافة والإمبريالية»، تركّزت فقط على البُعد السياسي للفيلم، مع أن مخرج الكبير الفيلم ديفيد لين، لا يمكن تخطيه جمالياً.

يموت سليم زعيم قبيلة الحربات تاركاً سر القبيلة لولديه، ونيس (الممثل أحمد مرعي)، وأخيه الأكبر الذي يقوم بدوره الممثل أحمد حجازي. شاهدتُ أثناء دراستي للسينما في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بعض الاسكتشات الأصلية التي رسمها شادي عبد السلام لجنازة سليم، ربما رأيتها في شقته أو في مكتبه القائم في شارع عماد الدين بوسط القاهرة. كان صلاح مرعي، تلميذ شادي، يُدرّس لنا مادة الديكور السينمائي في المعهد العالي للسينما. وكان مكتب شادي عبد السلام، تحت إشراف صلاح مرعي، مفتوحاً لبعض طلبة المعهد الطامعين في مزيد من المعاينة الفنية، أو مُعايشة المكان الحميمي الذي ضم بين جدرانه، واحداً من أهم المخرجين المصريين.
جنازة سليم في سهل بين الجبال. وأفراد قبيلة الحربات في ملابسهم الجليلة السوداء، والرياح تُصفّر من حولهم، فتلتف الملابس قليلاً على أجسامهم، كما تخيلها شادي عبد السلام في اسكتشاته.

في البداية كان تفكير شادي في الفيلم بالأبيض والأسود، لكن جهة الإنتاج فضّلت أن يكون الفيلم بالألوان لأغراض التسويق. وضع مدير التصوير عبد العزيز فهمي الملقب بملك اللونين الأبيض والأسود، خطة لونية تناسب مزاج شادي، فأدخل الأحمر والأزرق القاتم بحساب دقيق في الملابس، مع اللون الأصفر الترابي لجدران المعابد والأعمدة الفرعونية، بحيث يبقى الأبيض والأسود وظلالهما سائدين على التوزيع اللوني للفيلم.

يصعب نسيان الشريط البنفسجي العريض الذي يؤطر الملس الأسود الذي ترتديه الممثلة نادية لطفي في دور زينة، كما يصعب نسيان الكوفية النبيتي الحريرية على رقبة الممثل شفيق نور الدين في دور التاجر أيوب. صمم شادي عبد السلام ملابس فيلم «المومياء» بنفس الدقة التي رسم بها لوحات واسكتشات الفيلم قبل تصويره، وهكذا حول عقبة إنتاجية، وهي فرض الفيلم الملون تلبية لأغراض التسويق، إلى سمة جمالية للفيلم. لو كان فيلم «المومياء» بالأبيض والأسود؛ كنا سنخسر إطار الشريط البنفسجي والكوفية النبيتي.
العم الصارم يُطلع ونيس وشقيقه على السر. في عمق الجبل، وفي طريق مُعقّد بعيداً عن عيون حُرّاس الجبل، يهبط العم بولدي شقيقه إلى مغارة الدفينة، ويحذرهما بأنهما أصبحا بمعرفة سر الدفينة شخصين آخرين. التابوت الفرعوني بنظرة عينيه المتألقة، وكل التوابيت التي ستظهر في الفيلم، هي نماذج مصنوعة بأيدي مهندسي الديكور صلاح مرعي وأنسي أبو سيف. يفصل العم بقسوة بعد شق لفائف الكتان عن المومياء، سلسلة قلادة على شكل عين فرعونية، ويقول لشقيق ونيس الأكبر: احمل هذه لأيوب التاجر. يرفض شقيق ونيس حمل القلادة لبيعها.

الصدمة تدفع ونيس إلى الجري بين حجارة الجبل قائلاً أمام قبر أبيه: «ما هذا السر؟ جعلتني أخشى النظر إليك، ما مصيري الآن؟ ما هذا السر، العلم به ذنب، والجهل به ذنب أكبر». أمّا شقيق ونيس الأكبر، فيقول في وجه العم عن طريقة عيش الحربات على سرقة الآثار: «هذا عيش الضباع». العم يقول للممثلة زوزو حمدي الحكيم في دور أم ونيس: «قدرك الله على احتمال المكتوب». إشارة إلى نيته قتل ابنها الكبير. الأم تقول لابنها الكبير: «ملعون أنت، حرمت عيوننا نظرة الصفاء، اغرب عن وجهي أيها التعس، إني لا أعرف اسماً لك». وفقدان الاسم أو نسيانه، يعني تيهاً أبدياً للروح. الأم هنا تمتد بعاداتها وتقاليدها إلى مصر القديمة. ودون وعي منها، تردد معاني كتاب الموتى الفرعوني الذي يقول على لسان الإنسان التائه: «اعطني اسمي في البيت الكبير، وأعد إلى الذاكرة اسمي يوم أن تحصى السنين». إذن قبيلة الحربات ليستْ مجرد نهَّابة آثار، لكنها بطريقة ما تعود بعض قيمها في تقدير الخلود إلى مصر القديمة.

في فيلم «المومياء» تيار من الأسئلة والإيماءات والإشارات الباطنية المُعذَّبَة حول الهوية المصرية. يصطدم إرث الماضي الحضاري الثقيل، بالحاضر المشكوك في أخلاقياته، أو على أقل تقدير الأمل المعقود في استعادة الهوية المصرية عن طريق حاضر ونيس وشقيقه. مشاهد تأمل يستغرق فيها ونيس في شظايا التماثيل والأحجار المحفورة بالكتابات، وحطام الأيدي القابضة على مصيرها، والأعمدة الهائلة التي لا تحمل سقفاً تبعث الزمن الماضي، كإدانة حزينة صامتة لحاضرنا جميعاً.
يعرف ونيس نبأ قتل أخيه من مراد ذي الوجه الشاحب. مراد بأنف طويل، ويقول لونيس تعليقاً على اتهامه بخدمة سيده تاجر الآثار أيوب: «سيدي الذهب وبريقه سيدي». بلاغة العبارات الشكسبيرية منثورة في الفيلم كله. صورة مراد مثل صورة اليهودي المعروفة في الآداب العالمية: متملق خبيث أصفر الوجه، يعمل مع كل الأطراف، ويُظهر إخلاصه الزائف لكل طرف على حدى.

يحاول مراد استمالة ونيس لاحتكار تجارة أبيه المتوفي بعيداً عن أيوب، وربما بعيداً عن أبناء عم ونيس الذين هم أيضاً يريدون اقتسام تجارة الآثار مع ونيس بعيداً عجائز قبيلة الحربات. يُلمّح مراد لونيس بأن عمه هو مَنْ قتل أخاه، ويقول له بأن أيوب التاجر سيأخد كل شيء، أو سيأخذ عمك كل شيء، يجب عليك التحرك، خذني معك لمعرفة سر الجبل، كل الذهب سيكون لنا، سنبيعه في القاهرة.
ونيس يذهب للأفندي أحمد كمال، ويدله على مكان الدفينة في الجبل. يستعرض شادي عبد السلام في مغارة الجبل وجوه التوابيت الفرعونية بعيونها الناطقة. كان أحمد كمال يعتقد أنه سيجد توابيت الأسرة الحادية والعشرين، لكنه وجد التوابيت من الأسر السابعة عشر إلى الأسرة الواحدة والعشرين. أربعون تابوتاً عليه أن يُخرجها من مغارة الجبل دون معرفة قبيلة الحربات التي تفوق الأفندية وحرّاس الجبل عدداً. يمكن القول بأن فيلم «المومياء»، هو المسار الجمالي المعقد، لوصول شادي عبد السلام إلى مشهد نهاية، مشهد الجنازة، مشهد الحداد، أي أن شادي عبد السلام أقام حداده الخاص على أجداده. التوابيت على محفات تغطيها ملاءات ثقيلة، تسير في صف مهيب.
اقرأ أيضا: تأمّلات في عالم سعاد حسني