أحدثت «الموجة الفرنسية الجديدة» انتفاضة جمالية أعادت طرح سؤال الفنّ وارتباطه بالواقع السياسي والاجتماعي، وصولًا إلى صوغها نصوصًا عصرية غير أدبية في قوالب جديدة من التعبير والمشاعر والمفردات والأجواء. هذه المحطة في تاريخ الفنّ السابع، تجاوز تأثيرها الحدود الجغرافية والحواجز الزمنية، لتلامس وجدان السينمائيين في مختلف القارات، وهكذا أصبحت احد أهم التيارات إلى جانب «التعبيرية الألمانية» و«الواقعية الإيطالية الجديدة». تأثيراتها واضحة، على رأسها «هوليوود الجديدة»، لا بل أصابت عدواها سينمات اليابان وبولندا والمجر والبرازيل وألمانيا وغيرها.

على الشاشة، كرست «الموجة» أبطالًا فوضويين، عشّاق حرية وحبّ، مناضلين في سبيل إيجاد موطئ قدم لهم في هذه الحياة. في الخلفية، مخرجون ثائرون آمنوا بالكاميرا سلاحاً أمضى من الرصاص، في مواجهة واقع ما بعد الحرب. هؤلاء الروّاد، المتّقدون بالشغف، يحتفي بهم المخرج الأميركي ريتشارد لينكلايتر في أحدث أفلامه، المعنون ببساطة «موجة جديدة» (بالفرنسية) الذي عُرض في مسابقة مهرجان كانّ الأخير. فيلم يرينا كيف وفي أي ظروف وضمن أي عقلية فنية أنجز غودار «على آخر نفس» الذي وضع نوعًا ما البيان التأسيسي لهذه الحركة، رغم أن كلود شابرول وفرنسوا تروفو سبقاه في إنجاز أول أفلام «الموجة».
سُئل لويس بونويل ذات مرة رأيه في «الموجة الجديدة»، فإذا بعلامات الدهشة ترتسم فجأةً على وجهه، ثم سرعان ما استشاط غضبًا، كأنه يسمع بها لأول مرة. رد بحدة: «لا أعرف ما تعنيه هذه الكلمة، لكني لم أضحك في حياتي مثلما كنت أضحك عند قراءتي مقالات مجلة «دفاتر السينما» التي تزعم تمثيلها لهذه الموجة».

هذا التعليق يحمل في طياته قدرًا من الحقد الذي تراكم على مدى سنوات تجاه هذا التيار الذي لم يخفِ يومًا رغبته في «قتل الأب السينمائي» ممثّلاً في الجيل الذي سبقه. القتل هنا يعني ضغينة وقطيعة وربما دمًا رمزيًا. فحين هبّت تلك العاصفة على السينما الفرنسية في أواخر الخمسينات – وذلك بعد فترة قصيرة من ولادة «السينما الحرة» في بريطانيا – كانت فرنسا تنتج نحو مئة فيلم سنويًا. لكن اللافت أن حفنة منها كانت تنجح في استقطاب انتباه النقّاد. هذه الأعمال القليلة كرّست ما عُرف لاحقًا بـ«تقليد النوعية»، وهو تيار انتصر للنزعة الوطنية والحس القومي الفرنسي، ووجد لنفسه مكانة مرموقة في مهرجاني كانّ والبندقية وخطف قلوب الصحافة الأجنبية. إلا أن «الموجة» جاءت لتقوّض هذا التقليد وتواجهه بجرأة، معتبرةً أن ما يُقدَّم من سينما واقعية شعرية ما هو إلا نسخة باهتة تنتحل هوية السينما الأميركية، كما في مثال فيلم «بيبيه لو موكو»، الذي لم يكن، في نظر شلّة «الموجة»، سوى تقليد فرنسي لـ«سكارفايس» الأميركي، لكن من دون أن ينكروا قيمته الجمالية.
في نظر هؤلاء، كانت السينما الفرنسية تختنق تحت وطأة الأدب، تغطيها غبار الحوارات الثقيلة، وتفوح منها رائحة طلاء الاستوديوات. فأرادوا سينما أكثر حيويةً، تستمد مادتها من الشارع والواقع، هنا والآن. ومع ذلك، هناك أسماء حافظت على وهجها وتقديرها لديهم، مثل جان رونوار وجان بيار ملفيل وجان كوكتو، الذين شكّلوا دعماً معنوياً سابقاً لظهور «الموجة»، أي حتى قبل أن تُصاغ الكلمة. هؤلاء ظلّوا في منأى من الهجوم الشرس، بل اعتُبروا، في بعض الأوجه، إرهاصات مبكرة لهذه الحركة التجديدية.

وكانت السينما الفرنسية شهدت خلال سنوات الحرب وما تلاها تجدّدًا تدريجيًا، مدفوعة بضغط داخلي وبفعل تحوّل جمالي واضح، حيث بدأت «الواقعية النفسية» تحلّ محل ما كان يُعرف بـ«الواقعية الشعرية». في طليعة هذا التحوّل برز مخرجون أمثال جان دولانوا، صاحب «الأحدب»، وكلود أوتان لارا، مخرج «السمكري المغرم»، وإيف أليغريه الذي قدّم «علبة الأحلام». لكن بالنسبة إلى فرنسوا تروفو، ابن الخامسة والعشرين آنذاك وأحد رموز «الموجة»، كانت هذه الأفلام أقرب إلى الأعمال التجارية منها إلى التعبير الفنّي. قال عنها ذات مرة: «يجب الاعتراف بأن نجاح هؤلاء السينمائيين أو فشلهم مرتبط بالسيناريوات التي يختارونها، ويمكن القول إن الفضل في أفلام كـ«السمفونية الراعوية» أو «الشيطان في الجسد» أو «ألعاب ممنوعة»، يعود إلى كُتَّاب السيناريو، لا إلى المخرجين أنفسهم».
ولعل أبرز مثال على ذلك، الثنائي جان أورانش وبيار بوست، اللذان اشتهرا بإنجاز أفلام مناهضة للإكليروس، لكنهما – في زمن كانت الأفلام الدينية تفرض نفسها على السوق – لم يترددا في الانصياع لها. لقد كانا وفيَّين لمعتقداتهما، وأثبتا مرارًا أنهما يتقنان فنّ «خداع المنتج» بإرضائه، و«خداع الجمهور» أيضًا بإرضائه أيضًا.
انتقادات تروفو اللاذعة لم تكن مجرد نزق شاب متمرد، إنما تأصيل لفكرة أن السينما ليست هندسة قصصية تخضع للمعايير الجامدة. السينما فعل حيّ، تتطور عبر المجازفة، بالمشاعر والرغبة العميقة في اختراق السائد.

تُعتبَر الأفلام التي أُنجزت في فرنسا بين عامي 1958 و1960 شرارة أولى أطلقت «الموجة». فجأةً، وجدت الكاميرا نفسها حرة طليقة، تجوب الشوارع محمولة على الكتف، من دون إضاءة مفتعلة، ومن دون صقل بصري مبالغ فيه. دخلت السينما عصر المعدّات الخفيفة، ما أتاح انطلاقة جديدة لأسلوب أكثر عفويةً، وأقل خضوعًا للشروط الجمالية التقليدية. أصبح «السيد لا أحد» هو النجم الحقيقي للفيلم، في حين تحوّل المخرج إلى سيده الأوحد، يجرّب، يرتجل، يحتجّ، يصوغ العالم كما يراه من زاويته، مع حبكة قصصية أو من دونها. يمنح الممثّلين حواراتهم في اللحظة الأخيرة، ويقفز فوق عوائق التمويل والإنتاج، مؤسسًا لدوغما جديدة، عصرية، تحمل هموم اللحظة وتعبِّر عنها بديناميكية مدهشة. هذه التفاصيل كلها نراها في فيلم لينكلايتر، الذي يدور بشكل خاص على تصوير غودار لفيلمه الأول، منطلقًا من لا شيء.
أبطال «الموجة الجديدة» عاشوا بأجسادهم في شوارع باريس، لكن كأن رؤوسهم في هوليوود؛ عند ألفرد هيتشكوك وهاورد هوكس خصوصًا. كما تشبّعت رؤيتهم بواقعية روبرتو روسيلليني وبتعقيدات إنغمار برغمان وبتوترات فريتس لانغ. خلطة سينمائية شجاعة، تجاوزت التنظير فانتقلت إلى الممارسة. تلك المرحلة بدت كأنها تتّجه بثقة نحو مزيد من «الأنسنة»، مبتعدةً عن كاثوليكية السينما التقليدية، عن وصاياها العشر، وعن مبادئ الجمهورية ذات الألوان الثلاثة. هذا كله جرى تحت رعاية أندره مالرو، وزير الثقافة آنذاك، الذي كان حريصًا على تمكين الشباب ودعم تجاربهم الفنية.

في تلك اللحظة التاريخية، لمعت على الشاشة وجوه جديدة، أصبحوا رموزًا لفجر سينمائي جديد: جان بول بلموندو، آنا كارينا، جين سيبيرغ، جان بيار ليو، برناديت لافون، جانّ مورو، جان كلود بريالي… أسماء جسّدت الوجه النقيض لما كان يُعرف بـ«الفتى الأول» أو «النجمة النموذجية». أما النساء، التي قصص كثيرة دارت حولهن، فقد كسرن القوالب المألوفة بكلّ جرأة: بشعورهن القصيرة، وبابتعادهن عن مظاهر الأناقة المتكلّفة، قدّمن صورة مختلفة تمامًا للأنوثة: مشاغبة، واقعية، حرة. في كلٍّ من بلموندو وكارينا، وجد غودار، وكان حينها في التاسعة والعشرين، انعكاسًا لذاته المتسائلة والرافضة. أما تروفو، فعثر في جان بيار ليو امتدادًا لشخصه المعذّب، مكتشفًا فيه نموذجًا يعبّر عن قلقه، توقه وعاطفته المضطربة.
راحت اللقطات تقتحم الشاشة بالطريقة نفسها التي تتدفّق فيها الأفكار في المخيّلة: بعفوية، من دون ترتيب زمني صارم، ومن دون فرز تقليدي. هذه الفوضى المنظّمة لم تكن عبثًا، فهي عبّرت عن رغبة مزدوجة: الصدام مع الذائقة السائدة واقتراح بدائل جمالية. حرص غودار على حذف المساحات البيضاء بين الجمل، فحوّل الحوار إلى بينغ بونغ متقطّع. أما كريس ماركر، فجمّد في «الرصيف» الصورة، مستعيضًا عنها بتعليق صوتي يشكّل وحده مسار الحكاية وبنيتها، وكأن الزمن توقّف لتتكلّم الذاكرة وحدها. في هذا المشهد الجديد، ما عاد الموضوع هو ما يحدّد انتماء المخرج إلى صفّ «المؤلفين»، لكن رؤيته الإخراجية الخاصة، تلك التي تربط مجمل أعماله بخيط ناظم، جمالي وفكري. من هنا وُلد ما عُرف بـ«سياسة المؤلف»، وهو مفهوم فضفاض لكنه ثوري، أعاد تعريف السينما كمجال للتوقيع الشخصي.

تاريخيًا، يُعتبَر كلود شابرول أول مَن أطلق فعليًا شرارة «الموجة»، حتى وإن كان جاك ريفيت قد سبق الجميع بإنجازه «ضربة الراعي» منذ عام 1956. بيد أن العمل الذي دشّن «الموجة» رسميًا كان «سيرج الجميل» (1958) لشابرول، وهو بمثابة اقتباس أسلوبي مباشر من روبرتو روسيلليني، صوّره هنري ديكا، مدير التصوير المفضّل لدى شباب الحركة، وأُنجِز بتمويل شخصي بعدما ورث شابرول مبلغًا من المال.
حقّق الفيلم نجاحًا جماهيريًا فاق التوقّعات، الأمر الذي مكّن شابرول من إنتاج فيلمه التالي،«أولاد العم»، بعد عام واحد فقط، ومن ثم مدّ يده الى رفاقه (من بينهم إريك رومير وجاك ريفيت)، لدعم مشاريعهم الأولى. إلى جانبهم، كانت هناك أسماء أخرى ستصبح لاحقًا علامات فارقة في تاريخ السينما: آلان رينه، أنييس فاردا، جاك دومي، وأيضًا جاك دونيول فالكروز، مؤسّس مجلة «كاييه دو سينما»، إلى جانب الناقد أندره بازان، الذي اعتُبر الأب الروحي غير المتوَّج لهذا الحراك السينمائي.
كان يُطلق على هؤلاء لقب «الشباب الأتراك» (نسبة إلى حركة الإصلاح السياسية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين وأرادت استبدال الملكية الفكرية للسلطنة العثمانية بحكومة دستورية)، وهي تسمية تحيل على تمرّدهم وحماستهم، وسينيفيليتهم النهمة، تلك التي جعلتهم قادرين على سرد ريبيرتوار سينمائي كامل والذوبان في السينما الأميركية على سبيل الاشتباك معها.
كان هناك داخل «الموجة»، استقطاب واضح بين تيارين: الأول، من أبناء عائلة النقد السينمائي، أولئك الذين تمرّسوا في الكتابة والتحليل داخل صفحات «دفاتر السينما». والثاني، من المخرجين الذين سبق لهم أن خاضوا تجارب في صناعة الأفلام القصيرة، وجاؤوا إلى السينما من باب الممارسة لا النظرية. نحو أربعة عقود قبل «دوغما 95»، كانت «الموجة» أرست أسس مؤسّسة راديكالية، مشيدةً مجدها على ممارسات إقصائية، أزاحت بها الجيل الثاني من المخرجين، بكلّ ما يمثّلونه من صرامة شكلية وانضباط إنتاجي. كان هؤلاء الشباب، بعنفوانهم وفوضاهم الخلّاقة، يواظبون على محو الماضي القريب، في ما يشبه «الهولوكوست السينمائي» مستهدفين رموز السينما الفرنسية التقليدية.
ومع الزمن، تكشّفت الفروقات بين مخرج وآخر. لم يبقَ الجميع في أماكنهم: مَن كان على ضفّة السينما الشكلانية ابتعد أحيانًا عن البعد الاعتراضي، والعكس. لكن ما بقي ثابتًا هو أن «الموجة» لم تكن مجرد موجة… وما فيلم لينكلايتر سوى دليل على انها لا تزال حية في أبنائها المنتشرين زمانًا ومكانًا.
في شتاء من عام 2007، في لقاء جمعني بآلان رينه، الذي كان في الرابعة والثمانين آنذاك، قال هذه الكلمات: «لم أتمكّن يومًا من الاندماج الكامل في «الموجة»، لأننا لم نكن جميعًا من جيل واحد. أولئك الذين انتموا إلى هذه الحركة كانوا أصغر سنًّا منّي بكثير، بينما كنت أنا قد بدأتُ في إنجاز أفلام قصيرة. على الرغم من ذلك، كانت علاقتي بهم طيبة. الشيء الإيجابي في «الموجة» هو أنها فتحت المجال للجميع ليصبحوا سينمائيين في وقت كانت فيه الصناعة مغلقة أمام مَن لم يمرّ بتجربة العمل كمتدرب أو مساعد مخرج في تسعة أفلام على الأقل. أهميتها تكمن في إيمانها الراسخ بأنه إذا كان الفنّان يحب السينما، فهذا يكفي ليأخذ المجازفة ويخوض غمارها».

بعد فيلمه «أولاد العمّ»، لم يواصل كلود شابرول، اليساري الميول، تغذية سينماه بأفكار «الموجة» ومبادئها. بل كان دائمًا في موقف المراقب المشكّك، يدين تجاوزات «الموجة» وتعصّبها. وعلى الرغم من انقطاعه عن هذا المسار الجمالي، ظلّ الرابط الأساسي بين مختلف أطياف «الموجة» الجديدة بفضل طباعه الطيبة، وتوجّهاته الساخرة، وقدرته على التعامل مع الأمور من دون جديّة مفرطة، إنما بتراخٍ خلّاق.
غودار، وبعد عقود من انطلاقته، ظلّ ذلك «الغودار» الذي عرفناه، مع تعديلات طفيفة هنا وهناك، لكن جوهره بقي على حاله. كان يؤمن أن السينما هي «24 مرة الحقيقة في الثانية الواحدة»، لكنه مع مرور الوقت أصبح يقول إنها «الكذبة 24 مرة». استمر أنصاره في اعتباره المخرج الذي «خلق السينما مرارًا وأعاد خلقها تكرارًا»، حيث كان كلّ فيلم جديد له بمثابة شهادة على موت السينما وبقائها حية في آن واحد.
في المقابل، تعرض تروفو لانتقادات حادة، حيث اتّهمه البعض بأنه اختار أشكالًا سينمائية كان قد حاربها سابقًا عندما كان ناقدًا في «دفاتر السينما». وجد البعض أنه أصبح أكثر كلاسيكيةً ممّا ينبغي. في الوقت الذي كانت فيه السينما الشابة تعلن انحطاط الشخصية وموتها، كانت أفلامه تمجّد الشخصيات وتعيد إلى الحياة الأيقونات الاجتماعية الرفيعة في المجتمع الفرنسي، من أديل، ابنة فيكتور هوغو، إلى أنطوان دوانيل، وصولًا إلى الطفل البريّ.
مع السنوات والعقود، كبرت العائلة واتّسعت رقعتها، وأصبح لها أبناء روحيون في كلّ أنحاء العالم. كثيرون من هؤلاء لا يرون في «الموجة» مجرد تيار فني، إنما حبل السرّة الذي يربطهم بالسينما نفسها. صحيح أن المغامرة انتهت، وأن المبادرين لها توزّعوا على مشاريع متباينة، وابتعد بعضها، أحيانًا، عمّا كانوا يرفعونه من شعارات أولى (تروفو مثال واضح في بعض أفلامه المتأخرة). لكن من الناحية الجمالية، لا تزال سلالة «الموجة» حاضرة، تتمظهر بأشكال مختلفة في أعمال مخرجين كثر.