يعلم متابعون أنّ فيلم «الملحد» واجه تأجيلًا طويلًا، من عام 2024 حتى نهاية 2025، نتيجة دعوى قضائية حالت دون عرضه في موعده، قبل أن يُفرَج عنه مؤخرًا. هذا المنع رفع منسوب الترقُّب للفيلم الذي يُعدّ التعاون السينمائي الثاني بين مؤلّفه إبراهيم عيسى ومخرجه محمد العدل بعد فيلم «صاحب المقام»، والثالث إجمالًا بإضافة مسلسل «فاتن أمل حربي». في العادة، يُفترض أن يعني تكرار التعاون وجود تفاهم فنّي وقدرة على العمل المشترك، لكن يبقى السؤال مطروحًا: هل ينعكس ذلك بالضرورة على النتيجة النهائية؟ في السطور التالية، محاولة للإجابة.
حوار دون سيناريو
تدور أحداث الفيلم حول الطبيب الشاب يحيى السروطي (أحمد حاتم)، الذي يُعلن لأسرته، وتحديدًا لوالده المتزمت حافظ (محمود حميدة)، أنه ألحد. يدفع هذا الإعلان الأب إلى إخضاع ابنه لما يُسمّى «جلسات الاستتابة»، التي تكون نتيجتها، وفق ما يطرحه الفيلم، إما العودة إلى الدين الإسلامي أو القتل، مستندًا في ذلك إلى آراء فقهية منسوبة لابن تيمية.
هذه السطور تختزل تقريبًا ما يحدث في الفصل الأول من الفيلم، بل تمتد لتغطي معظم أحداثه حتى النهاية. نظريًا، يطرح الفيلم فكرة نادرة نسبيًا في السينما المصرية: ما الذي يدفع شخصًا إلى الإلحاد؟ وهو السؤال الأسهل. ثم ينتقل إلى السؤال الأصعب: كيف يمكن لملحد أن يُجاهر بفكره داخل مجتمع متديّن في غالبيته؟ وإنما السيناريو لا يذهب بعيدًا في تفكيك هذه الأسئلة، ويكتفي بالدوران في حلقات مفرغة من الحوارات الفكرية بين يحيى ومَن حوله ممّن يحاولون إعادته عمّا يؤمن به، وعلى رأسهم عمه كارم (حسين فهمي)، الذي يقف في موقع مغاير تمامًا لشقيقه، بوصفه شخصية عقلانية ترفض التطرّف الديني.

على هذا النحو، لا يبتعد الفيلم كثيرًا عن معظم أعمال إبراهيم عيسى السابقة، وربما يُعدّ من أضعفها. فغياب الدراما واضح، ولا يظهر صراع حقيقي متنامٍ أو متعدّد البُعد، باستثناء لمحات محدودة. نحن أمام فكرة مثيرة، لكنها تُطرح عبر حوارات دينية وفلسفية وعاطفية مباشرة، من دون تحويلها إلى مادة سينمائية حقيقية. ويبلغ هذا الطابع المباشر ذروته في الحوارات العاطفية، التي تأتي في صيغ إنشائية من قبيل: «إنت بتشوف ربنا كل مرة بتفتح صدر مريض، مع كلّ نَفَس بتتنفسه».
للإنصاف، يحاول السيناريو إدخال بعض الحبكات الفرعية، لكنها لا تنجح في منح الأحداث جاذبية حقيقية. من بينها مرض الأب، أو مَشاهد يُفترض أن تكون مؤثّرة، لكنها تُعالَج بشكل سطحي، مثل مَشاهد الفلاش باك التي نكتشف من خلالها أنّ أفكار الأب المتطرّفة دفعت يحيى، وهو طفل، إلى التسبُّب في سقوط جارته من شرفة منزلها. هذا الحدث، المفترض أن يكون صادمًا ومؤسسًا نفسيًا للشخصية، ينتهي عند حدود الفلاش باك، من دون أي تبعات درامية لاحقة. اللافت أنّ الأب نفسه لا يذكر اسم الضحية حين يواجهه يحيى، وكأنّ الأمر اعتيادي أو متكرّر.

وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة أساسية تتعلّق بالحوار في السينما. فالمشكلة ليست في اعتماد الفيلم على الحوار المكثَّف، إذ إنّ تاريخ السينما حافل بمخرجين قدَّموا أعمالًا قائمة على مَشاهد حوارية طويلة، مثل الفرنسي إريك رومير وغيره. الحوار عنصر أساسي في بناء الفيلم. المشكلة هنا أنّ الحوار لا ينبع من الشخصيات ولا يكشف عن دواخلها أو تطوّرها، بل نسمع من خلاله صوت المؤلّف نفسه. لذلك، لا نكاد نجد فروقًا حقيقية بين حوارات الشخصيات المعتدلة دينيًا أو المتطرّفة في أعمال إبراهيم عيسى المختلفة. يمكن نقل الحوار من شخصية إلى أخرى، أو من عمل إلى آخر، من دون أن يبدو غريبًا، لأنه غير مُصمَّم لخدمة الدراما أو بناء الشخصيات، بل لطرح فكرة مباشرة في كلّ مشهد. وهذا يقودنا إلى الإشكالية التالية.
شخصيات بلا ملامح
يفتتح الفيلم بمشهد يحيى وهو يقتحم منزل أسرته محاولًا عقد قران شقيقته القاصر. من هنا يبدأ الصدام مع الأب، ويُعلن يحيى إلحاده، بينما يستخدم الأب سلطته لفرض الأمر الواقع وإتمام الزواج. لكن ماذا يحدث لهذه الفتاة لاحقًا؟ لا نعلم. هل كان لها دور درامي يتجاوز إشعال الصراع بين الأب والابن؟ الإجابة لا. هذا النمط يتكرّر مع معظم الشخصيات، التي لا تؤدّي وظيفة درامية حقيقية سوى تمرير الرسائل التي يريد الفيلم إيصالها.

مثال آخر هو شخصية نورا (نجلاء بدر)، زوجة كارم، التي يقتصر وجودها على السخرية من أفكار حافظ. مرّة عبر التهكم على مسألة «البيتزا» إن كانت حلالًا أو حرامًا، ومرة عبر مهاجمته لرفضه مصافحتها. في مشهد لاحق، تظهر نورا مرتدية زيًا كرتونيًا ذاهبة إلى عيد ميلاد طفلة، في مشهد يبدو كأنه يُمهّد لمسار جديد، لكنه ينتهي من دون أي استكمال. الأمر نفسه ينطبق على شخصية حبيبة يحيى (تارا عماد)، التي لا نعرف طبيعة علاقتها به حتى نهاية الفيلم، ولا يتجاوز تأثيرها إبلاغ إدارة المستشفى بأنه يخضع لجلسات استتابة.
لا تكمن المشكلة في وجود شخصيات مُساعدة تُلقي الضوء على البطل، بل في غياب الضرورة الدرامية والأبعاد الواضحة لهذه الشخصيات داخل البناء السردي، وهو ما يتكرَّر هنا بشكل لافت. الأسوأ أنّ هذا الضعف يمتدّ إلى الشخصيات الرئيسية نفسها. كارم يمتلك مصنعًا للتماثيل الفرعونية، لكن هذا التفصيل لا يؤثر في الأحداث، سوى إتاحة مساحة لحوارات عن تحريم التماثيل. أما يحيى، بطل الفيلم، فلا نعرف عنه شيئًا تقريبًا سوى كونه «ملحدًا». علاقته بحبيبته باهتة، لا نعرف إن كانت علاقة عاطفية حقيقية أم صداقة. لا نعرف مدى نجاحه المهني، ولا طبيعة علاقته ببقية أفراد أسرته، باستثناء مشهد عابر للأم. ماضيه كلّه يُختزل في مشهد فلاش باك واحد. كأنّ الشخصية وُلدت مع بداية الفيلم، بلا تاريخ أو تعقيد، وكلّ ما يهم هو إلحاده بوصفه نتيجة مباشرة لقسوة الأب.
مسرح أم سينما؟
نظرًا للطبيعة الحوارية الطاغية، لم يملك المخرج خيارات بصرية كثيرة. معظم المَشاهد تتكوّن من شخصيات جالسة تتبادل الحديث، مع محاولات محدودة لإدخال الحركة بهدف كسر الرتابة، لكنها غالبًا ما تزيد الإحساس بالمسرحية. في إحدى جلسات الاستتابة، يقف يحيى ليلقي خطابًا طويلًا عن معتقداته، ويتحرّك داخل الغرفة بأداء أقرب إلى المسرح. حين يقول «الله خارج الزمن»، تُقطَع اللقطة إلى ساعة حائط، وحين يقول «الله ليس طاقة»، يُطفئ نور الغرفة. حلول بصرية لا تضيف معنى، بل تُربك النقاش نفسه.

يعرض الفيلم جلسات الاستتابة الثلاث كاملة: الأولى والثانية في شقة كارم، والثالثة تنتقل فجأة إلى سطح بناية، من دون مبرّر درامي واضح، في محاولة أخرى لكسر الجمود المكاني. ومع هذا النصّ، يجتهد الممثلون قدر الإمكان. محمود حميدة يتحمَّل العبء الأكبر، وصابرين تُقدم أداءً صادقًا في دور الأم، بينما يظهر حسين فهمي بأداء متّزن في دور العم العقلاني. ويُسجَّل أداء لافت لأحمد السلكاوي في دور أحد الشيوخ، خصوصًا في إتقانه مَخارج الحروف في العربية الفصحى.
في المقابل، يظلّ الأداء الأضعف من نصيب أحمد حاتم، الذي يؤدّي الشخصية بتعبير واحد طوال الفيلم، وكأنّ الملحد، مثل المُتشدّد دينيًا هنا، لا يبتسم. هذا الأداء يُعمّق مشكلة تفريغ الشخصية من أيّ حياة داخلية، فلا نرى سوى بُعد واحد جامد، من الداخل والخارج معًا.
اقرأ أيضا: من «سيكو سيكو» إلى «الست»… ملامح عام سينمائي مصري متحوّل